أمة العراق : شق حي .. والآخر ميت!

 

 

جابر حبيب جابر

 

انقسمت ردود الأفعال السلبية تجاه إعدام صدام إلى قسمين: الأول الذي يرفض عقوبته وخرج بتظاهرات ومواقف سياسية وإعلامية تحت مبررات عدة دوافعها الأساسية الكره للامريكان، أو تمثله لصدام كبطل قومي أو بأنه رئيس ولا يسأل عن أعماله، وكل ما يقترفه مشروع، او بسبب الثقافة الصنمية التي تسود منطقتنا، وهذا الموقف يعاني من أزمة قيمية عالية، فضلاً عن خلل أخلاقي لا نظير له عند باقي الأمم، إذ لا نجد رغم مرور أكثر من ستين سنة على انقضاء النازية أوروبياً واحداً وحتى ألمانياً يشكك بإباداتها أو يبررها، وأي مؤرخ أو مثقف يخرج عن ذلك يدان أخلاقيا ويلاحق قانونيا، فكيف بمجازر ارتكبت في العراق شواهدها متاحف في الهواء الطلق اكتشف منها للآن أكثر من ثلاثمائة مقبرة جماعية، ناهيك من إذابتهم في أحواض التيزاب والمثارم البشرية، ورئيس دخل التاريخ بأنه أول حاكم يضرب شعبه بالكيمياوي الذي قضى في حلبجة خلال دقائق على خمسة آلاف مسلم سني كردي، ويأتي اليوم من يشكك أو يسوغ هذه المجازر ويضفي العظمة والبطولة والبراءة على الجلاد. لنسلم جدلاً بأن المقابر الجماعية في الجنوب والوسط والشمال هي لأناس انتحروا ولم يقتلوا، ولنشكك بالأرقام التي يذكرها الأكراد عن مئة وثمانين ألفا قتلوا في الأنفال فقط، ولنفترض أن نسبة تضخيمهم تسعون بالمئة، فتبقى عشرة بالمئة أي ثمانية عشر ألفا ، أليست الشرائع التي نفتخر بأننا أول من كتبها في الأرض تقتص ممن قتل فرداً واحداً، أو لم يعظم ديننا السماوي الإنسان بجعله قاتل النفس الواحدة بغير حق أو فساد في الأرض كقاتل الناس أجمعين؟ وهنا نلتفت انه قال بالنفس على إطلاقها ولم يقل نفساً مؤمنة او مسلمة، لنذهب بالتسليم بالجدل الى نهايته ونفرض أن صدام ورث الشعب العراقي وهو كحكام القرون الوسطى ظل الله في أرضه والمتحكم بمصائر شعبه، وان الضحايا متآمرون ويستحقون ما لحق بهم، فلماذا لا يكترث بالكويت التي غزاها، لنقبل هنا أيضا ما قاله النظام بأنها تآمرت كي تدمر اقتصاده بتخفيضها لأسعار النفط وتستحق ما لحق بها، ولكن ماذا عما يقارب ثمانمئة أسير كويتي، فهل كانوا من إرثه أو هددوا دولته واستقرار نظامه لكي يلحقهم بالقبور الجماعية، ناهيك من إفقار شعب العراق وإذلاله وتشريد أبنائه، وجعلهم وثرواتهم وبيئتهم وقودا لحروب عبثية؟

إلا أن جريمته الكبرى التي سنظل نعاني منها لسنين هي تكريسه لثقافة العنف وإشاعته لسياسة الدم، فهو الذي طالما افتخر بأن منجزه الأهم هو خلق الإنسان العراقي الجديد. نعم، من إحدى النظريات التي حاولت أن تفسر اصل نشوء الدولة نظرية العائلة التي اعتبرت أن العائلة هي البذرة الأولى والوحدة الأساسية للدولة، وهي تحديداً ما استهدفه صدام عندما يتحدث في الإعلام ويشجع ويثني على المرأة التي وشت إليه بزوجها بأنه لا يحبه، وتقليده الأوسمة للأب الذي قتل ابنه الفار بجلده من الحروب، ويطلب من أطفال المدارس أن ينقلوا ردود أفعال آبائهم السلبية عليه عندما يظهر في التلفزيون، إنها الثقافة والاختلالات المجتمعية التي أنتجت ذوات مريضة مسؤولة عن جزء من عنفنا اليوم.

