ألعاب المحاكاة السياسية

 

لينكلون بلومفيلد

 

 "ألعاب المحاكاة السياسية"... تقنية مهمة يجهلها بوش!

الرئيس الأميركي جورج بوش لا يريد أن يصدق أن العراق مثل فيتنام، وهو على حق في ذلك وإن لم يقِم الدليل على صدق دعواه. والحقيقة أن حملة العراق لها شبيه أفضل ألا وهو الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة على خليج الخنازير في كوبا عام 1966. ففي خليج الخنازير كما في العراق كان هناك هجوم شنه رئيس قليل الخبرة، اعتماداً على معلومات مغلوطة واستشارة سيئة... وكان هناك أيضاً اعتقاد بأن الجنود الذين دربتهم الولايات المتحدة لشن الهجوم، سيقابلون لدى وصولهم بالزهور، لكن ذلك لم يحدث وفشل الهجوم فشلاً ذريعاً.

فيما بعد كان للرئيس جون كنيدي مقولتان لافتتان للنظر؛ الأولى: "إني لن اعتمد بعد ذلك على الخبراء"، والثانية: "أن السياسة كانت خاطئة، لأن الفرضيات التي قامت عليها كانت خاطئة".

بالطبع لا يمكن لأحد أن يستغني عن الخبراء، ولو كان لدى الرئيس بوش خبراء أفضل مما كان لديه، فلربما كانوا قد وفروا له صفاء الذهن الذي كان سيمكنه حتماً من الإدراك المسبق للمخاطر التي ستنتج عن غزو العراق. لكن كنيدي في الحقيقة وضع يده في ستينيات القرن الماضي على خطأ متكرر، ويتعلق بالكيفية التي يتم بها صنع السياسة الخارجية، وهو أننا لا نقوم عادة باختبار فرضياتنا للتأكد من مدى صحتها، كما أننا لا نشغل أنفسنا بالتنبؤ بردود أفعال الأطراف الأخرى.

ليس هناك حل يسير لمثل هذه الأخطاء، ولكن دواعي الحكمة تتطلب من واشنطن أن تزيد من استخدامها لتقنية واعدة هي تقنية "لعبة المحاكاة السياسية"، وألعاب المحاكاة السياسية هي شيء شبيه بألعاب المحاكاة العسكرية التي يتم فيها لعب الأدوار على سبيل التمثيل من أجل اختبار السيناريوهات المختلفة. وهذه الطريقة تساعد المشاركين فيها على أن يسألوا أنفسهم أسئلة من قبيل: ماذا لو؟ أو "وما الذي سيحدث بعد؟"... وعندما يتم تطبيق قواعد هذه اللعبة بشكل سليم، والاهتمام بمساهمات كل من يشارك فيها، بصرف النظر عن رتبته، وبصرف النظر عما إذا كان هناك إجماع على الآراء أم لا، فإن ألعاب المحاكاة السياسية يمكن أن تكون أداة نافعة للغاية في تقييم سلامة الفرضيات، أو الكشف عن أخطائها، بل يمكنها أحياناً أن تساعد على توقع ردود الأفعال بقدر كبير من الدقة.

وهناك نماذج قليلة في الحياة العملية يمكننا الاستعانة بها لبيان إمكانيات هذه اللعبة.

من تلك النماذج ذاك الخاص بيوغسلافيا السابقة. ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت يوغسلافيا الشيوعية قد نأت بنفسها كثيراً عن موسكو، وهو ما أدى إلى شيوع فرضية مؤداها أن حلف "الناتو" قد يهرع لمساعدتها إذا ما قام الاتحاد السوفييتي بمهاجمتها.

وفي لعبة محاكاة سياسية- عسكرية نظمتها قيادة الأركان المشتركة في ألمانيا، وشارك فيها لاعبون من السفراء ومن الجنرالات (وقمت أنا شخصيا بإدارتها)، كانت المحصلة غير المتوقعة التي أسفرت عنها تلك اللعبة هي أن "الناتو" لن يتدخل.

وهناك لعبة أخرى قمت أيضاً بإدارتها في موسكو، وسط أجواء الحرب الباردة، وأظهرت الإمكانيات التي تنطوي عليها تلك اللعبة بصرف النظر عن الجنسية والأيديولوجية.

وانتهت تلك اللعبة التي كان يشارك فيها خبراء سوفييت يقومون بتمثيل أدوار أمام نظراء أميركيين، بالتوصل لخلاصة مؤداها أن الولايات المتحدة تتبع سياسة معتدلة تسعى إلى إحلال السلام في الشرق الأوسط، وهو ما كان يختلف عن الافتراضات الموجودة لدى الخبراء السوفييت من قبل بأن الولايات المتحدة تنتهج سياسة ذات نوايا عدوانية.

وهناك لعبة أخرى ساهمت في إدارتها في وزارة الخارجية الأميركية في بداية التسعينيات، تناولت مفاوضات بين الكوريتين، تلك المفاوضات التي اعتبرها البعض "عملية" في ذلك الوقت. وأسفرت اللعبة آنذاك عن محصلة مفادها أنه ليس هناك سوى احتمالات محدودة لنجاح المفاوضات المذكورة والتي كانت في جوهرها لقاء عقول بين كوريا الجنوبية المزدهرة وكوريا الشمالية المتجهمة، وهي محصلة لا زالت تعبر عن الواقع الحقيقي بين الدولتين حتى اليوم.

