مقالات و محاضرات

 

 

 

"وكالة الاستخبارات الوطنية" وتركة نيجروبونتي الثقيلة

 

 

منصب مدير الاستخبارات الوطنية، الذي سيخلو قريباً بعد انتقال السفير "جون نيجروبونتي" إلى منصب نائب وزيرة الخارجية الأميركية، كان قد تم اعتماده عقب سجال محتدم بيد أن شاغله يُمنح أبداً السلطات الكاملة المطلوبة لتمكينه من الاضطلاع بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه.

وقد تمكن "نيجروبونتي" بعد صراع مع المحددات والقيود الكامنة في طبيعة المنصب، من تحقيق بعض التقدم خصوصاً في المجالات المتعلقة بتعزيز قدرات الاستخبارات الأميركية، بيد أنه لم يتمكن من تحقيق العديد من الأهداف الأخرى التي سيجد خلفه المحتمل اللواء بحري متقاعد "مايك ماككونيل" نفسه مطالباً بتحقيقها. وفي عصر تحتل فيه الاستخبارات مكانة مركزية بالنسبة للتحديات الخارجية والعديد من التحديات الداخلية، فإن القدرة على مواجهة تلك التحديات تتوقف على مدى نجاح أو فشل وكالة الاستخبارات الوطنية في الأساس.

يذكر أن هيكلية الاستخبارات الحالية تقوم على التوصيات المقدمة من قبل "لجنة الحادي عشر من سبتمبر"، وهي توصيات تختلف في طبيعتها عن توصيات "جولد ووتر- نيكولاس" المتعلقة بإصلاح المؤسسة العسكرية، التي استغرق الأمر سنوات حتى تتم مناقشتها وتفعيلها. والاختلاف مبرر من حيث إن العديد من القرارات الرئيسية المتصلة بتوصيات إصلاح الاستخبارات المقدمة من قبل تلك اللجنة تم تلفيقها في بحر أسبوع. كما أن العديد منها ارتبط بنوعية السجال الذي كان دائراً في الحملة الانتخابية الرئاسية التي كانت قد سبقتها.

وقد عارضت أنا ومعي مسؤول استخبارات آخر كبير في ذلك الوقت مشروع إعادة الهيكلة، على أساس أن التحسينات المطلوبة يمكن تحقيقها من خلال زيادة سلطات مدير الوكالة. وكان رأينا أنه إذا ما كان سيتم إنشاء منصب جديد تحت مسمى "مدير الاستخبارات الوطنية" فإن حامل هذا المنصب يجب أن يحصل على سلطات ضخمة خصوصاً فيما يتصل بالميزانية، وأن تكون له كذلك سلطة الإشراف والسيطرة على وكالات الاستخبارات الرئيسية في البلاد، وذلك حتى يتمكن من تحقيق نوعية التغييرات المطلوبة.

والحقيقة أن الكونجرس كان قاب قوسين أو أدنى من منح هذه الصلاحيات، غير أنه استسلم في النهاية لإصرار وزارة الدفاع على أن العديد من الوكالات الأكثر أهمية (وكالة الأمن الوطني، ووكالة الاستخبارات الجغرافية المكانية، ووكالة الاستطلاع الوطنية) يجب أن تظل تحت إشراف سلسلة القيادة التي كانت تابعة لها.

وعلى الرغم من أن الكونجرس قد منح وكالة الاستخبارات الوطنية سلطات إضافية ضئيلة بشأن أمور الميزانية ونقل الأفراد بين الوكالات المختلفة، إلا أن تلك السلطات ارتبطت بالعديد من المحاذير التي كان مقصوداً بها إبطاء مثل تلك الجهود أو المحافظة على مبدأ المساواة بين الإدارات. ولم يفعل الكونجرس شيئاً من أجل إصلاح نظام الإشراف المربك والصعب السائد في مجتمع الاستخبارات والذي أدى إلى الحد من مرونة العمل بداخله بسبب بعض الشروط المفروضة ومنها ضرورة قيام 6 وكالات استخبارية مختلفة بالإدلاء برأيها عند اتخاذ نوعية معينة من القرارات.

في صيف 2004 قلتُ أثناء جلسة من جلسات الكونجرس إن هناك حاجة "لخطوط قصيرة وواضحة للقيادة والسيطرة في أي هيكلية يتم اعتمادها... وإن هناك ثلاثة أشياء مهمة بالنسبة لأي هيكلية هي خفة الحركة، والمرونة، والسرعة".

والحقيقة أن "نيجروبونتي" كان مضطراً بسبب القيود والحدود المفروضة على أدائه لمهام منصبه لأن يعمل على تعزيز سلطته من أجل تحقيق هذه المطلوبات الثلاثة. وإنصافاً للرجل نقول إنه قد تمكن من تحقيق ذلك فيما يتعلق ببعض الموضوعات الحيوية المتعلقة بالميزانية وشؤون الأفراد، حيث تمكن من اختيار مجموعة من الموظفين المهرة الذي يتمتعون بالخبرة. كما شرع في التركيز على بعض المشكلات الصعبة التي تتطلب مجهوداً هائلاً من أجل حلها مثل الحاجة إلى بنية متكاملة للمعلومات بالنسبة لكافة الوكالات التي يتشكل منها مجتمع الاستخبارات في الولايات المتحدة.

على الرغم من أن العديدين في مجتمع الاستخبارات ينظرون إلى المؤسسة الاستخباراتية الجديدة على أنها عملاق بيروقراطي تم فرضه على مجموعة من الوكالات الاستخباراتية بطريقة تؤدي إلى خلق المزيد من الأعباء على تلك الوكالات بدلاً من أن تؤدي إلى تعزيز عملها، إلا أنه يتعين علينا القول إنه ما زال من المبكر التكهن بالتأثير النهائي لذلك، على أساس أن جميع عمليات إعادة التنظيم تمر بفترات صعبة، حيث يتم وضع أشياء ثم تغييرها وإحلال أخرى محلها إلى أن تنتظم الأمور في النهاية.

مع ذلك هناك حقيقة مهمة مؤكدة وهي أن الجميع مطالبون من أجل سلامة وأمن اميركا سواء داخل الهيكل الجديد أو داخل الأجهزة التابعة له، بأن يبذلوا قصارى جهودهم من أجل ضمان نجاح الهيكل الجديد.

في هذا السياق نقول إن الأولوية الأولى للمدير الجديد "ماككونيل" يجب أن تتمثل في تحقيق المزيد من التنسيق والتعاون بين الوكالات الست عشرة التي يتكون منها مجتمع الاستخبارات على أن يشمل ذلك توحيد منظومات المعلومات، وتوحيد منظومات تعيين الأفراد وسياسات تقييمهم، وتوحيد معايير جمع وتحليل المعلومات، وتقاسم المعلومات المتعلقة بالسياسات الأمنية التي تضمن تدفق المعلومات بسلاسة خصوصاً في المهام الحرجة وتوفر في نفس الوقت الحماية ضد اختراق وكالات الاستخبارات الأجنبية. كما يجب على وكالة الاستخبارات الوطنية أن تركز بشكل أساسي على الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، وأن تتجنب الاستغراق في التفاصيل اليومية المتشابكة الخاصة بالتحليل والعمليات السرية التي تشكل عبئاً على اهتمام وطاقة رؤساء الاستخبارات الذين يتوقف عليهم نجاحها إلى حد كبير كما أثبتت تجارب وكالة "السي آي إيه" منذ إنشائها عام 1947.

*زميل أول بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز ونائب مدير السي.آي.إيه من 2000 حتى 2004

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-9-1-2007