أربع أولويات للاتحاد الأوروبي ليس بينها الشرق الأوسط

 

رشيد خشانة

 

مهاجرون غير شرعيين على شاطئ أوروبي

لن تكون الرئاسة الألمانية للإتحاد الأوروبي، التي تبدأ اعتباراً من مطلع العام وعلى مدى ستة أشهر، بطعم الرئاسة الفنلندية الباردة، على رغم أن هلسنكي بذلت جهداً غير عادي للإقتراب من قضايا المناطق المحيطة بالإتحاد الأوروبي، خصوصاً الشرق الأوسط.

واستبق وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير تسلم الرئاسة الدورية للإتحاد بجولتين شرق أوسطية ومغاربية لمعرفة التعديلات التي ينبغي إدخالها على السياسات االأوروبية في المنطقة، إلا أن التحديات الأوروبية المطروحة على الإتحاد، إضافة الى التجاذبات التي تخض الإئتلاف المسيحي - الإشتراكي في بون، ستحدان حكماً من حركة الرئاسة الألمانية في الشرق الأوسط.

أظهر اجتماع رؤساء الدول والحكومات الأوروبيين الأخير في بروكسيل أن الرئاسة الألمانية المقبلة مُطالبة بالتركيز على أربعة ملفات شائكة لم تستطع الرئاسة الفنلندية تحقيق تقدم في شأنها فأعيدت إلى البحث مجدداً.

أول تلك الملفات يتمثل ببت الخلاف في شأن توسعة الإتحاد، بين الرؤية التي تعطي الأولوية للتوسيع الأفقي وتلك التي تركز على الإتجاه العمودي. فهناك فريق بزعامة فرنسا والنمسا وهولندا واليونان يدعو الى التخفيف من سرعة قطار التوسيع من أجل التركيز على إدماج الأعضاء الذين انضموا حديثاً، بالإضافة الى العضوين الجديدين رومانيا وبلغاريا. ويعتبر هذا الفريق أن المهم ليس فقط أن تكون البلدان المرشحة للعضوية جاهزة اقتصادياً وقانونياً وثقافياً وإنما أيضاً أن يكون الإتحاد قادراً على استيعابهم وتكون مؤسساته جاهزة للتعاطي مع الوضع الجديد، فضلاً عن استعداد الرأي العام في البلدان الحالية لتقبل الأعضاء الجدد.

ويشدد الفريق الداعي لـ «التعميق» على أهمية حل المأزق الدستوري المتمثل برفض الفرنسيين والهولنديين في استفتاءين شعبيين مشروع الدستور الأوروبي، قبل الموافقة على أي عضوية جديدة.

أما الفريق الآخر الذي تتزعمه كل من بريطانيا وألمانيا فيشجع على استمرار التوسعة.

ويبرز هذا التباعد في شكل واضح لدى التعاطي مع الملف التركي، إذ عبر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن دعم لندن تسريع المفاوضات مع أنقرة انطلاقاً من الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا بصفتها جسراً بين أوروبا والشرق الأوسط. في المقابل استخدمت البلدان المتحفظة رفض أنقرة استقبال الطائرات والسفن القبرصية ذريعة لتجميد المفاوضات في شأن ثمانية من أصل البنود الخمسة والثلاثين التي تشملها المفاوضات. 

رجب طيب اردوغان: سؤال الانضمام الى أوروبا

أما الملف الثاني الذي سيستقطب اهتمام ألمانيا بعد تسلم رئاسة الإتحاد فيخص التصدي الجماعي لموجات الهجرة. وعقد الإتحاد في هذا الإطار ندوات دراسية بينها مؤتمر وزاري في ليبيا مع البلدان المُصدَرة للمهاجرين، إلا أن القمة الأخيرة في بروكسيل لم تكن راضية عن التقدم في هذا الملف طيلة العام الماضي، وهي طلبت من ألمانيا درس وسائل تنسيق السياسات الأوروبية في مجال منح حق اللجوء وتعزيز حواجز المراقبة على الحدود الأوروبية والوصول الى اتفاقات تتيح إعادة المهاجرين غير الشرعيين إلى بلدانهم.