وهناك لعبة أخرى من ألعاب المحاكاة السياسية، كان أحد طرفيها يمثل السود والطرف الآخر يمثل البيض، وكان موضوعها المفاوضات الجارية في حينه حول مستقبل جنوب أفريقيا. وتوصلت اللعبة إلى أن تلك المفاوضات ستحقق نتيجة إيجابية، وهو ما حدث بالفعل.

ولكي تنجح ألعاب السياسة وتحقق الغرض منها وتخرج بنتائج ذات مغزى، فإنها تحتاج إلى لاعبين يتميزون بالمهارة والنضج في آن.

وتاريخ السياسة الأميركية للأسف الشديد لا يخلو من آن لآخر من الفرضيات المغلوطة. فقبل الهجوم الذي شنه اليابانيون على ميناء "بيرل هاربر"، كان الأميركيون قد افترضوا أن اليابانيين لن يقْدموا على الهجوم إلا أنهم هاجموا. وقبل أن يقوم الجنرال "ماك آرثر" باندفاعته الكارثية نحو نهر "ياولو" عام 1950، كان هو أيضاً قد افترض خطأً أن الصينيين لن يتدخلوا، ولكنهم تدخلوا بقوات ضخمة. وفي الستينيات خافت أميركا من أن يؤدي سقوط فيتنام في أيدي الشيوعيين، إلى سقوط باقي الدول المجاورة مثل قطع الدومينو، لكن تلك القطع (الدول) لم تسقط.

شيء مثل هذا حدث في فترة التمهيد لحرب العراق، حيث لم يقم أحد من الخبراء والمستشارين والساسة في واشنطن، بالتفكير في الصعوبات التي يمكن أن تواجهها أميركا في إدارة دولة كبيرة ومنهارة... ولم يفكر أحد حول مشاعر السنة نحو الشيعة الذين سيصبحون حكامهم الجدد... ولم يتذكر أحد أن هناك ثلاث محافظات، هي البصرة وبغداد والموصل، قد ظلت منفصلة طيلة الحكم العثماني قبل أن يتم تجميعها في دولة واحدة باسم العراق عام 1921.

ومثل فرضية خليج الخنازير، كانت الفرضية العراقية هي أن العراقيين سيخرجون لاستقبال جنود القوات الأميركية بالزهور، ثم يجلسون هادئين بعد ذلك وهم يستمعون إلى دروس العلوم السياسية التي سيلقونها عليهم.

ولعبة المحاكاة الحربية التي تم تنفيذها في وزارة الخارجية الأميركية قبل الغزو بستة أشهر، والتي شارك فيها 30 خبيراً، توصلت إلى أنه ستكون هناك في فترة ما بعد القتال حاجات تتمثل في الحصول على مزيد من القوات، وتأمين مزيد من الحلفاء، والمحافظة على الجيش العراقي وعدم حله، وإعطاء الأولوية لتحقيق نتائج سريعة في مجال الأمن وتوليد الطاقة الكهربائية. رغم ذلك لم يتم استيعاب تلك النتائج بواسطة أعضاء الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس، لسبب وحيد وهو أن تلك النتائج كانت تتعارض مع التركيبة الذهنية للرئيس.

عادة ما تتم إدارة "ألعاب المحاكاة السياسية" على المستوى العملي، ولكن الحقيقة هي أنها غير معروفة فعلياً في البيت الأبيض وعلى مستوى مجلس الوزراء. وإذا لم يقم الرئيس الحالي بإصلاح منظومة اتخاذ القرارات المعيبة في السياسة الأميركية، فإن الرئيس التالي سيجد نفسه مضطراً لأن يفعل ذلك رغماً عنه. وإدارة لعبة سياسة تخطيطية للمستويات العليا تركز على اختبار الفرضيات، سيكون بمثابة بداية متواضعة في هذا الشأن.

إن الرؤساء لا يستطيعون أن يمثلوا أدوارهم لأنهم في تلك الحالة لا يأمنون تسرب بعض الأسرار، ولكن ما رأيكم في الاقتراح الخاص بإدارة ألعاب محاكاة سياسة يقوم فيها النواب بلعب أدوار رؤسائهم، بشرط أن يكون أمامهم على الطرف الآخر أفضل الخبراء في البلد، وأن تكون البيئة التي تتم فيها تلك الألعاب خالية من الترهيب؟

يمكننا تجنب حدوث كارثة جديدة، إذا ما تمكنت روح جديدة وثابتة تتسم بقدر أكبر من الرشاد والخبرة، من اختراق السقف البيروقراطي الحالي، إلى المكان الذي يتم فيه بالفعل تبني الخيارات الحرجة في الولايات المتحدة.

*أستاذ فخري للعلوم السياسية بمعهد ماسوشسيتس للتقنية، وعمل في وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي الأميركي.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-20-12-2006