مصداقيّة الإعلام الوطني واستجابته لتحدّي الفضائيّات

 

د. فارس بريزات

 

يعتبر الرأي العام العربي في كل من الكويت وفلسطين والأردن أن التلفزيون هو المصدر الأكثر وثوقاُ بخصوص خبر سياسي محلي وبنسب متفاوتة. فبينما يعتبر 50في المائة من الكويتيين أن التلفزيون هو الأكثر مصداقية، يرى بذلك 78.9في المائة من الفلسطينيّين و 80في المائة من الأردنيين. وعلى الرغم من الهالة التي تحاط بها الصحافة المكتوبة، إلا أنها لا زالت تراوح في مستويات متدنية مقارنة مع التلفزيون. إذ لم تتجاوز نسبة الذين يعتبرون الجرائد والصحف المحلية انها المصدر الاكثر وثوقاً بخصوص خبر سياسي محلي نسبة 22.6في المائة في الكويت، و 2.8في المائة في فلسطين، و 8.2في المائة في الأردن. ومن الملفت للنظر ان الاذاعة تحتل المرتبة الثانية في فلسطين من ناحية المصداقية بنسبة 12في المائة، بيما تحتل المرتبة الرابعة في الكويت والثالثة في الأردن.

وتكشف هذه البيانات، التي تنشر لاول مرة والمستقاة من مشروع مقياس الرأي العام العربي الذي يجري تنفيذه في كل من المغرب والجزائر وويجري الاعداد لتنفيذه في مصر اضافة الى الدول التي اكتمل فيها تنفيذه وهي الكويت وفلسطين والأردن، عن ان سوق التنافس الإعلامي في المجال السياسي يكاد ينحصر بالتلفزيون في كل من الأردن وفلسطين وبشكل اقل في الكويت. وسنرى هذه الاتجاهات في الدول العربية عندما نخلص من تنفيذ المسوحات فيها. وستضيف مسوحات مبادرة الاصلاح العربية التي تنفذ في ستة دول عربية اخرى بيانات عن دول اخرى. وسيكون بامكاننا لأول مرة مقارنة مصداقية الإعلام في الدول العربية بشكل اكثر انتظاماً من الناحية المنهجية.

وعلى الرغم من انتشار الإنترنت كمصدر مهم للاخبار في العالم، إلا انها لا زالت ترواح في مستويات متدنية في الدول الثلاث ولم تحل محل الصحافة المكتوبة والإعلام المرئي باشكالهما التقليدية. ويبدو ان انتشار الإنترنت في الكويت بشكل اكبر منه في الأردن وفلسطين جعل الإنترنت تحصل على نسبة 10في المائة من الكوييتيين كأكثر المصادر وثوقاً بخصوص خبر سياسي محلي، مقارنة بـ 3في المائة في فلسطين و1.6في المائة في الأردن.

ومع ازدياد استخدام تكنولوجيا الاتصالات الخلوية وارتقاع نسب المشتركين بخدماتها بدأ استخدام الرسائل النصية يدخل على وسائل تلقي الأخبار السياسية المحلية ولو بنسب متدنية جداً ولكنها تفوق نسب المجلات والصحف الاسبوعية في الكويت وبمستويات مماثلة لها في كل من الأردن وفلسطين. حيث يعتبر 3في المائة من الكويتيين ان الرسائل النصية هي المصدر الاكثر وثوقاُ بخصوص خبر سياسي محلي، مقارنة مع 0.2في المائة في فلسطين ولم تظهر الرسائل النصية كأحد المصادر الاكثر وثوقاً بخصوص خبر سياسي محلى في الأردن.

وبما ان التلفزيون هو المصدر الاكثر وثوقاً بخصوص خبر سياسي محلي في المجتمعات الثلاثة، فلا بد من التعرف على المحطات التلفزيونية التي التي يعتمدها المواطنون كأهم مصادر الأخبار السياسية المحلية.وللوصول لهذه الغاية صممت الاسئلة بطريقة تتابعية تسمح بالوصول لاسم المحطة التلفزيونية او الصحيفة او المجلة سواء كانت يومية ام اسبوعية والى الموقع الالكتروني. وسنختصر الشارة هنا الى المحطات التلفزيونية نظراً أن التلفزيون هو الذي يحتل المرتبة الأولى. ولكن سنقوم بنشر النتائج لجميع الوسائل الأخرى في وقت لاحق وعند اكتمال جمع البيانات في جميع الدول.

بعكس الأردن وفلسطين، يحتل التلفزيون الوطني الكويتي المرتبة الأولى بين الكويتيين كاكثر المصادر التلفزيونية مصداقية بخصوص خبر سياسي محلي ونسبة 47.6في المائة من الذين قالوا بأن التلفزيون هو المصدر الاكثر وثوقاً بخصوص خبر سياسي محلي. ويمكن تفسير هذه الظاهرة جزئياً بمستوى الحرية الإعلامية المتقدّم في المؤسسات الإعلامية الكويتية بما فيها التلفزيون مقارنة مع المؤسسات الإعلامية الوطنية في الدول العربية الأخرى، وبصغر المجتمع السياسي الكويتي الذي يتناول اخباره التلفزيون المحلي بصورة تكاد تكون شاملة خصوصاً حوارات البرلمان الكويتي التي تثير كثير من الاهتمام بين الكوييتيين. يليه وبفارق كبير نسبياً تلفزيون قناة الرأي الكويتية وبنسبة 11.6في المائة، ثم قناة السي ان ان ونسبة 10.2في المائة، يليها قناة الجزيرة 8.8في المائة، يليها قناة العربية بنسبة 7.5في المائة، ثم قناة البي بي سي بنسبة 7.5في المائة، تتبعها محطة ام بي سي بنسبة 3.4في المائة، ثم قناة الأخبار بنسبة 3.4في المائة. والمثير للاهتمام هو حصول قناتي السي ان ان والبي بي سي على نسب قريبة من النسب التي حصلت عليها كل من الجزيرة والعربية. ولعل تفسير هذه الظاهرة في الكويت يتعلق جزئياً بانتشار الإنجليزيّة بين الكويتيين بنسب مرتفعة نسبياً من جانب. ومن جانب اخر توفر المحطات الأخرى (غير التلفزيون الوطني الكويتي) رديف لمقارنة الأخبار المحلية من مصادر مختلفة وبذلك تتساوى تقريباً القنوات الفضائية العربية مع القنوات الإنجليزيّة كمصادر ذات صدقية في الأخبار السياسية المحلية الكويتية. وهناك عامل اخر ذو اهمية نسبية وهو الدخول المرتفعة للكويتيين التي تمكنهم من الاشتراك في الخدمات الإخبارية المتقدّمة التي تقدّمها القنوات الإنجليزيّة.

