عودة "نيجروبونتي" إلى الدبلوماسية... وتساؤلات حول مستقبل الاستخبارات الأميركية

 

 

مارك مازيتي وديفيد سانجير

 

 

منذ البداية لم يكن جون نيجروبونتي، الدبلوماسي المخضرم، مرتاحاً تماماً في لباس رجل المخابرات من خلال منصبه الأخير كمدير للاستخبارات الوطنية الأميركية، بل كان يشعر بأنه غريب وهو يُشرف على الوكالات المختلفة للاستخبارات الأميركية، كما أفاد بعض أصدقائه وزملائه. وهم يؤكدون أيضاً رغبته في الرجوع مجدداً إلى دهاليز صنع القرار في الإدارة الأميركية في عمره الذي يناهز 67 عاماً، رغم إدراكه بأن منصبه كرئيس للاستخبارات الوطنية يحول دون ذلك، إذ يقتصر دوره على دخول البيت الأبيض كل صباح بصفته المحايدة وغير المنحازة لإطلاع الرئيس بإيجاز عن الأخطار والتهديدات التي تتربص بالأمن القومي الأميركي في مختلف مناطق العالم. وربما لهذا السبب، يقول المسؤولون في الإدارة الأميركية، وافق "نيجروبونتي" على استبدال منصبه الذي يحظى فيه بمرتبة الوزير في منصب نائب وزيرة الخارجية "كوندوليزا رايس"، ليتولى الأعباء التي تفضل "رايس" عدم الاهتمام بها شخصياً.

وهكذا يترك "نيجروبونتي" مكتبه في القاعدة الجوية "بولينج"، حيث مقر الاستخبارات الوطنية، بعد مرور 19 عشر شهراً فقط على توليه المنصب وسط تقييمات متضاربة للفترة التي قضاها على رأس أكبر جهاز للاستخبارات الأميركية. يذكر أن القاعدة الجوية التي تحتضن مكاتب الاستخبارات الجديدة قد أنشئت لمعالجة المشكلات التي أدت إلى وقوع هجمات 11 سبتمبر، لكن "نيجروبونتي" لم يكن يملك ما يكفي من الوقت لإدخال الإصلاحات اللازمة على أجهزة الاستخبارات التابعة لإدارته. وقد جاء خبر انتقاله إلى وزارة الخارجية يوم الخميس الماضي ليثير العديد من التساؤلات لدى السياسيين في واشنطن عن مدى التزام الإدارة الأميركية بتعهداتها السابقة بإجراء مراجعة شاملة للاستخبارات الأميركية، التي سبق وأن اعتبرها الرئيس بوش من أهم عمليات إعادة الهيكلة التي تخضع لها الوكالات الأميركية للاستخبارات على امتداد نصف القرن الأخير. وحسب مسؤولين بارزين في الإدارة الأميركية كان بوش نفسه قد طلب من "نيجروبونتي" الرجوع مجدداً إلى الدبلوماسية في الشهر الماضي، وهي المرة الثانية في غضون سنتين التي يلجأ فيها الرئيس الأميركي إلى "نيجروبونتي" لتولي مناصب حساسة في إدارته.

فقد وافق "نيجروبونتي" على تقلد مهامه على رأس الاستخبارات الوطنية بعدما رفض الوظيفة مرشحون آخرون حاول بوش إقناعهم دون جدوى. إلا أنه هذه المرة كانت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس من طالبت في الصيف الماضي بانضمام رئيس الاستخبارات الوطنية إلى فريقها في الوزارة كنائب مباشر لها. وطيلة الشهور التي كان فيها البيت الأبيض يتداول قرار تعيين "نيجروبونتي" في أروقة الإدارة الأميركية ويبحث عن بديل له لإدارة الاستخبارات الوطنية كان هذا الأخير يقلب العرض محتاراً بين البقاء في إدارة ساهم في إنشائها وأصبحت تتوفر على عدد كبير من الموظفين يصلون إلى 100 ألف شخص، وبين العودة إلى وزارة الخارجية، حيث بدأ مشواره المهني في الدبلوماسية الأميركية، ليتوارى خلف الشخصية الأكثر بروزاً على مسرح السياسة الدولية.