ويتعلق الملف الثالث بتطوير التجديد التكنولوجي لضخ دماء جديدة في الاقتصادات الأوروبية ومجابهة المنافسة الآسيوية المتصاعدة. وعلى رغم أن فنلندا تقدمت بمشروع في هذا المجال لدى تسلمها الرئاسة اشتمل على مبادرات ملموسة من ضمنها إنشاء مركز لبراءات الاختراع الأوروبية ومعهد تكنولوجي موحد، إلا أن مراقبين قللوا من أهمية النتائج، ما يرتب على الألمان الإمساك بالملف مجدداً.

والملف الرابع يخص مصادر التزود بالطاقة وهو هاجس كبير لجميع البلدان الأوروبية، ومن هذه الزاوية يأتي الاهتمام بالتطورات في الشرق الأوسط، إذ قام شتاينماير بجولة في المنطقة مطلع الشهر الماضي، كانت السادسة منذ تسلم منصبه في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، وزار خلالها كلاً من الأردن ولبنان والمناطق الفلسطينية واسرائيل، لمناقشة القضايا التي ستتصدر أجندة رئاسة الإتحاد الأوروبي نصف السنوية، وفي مقدمها إيجاد مرتكزات لتسوية سلمية للصراع العربي - الإسرائيلي إضافة الى إيجاد مخرج من الأزمة السياسية في لبنان.

أجندتان

ولكن، عندما يزور مسؤول ألماني المنطقة يحمل في جيبه أجندتين في آن معاً، الأولى أوروبية والثانية ألمانية. وإذا كانت الأولى تنبع من حرص بلدان الإتحاد الأوروبي على ضمان سلامة الشرايين التي يُضخ بواسطتها النفط، فإن الثانية مرتبطة أكثر فأكثر بالمخاوف الداخلية من تعرض البلد لعمل إرهابي من نوع تفجيرات قطارات مدريد أو العمليات التي استهدفت لندن في صيف العام 2005.

وكان وزير الداخلية الألماني فولفغانغ شويبلي أكد علناً أمام جمع من المســــؤولين الأمنيين الألمان أنه يخشى من تهديد إرهابي كبير، مُعتبراً أن ألمانيا «باتت تحت مجهر الأصوليين»، ومُنبهاً مواطنيه إلى ضرورة الحذر الشديد.

ودلَ إنشاء «مركز مكافحة الإرهاب» أخيراً في برلين على تنامي الهوس من عمليات تستهدف ألمانيا. وأتت هذه المخاوف على خلفية حوادث متكررة أهمها إحباط أجهزة الأمن الألمانية في الصيف الماضي عملية ضد طائرة تابعة لشركة «العال» الإسرائيلية.

وهكذا، بعدما اطمأن الألمان إلى مواقف شرويدر الذي كان يعتقد بأن عدم انضمامه الى التحالف الذي غزا العراق في العام 2003 ومُعارضته الحرب علناً سيُعفيان بلده من خطر التعرض لهجمات إرهابية، صاروا يشعرون بأن هذا الشبح يحلق فوق رؤوسهم. لكن اندفاع برلين إلى إرسال قواتها إلى أفغانستان وسفنها الحربية إلى سواحل لبنان (من ضمن قوات يونيفيل) وتدريب عناصر الشرطة والجيش العراقيين في الإمارات أحدثت نقلة واضحة في سياستها نحو المشاركة بدل الحياد. 

ورجَح شــــتاينماير أن تلك النقلة غذَت التهديدات الإرهابية ووضعت ألمانيا في دائرة اهتــــمام الجماعات المتشددة.

واستبق شتاينماير جولته الشرق أوسطية الأخيرة بجولة مغاربية شملت ليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، ركزها على الأمن المتوسطي ومكافحة الهجرة غير المشروعة ومستقبل التعاون الاقتصادي في ظل سياسة «الجوار الجديد» التي اعتمدها الأوروبيون لتحل محل الشراكة.

