مقالات و محاضرات

 

 

 

ألم يعدم جهيمان العتيبي في الشهر الحرام أيضا ً ؟

 

 

 

 علاء الزيدي

 

 

نجحت السعودية في إيقاد الفتنة للمرة الخامسة بين المسلمين . المرة الأولى كانت العام 1980 ، حينما شجعت صدام على شن الحرب على إيران ، ما أدى إلى مقتل مايقارب مليوني مسلم على الجانبين العراقي والإيراني . والمرة الثانية حينما أوقدت نار الفتنة الطائفية في العراق ، عبر السماح لرجال دينها المتطرفين بتأليب المسلمين ، وخاصة في الجزيرة العربية ، على الطوائف المسلمة في العراق ، وتجييش المتطرفين من السعوديين وتجنيدهم وإرسالهم إلى العراق ، تحت مختلف العناوين والحجج الواهية ، وأبرزها مايسمى بالجهاد ، الذي هو في الواقع مجرد إرهاب طائفي وحشي ، راح ضحيته مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء ومواطنيهم في الأجهزة الأمنية والخدمية العراقية . والمرة الثالثة حينما كادت أن تطو ِّح بالسلم الأهلي والتعايش السلمي بين الطوائف اللبنانية ، صيف العام الماضي ، عبر بيانها المندّد بالمقاومة اللبنانية على خلفية مذهبية ليست مطروحة اصلا في لبنان ، في وقت كانت تلك المقاومة تتصدى لحرب اسرائيلية على بلادها ، وكذلك في نهاية العام نفسه حينما حاولت السعودية عبر بياناتها الرسمية شق وحدة الصف اللبناني ، والإيقاع بين الطائفتين المسلمتين الشيعية والسنية ، من خلال محاولة تحويل اعتصام المعارضة السياسي إلى استهداف طائفة لطائفة ، مستغلة رغبة البعض في حكومة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة في التخندق الطائفي للتملص من استحقاقات سياسية عادية . والمرة الرابعة هذه التي نعيشها وتكاد تعصف بالسلم الاجتماعي ليس في العراق وحده ، بل وفي عموم العالم العربي ، وكل مكان يتواجد فيه ممثلون للطائفتين المسلمتين السنية والشيعية .

كانت السعودية أول جهة تصدر بيانا مسموما ، أمسكت فيه العصا من الوسط دبلوماسيا ، عبر صدوره عن مجرد محرر سياسي في وكالة أنبائها الرسمية وليس عن دبلوماسي أو مسؤول حكومي كبير أو وزير إعلام ، لكنها ضمنته أكبر قدر ممكن من عوامل التضليل وزرع الفتنة ، وهاهي تكاد تقطف ثماره للأسف الشديد .

لقد أوحت السعودية في بيانها التضليلي لعموم أبناء الطائفة السنية في مختلف أنحاء العالم العربي ، بأن الحكومة العراقية التي تضم ممثلي كل المكونات العراقية تقريبا ، والتي انتخبت باقتراع شعبي حر ومباشر ، ولم ترث الحكم من آباء أو أجداد من القتلة وقطاع الطرق والمرتبطين بالأجنبي منذ نعومة أظفارهم ، إنما استهدفت السنـّة عبر تنفيذها حكم الإعدام بدكتاتور العراق المقبور ، في هذا الوقت بالذات ، متجاهلة أن تقديم أو تأخير تاريخ تنفيذ الحكم العادل الذي أصدرته محكمة علنية وقانونية وقائمة على أفضل قواعد وأسس احترام حقوق الإنسان لايقدم ولايؤخر في الأمر شيئا . فالقضية جنائية والمدان كان يجب أن ينال جزاءه العادل بدون تأخير ، ولم يتنازل أي من أولياء الدم عن حقه . بل إن أولياء الدم كانوا يصرون على سرعة التنفيذ ، وكان التأخير في التنفيذ يشتمل على الكثير من عوامل تفجير الأوضاع ، في وقت أحوج مايكون العراقيون إلى تطويق احتمالات تأجيج الصراعات . هذا فضلا عن أن ساعة التنفيذ لم تكن في أول أيام عيد الأضحى كما حاولت السعودية أن توحي . فالعيد بدأ في العراق يوم الأحد . ومرجعيات العراقيين التي تحدد لهم البداية الحقيقية للعيد هي في العراق لا في السعودية . و حتى لو كان المعدوم إياه أعدم في يوم العيد فما المشكلة ؟ ألم يكن هذا الأمر بمثابة " عيدية " رائعة لمئات الآلاف من العوائل العراقية ، التي أعدم صدام أبناءها الأبرياء في أقدس الأيام والتواريخ من ليلة القدر إلى رمضان إلى العيدين إلى الجمعة إلى كل المناسبات السعيدة ، التي كان يحولها ببطشه وإجرامه وأساليب تعذيبه الهمجية والبشعة إلى حزن وسواد وعزاء شامل وعميم كهذا الذي شهدناه في فضائيات السعودية وقطر وصحفهما ومواقعهما على المجرم المعدوم صدام ، والذي نسأل الله أن لاتكون له نهاية بحق كل مظلوم له حظوة عند الله العادل ؟

تقول السعودية وأبواقها وبياناتها إن الحكومة العراقية لم تحترم مشاعر مليار مسلم ، من خلال إعدام المقبور في شهر حرام وفي يوم عيد ، وهو أمر يثير العجب والاستغراب في الواقع . أفهل كانت السعودية ذاتها تراعي حرمة الأشهر الحرم أو المقدسات ، عند إصدارها أحكام الإعدام بحق معارضيها أو من تدينهم بأعمال مناوئة لها ؟ و لمن ليس لديه اطلاع على التاريخ المعاصر للحكم السعودي نسوق المثال التالي :

بعد صلاة الصبح من أول محرم الحرام من العام 1400 الهجري ، الموافق 20 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1979 ، إعتصم المواطن السعودي جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي الذي كان موظفا في الحرس الوطني السعودي لمدة ثمانية عشر عاما ، في المسجد الحرام بمكة المكرمة ، بمعية عدد من زملائه تعبيرا عن معارضتهم للحكم السعودي . وعقب ذلك حاصرت قوات الأمن السعودية المعتصمين عدة أيام ، ثم انقضت على بيت الله الحرام بدعم عسكري أجنبي لم تتضح معالمه بعد ، واقتحمته ، و أثناء الاقتحام دكـّت جدران وإيوانات المسجد الحرام وفي الشهر الحرام بالمدفعية ما أدى إلى إلحاق أضرار بالغة بها ، وقتلت في بيت الله العديد من المعتصمين ، ثم قطعت في حفلة دموية جماعية رؤوس 61 آخرين بمن فيهم جهيمان العتيبي نفسه . فلم لم تحترم السعودية بيت الله الحرام وشهر محرم الحرام في ذلك الوقت ، ولماذا تنهى عن خلق وتأتي مثله .. أليس ذلك عارا ً عليها عظيما ، خاصة وأن المرحوم جهيمان اجتهد فأخطأ كخريج علوم دينية من إحدى جامعات مكة المكرمة الإسلامية ، وفق المنهج السلفي السعودي الذي يسمح بذلك ، ولم يقترف جرائم قتل وإبادة جماعية كالمعدوم صدام ؟ أم أن باء آل سعود تجر .. وباء عباد الله الآخرين لاتجر ...

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: صوت العراق-4-1-2007