ووفقاً لما تناقله المسؤولون الأميركيون، تريد كوندوليزا رايس من "نيجروبونتي" أن يركز اهتمامه على الصين وكوريا الشمالية اللتين كانتا محط اهتمامه كرئيس للاستخبارات، فضلاً عن توليه مسألة العراق لمعرفته الوثيقة بشؤونه، حيث سبق وأن كان سفيراً أميركياً في بغداد.

وعلى امتداد مشواره المهني تقلد "نيجروبونتي" مناصب دبلوماسية عديدة استمر فيها لعقود من الزمن، حيث كان سفيراً لدى الأمم المتحدة، والمكسيك، بالإضافة إلى الفلبين وهندوراس. وحسب مسؤول بارز في الإدارة الأميركية شارك في المناقشات بشأن ترشيح "نيجروبونتي" لمنصبه الجديد، تنظر "رايس" إليه على أنه شخص معتدل يمكن أن يملأ الفراغ الذي تركه رحيل "روبرت زوليك" عن منصب وكيل وزارة الخارجية في الصيف الماضي. و"رايس "التي ستواصل تتبعها لخيوط الأزمة العراقية تريد من "نيجروبونتي" أن يشرف على الموضوع بينما هي تهتم أكثر بالمبادرة الدبلوماسية الأميركية الجديدة الرامية إلى إنعاش علمية السلام في الشرق الأوسط.

ويتوقع المراقبون أن يرشح الرئيس بوش "مايك ماكونيل"، وهو نائب أدميرال متقاعد ورئيس سابق لوكالة الأمن القومي ليخلف "نيجروبونتي" على رأس الاستخبارات الوطنية. وفيما يتعلق بانتقال "نيجروبونتي" من مجال الاستخبارات إلى الشؤون الدبلوماسية يرى "جون ماكلولين"، وهو مدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية وأحد أصدقاء "نيجروبونتي" أن ذلك لن يكون صعباً عليه لأنه سبق وأن انتقل بنجاح من عالم الدبلوماسية إلى الاستخبارات، وهو اليوم يعود إلى مجال اختصاصه الأصيل في وزارة الخارجية. ويؤكد "ماكلولين" أن معرفة "نيجروبونتي" بآخر التطورات في الشأن العراقي، فضلاً عن المعلومات الاستخباراتية، ستؤهلانه لطرح رؤية واقعية قد تساعد الإدارة الأميركية على اجتراح استراتيجية جديدة لمعالجة الوضع المتردي في العراق.

غير أن رحيل "نيجروبونتي" عن موقعه في الاستخبارات الوطنية يثير المخاوف لدى خبراء في مجال الاستخبارات على مستقبل الجهاز. وفي هذا الإطار يقول "لي هاملتون" الذي قام إلى جانب "جيمس بيكر" وزير الخارجية الأسبق، بترؤس "لجنة دراسة العراق": "خوفي الأكبر ليس على وزارة الخارجية، بل على ما سيحل بالاستخبارات الوطنية بعد مغادرة نيجروبونتي". وقد ذهب بعض المسؤولين في الكونجرس إلى حد وصف استقالة "نيجروبونتي" من منصبه في الاستخبارات الوطنية بأنه عمل غير مسؤول. وهو ما عبر عنه السيناتور "جون روكفيلر" من ولاية فرجينيا الغربية ورئيس لجنة الاستخبارات في الكونجرس قائلاً: "لا يعجبني ما قام به نيجروبونتي، لأنه ببساطة تخلى عن مهامه ورحل". وتأتي مغادرة "نيجروبونتي" لمنصبه في الوقت الذي تعد فيه الاستخبارات الوطنية تقييماً شاملاً حول فرص نجاح العراق في الحفاظ على وحدته واستقلاله.

*محررا الشؤون الخارجية في"نيويورك تايمز"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبان في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتيه- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز" -6-1-2006