وكانت المستشارة مركل أدركت في ضوء تقويم أعده خبراء ألمان وأوروبـــيون أن مـــلف العلاقات مع المغرب العربي يكتسي طابعاً اســـتراتيجياً ليس فقط للروابط الاقتصادية المتينة التي نسجتها أوروبا مع بلدان المنطقة، وإنما بسبب الهواجس الأمنية التي تسكن العقل الأوروبي تجاه الضفة الجنوبية للمتوسط، والتي تعتبر مصدراً رئيسياً للهجرة غير المشروعة والحركات المتشددة المناوئة للغرب.

وأقرَ شتاينماير في جميع العواصم التي زارها بأن أوروبا تتوجس خيفة من صعود الإسلام السياسي في المنطقة، لكن محاوريه أكدوا له أن المسؤولية تقع على الأوروبيين الذين ما فتئوا يطالبون بإصلاحات ديموقراطية بينما أثبتت التجارب الإنتخابية في فلسطين وتركيا والمغرب أن الحركات الأصولية هي المستفيد الأول من الإلتزام بآليات الإنتخاب الحر والشفاف.

مركل ملأت مكانها

المهم أن أمام مركل تحديات داخلية وخارجية كبيرة فالرئاسة الأوروبية ستدركها وهي لم تُكمل بعدُ الشهر الرابع عشر على رأس المستشارية (ستتسلم رئاسة الإتحاد في الأسبوع السابع والخمسين من صعودها إلى سدة الحكم). وثمة مصدران رئيسيان للمصاعب التي ستعترض طريقها في أثناء الرئاسة المزدوجة للإتحاد ومجموعة الثماني، الأول يتصل بالمواقف المتباعدة لأعضاء الإتحاد من القضايا الدولية الراهنة، والثاني يتعلق بالصراعات داخل الإئتلاف الحاكم في برلين، خصوصاً بين مركل نفسها بصفتها زعيمة حزب الإتحاد الديموقراطي المسيحي ووزير الخارجية عضو الحزب الديموقراطي الإشتراكي شتاينماير.

ويلتزم شتاينماير الذي يُعتبر من أكثر السياسيين الألمان شعبية وكان مستشاراً لشرويدر، موقفاً مرناً من دخول تركيا للإتحاد الأوروبي فيما يعارض حزب مركل حصولها على عضوية الإتحاد، وهذا الموقف علني سبق لمركل أن كرَرته أمام أعضاء الحزب في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. وسيُطرح الموضوع في حدة خلال الرئاسة الألمانية للإتحاد بعدما أحالت فنلندا الملف بجميع تعقيداته ومضاعفاته على برلين.

ويؤيد المفوض الأوروبي المكلف مسار التوسعة أولي راهن (ألماني) موقف الإشتراكيين، وهو حض على متابعة المفاوضات مع تركيا في البنود التي لا تطرح إشكالاً. وليست تركيا العنوان الوحيد للخلافات داخل الإئتلاف الحاكم، وإنما يشمل التباعد الملف العراقي أيضاً.

لكن، على رغم تشكيك المراقبين في أن تستطيع سيدة متخصصة بالعلوم وآتية من أوروبا الشرقية السابقة قيادة أكبر بلد أوروبي (82 مليون نسمة)، تتفق آراء غالبية المحللين الألمان على ان مركل ملأت مكانها على الساحة الدولية وغطت على قامة سلفها غيرهارد شرويدر. وسيشكل تقلَدها الرئاسة الأوروبية في ظل الخلافات التي تهزَ التحالف المسيحي - الإشتراكي اختباراً جديداً لزعامتها.

ولن تـــكون الزعامة من دون ثمن، فبرلين ستتحمل أكلافاً قُدرت بـ140 مليون يورو لقاء اضطلاعها بالرئاسة الدورية لكل من الإتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الثماني الأكثر تصنيعاً، بينها 92 مليون يورو هي النفقات المتوقعة لإقامة قمة الثماني المقررة لشهر حزيران (يونيو) المقبل في مدينة هايليغندام الألمانية. لكن الجميع في ألمانيا يدرك أن النفقات الحقيقية ستتجاوز التقديرات.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-3-1-2007