والقسم الثاني معترض على التوقيت وكونه صادف عيداً، وأن ذلك يعمق من فرقة المسلمين، وقبلهم العراقيين، ويضر بمشروع المصالحة ويفتح العراق على عنف جديد ولا يؤسس لمنهج مغاير، ويزيد من الشرخ الطائفي الحائم في أجواء المنطقة، وكونه انفعل مما رافق الإعدام، ولا شك هنا بان مثل ذلك النظر يستحق الالتفات ويتطلب الجهود لرأب الصدع وإيضاح المبررات، كما ان لا أحد يتفق مع الخروج عن النظام العام والقيم أو يقبل بالرسائل ذات الإيحاء الطائفي، إلا أن التوقيت تطلبته ظروف ضاغطة على الحكومة عجلت بالتنفيذ، لأنه لو كانت المعطيات والهواجس أو حتى الأوهام التي توفرت أو راودت رئيس الوزراء لها حظوظ بالحدوث بنسبة 1 % فان عليه أن لا يجازف بوقوعها كونها ببساطة تؤدي إلى انهيار العراق تماماً. ولنا أن نذكر هنا حادث تهريب وزير الكهرباء السابق المحكوم، والذي ينتظر أحكاما أخرى من سجنه ومن داخل المنطقة الخضراء قبل ذلك بأسبوعين. الأخطر في كل ما جرى هو التخوف من اتساع الفجوة الطائفية وتزويد مشعليها بالحطب، إلا أني أنأى بالموقف من صدام من أي دوافع مذهبية رغم الأصوات الناشزة التي حاولت أن توحي بذلك ودليلي المقاربة التالية: في منتصف رمضان عام 1963 اعدم عبد الكريم قاسم من قبل الانقلابيين البعثيين في محاكمة أجراها قادتهم لم تستغرق مع التنفيذ في دار الإذاعة الا بضع ساعات حيث اعدم صائماً، ثم دفنت جثته خفية في منطقة المعامل قرب طريق ديالى، وحينما نما للسلطات أن الأهالي استدلوا إلى قبره ذهبت وأخرجت جثته وربطتها بالأثقال ورمتها في النهر، وبذلك لم يعط الرجل الذي منح العراق جمهوريته الأولى مكاناً لقبره، ولا يذهب الظن بأن ذكري لهذه المقاربة للإيحاء بالتباين بين إعدامين ومنهجين، وإن كنت لا انفيه تماماً، ولكن ما أريد أن اتجه إليه أن الزعيم عبد الكريم قاسم، هو الحاكم العراقي الوحيد الذي اجمع وسيجمع عليه غالبية العراقيين، وفي مقدمتهم الشيعة كونه الأكثر فقراً وبالتالي كانوا الأكثر انتفاعاً من سياساته، فاندفعوا لنصرته ورفضوا أن يصدقوا موته رغم نقل الصور، بل ذهب المخيال الشعبي المحب له بالاعتقاد برؤية صورته في القمر، وبعضهم الآخر كان يورد الروايات لسنين بعد موته عن مشاهدته في هذه المدينة أو تلك، أحبوه وبذلوا دماءهم في سبيله وهو الحاكم السني في مولده ولكنه العراقي في سلوكه.

لذا فان ما يبقي الأمل أن العراقي كائن اجتماعي وليس كائنا طائفيا، وان ما يجري اليوم ما هو إلا ارتداد طارئ على طبيعة الأشياء وسينكسر، في حين أن مبعث الألم أن يوم الإعدام شهد مقتل سبعين إنسانا بسيطا بفعل المفخخات، ولا باك لهم ولا مذيعات يتشحن بالسواد من أجلهم، بل لم يحظوا حتى بالانتباه، فهل سنحتج بعد ذاك على بقائنا كأمة في أرشيف التاريخ .