في فلسطين تحتل قناة الجزيرة الفضائية المرتبة الأولى بين محطات التلفزيون بأنها المصدر الاكثر وثوقاً بخصوص خبر سياسي محلي وبنسبة 64في المائة. يليها التلفزيون الوطني الفلسطيني ثم مجموعة من المحطات الأخرى تتوزع بين التلفزيون الأردني والتلفزيون الإسرائيلي والسوري وغيرها من محطات التلفزة الارضية والفضائية مثل ال بي سي. ثم ياتي تلفزيون المنار بنسبة 3في المائة، ثم قناة العربية بنسبة 3في المائة. وتشير مقارنة هذه الدراسة مع دراسات سابقة الى ان قناة الجزيرة تحتفظ بالريادة بين المشاهدين الفلسطينيّين ولم يتمكن التلفزيون الوطن من الدخول في منافسة جدية معها. ومرد هذه الظاهرة يعود بالدرجة الأولى الى ان الجزيرة لديها فرق صحفية منتشرة بشكل كبير في المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتغطي الاحداث بشكل اسرع من المحطات الأخرى المافسة مثل العربية. ومن جانب أخر تتميز تغطية الجزيرة للأحداث في فلسطين بالمباشرة والنقل الحي من موقع الحدث وهذا يجعل القناة اقرب الى المشاهد لأنه يرى حقيقة ما يعيشه على شاشتها. وتتميز تغطية الجزيرة في فلسطين بذكر اسماء الفاعلين والشركاء في الحدث مع بعض التفصيل. اضافة لذلك، تبدو تغطية قناة الجزيرة للاحداث الفلسطينية مؤثرة في المتلقي. لا ينفي هذا ان القنوات الأخرى تقوم بعمل مشابه وربما مطابق لما تقوم به الجزيرة ولكن اسبقية الجزيرة خلقت لها جمهور يصعب انتزاعه. وربما يفسر هذا الحال تدني النسبة التي حصلت عليها قناة العربية ين الفلسطينيّين. ومن الملفت للنظر ان قناة المنار تحتل مرتبة متساوية مع قناة العربية بين الفلسطينيّين (3في المائة).

في الأردن تنافس قناة الجزيرة التلفزيون الوطني المكان الاول كالمصدر الاكثر وثوقاُ بخصوص خبر سياسي محلي حيث يحتل كل منهما نسبة 43في المائة بين الأردنيين الذين أفادوا بان التلفزون هو المصدر الاكثر وثوقاً بخصوص خبر سياسي محلي. وبمقارنة نتائج هذه الدراسة مع دراسات سابقة تعاملت مع هذا الموضوع على مر السنوات السابقة، يتأكد الاتجاه العام بان قناة الجزير تحتل وبازدياد مضطرد مكان اكثر تقدّما في كل دراسة استطلاعية بينما يحافظ التلفزيون الأردني على ذات الموقع او يتراجع تريجياً لصالح الجزيرة او غيرها من المحطات الأخرى. وتأتي قناة العربية بالمرتبة الثالثة يليها وبنسب أقل من 1في المائة كل من ام بي سي والمنار والحرة والسي ان ان. ويمكن تفسير حضور الجزيرة القوي كمصدر ذومصداقية للاخبار المحلية الأردنية بين الأردنيين الى سرعة تغطية الأخبار السياسية المحلية وتلك ذات البعد الاقليمي. تميزت تغطية قناة الجزيرة بقربها من مراكز العل السياسي سواء كان في الحكومة او المعارضة وتمكنت الجزيرة من عرض جمع وجهات النظر الأردنية في الموضوعات التي تغطيها في الأردن. مثلاً عندما قتل الزرقاوي في العراق اظهرت الجزيرة اراء ومواقف من النقيض الى النقيض. ولا شك ان هذا اكسب الجزيرة اعداء واصدقاء ولكن بالمحصلة اكسبها مشاهدون جدد.

في المحصلة يمكن القول ان المزيد من البيانات من دول عربية اخرى سيمكننا من الاجابة على التساؤل الرئيس فيما يتعلق بمستقبل المحطات التلفزيونية الوطنية المحلية كمصادر موثوقة للتخبار المحلية مقارنة مع الفضائيّات العربية مثل الجزيرة والعربية. البيانات المتاحة الآن من الأردن والكويت وفلسطين تشير الى سيطرة للجزيرة في فلسطين، والى انها (الجزيرة) تنافس التلفزيون الأردني كمصدر موثوق في الأخبار السياسة المحلية، أما في الكويت يتمتع التلفزيون الوطني بصدقية عالية فيما يتعلق بالأخبار المحلية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: مجلة المجلة-16-12-2006