مقالات و محاضرات

 

 

  

 شروط الرئاسة في مصر: تناول الكشري والكوارع

 

 

د. سعدالدين إبراهيم

 

 

حينما أعلن الرئيس حسني مبارك في مجلس الشعب أنه سيظل يقود مصر إلي آخر نبضة في قلب سيادته، صفق له النواب من الحزب الوطني تصفيقاً حاداً وممتداً، إلي درجة لفتت أنظار وأسماع المراقبين. وقيل في تفسير ذلك أن هذا الالتزام المباركي الأبوي ، قد أدخل الطمأنينة علي قلوب ذلك الجناح من الحزب الوطني، الذي لا يحب أفراده أن يأتي الولد (جمال)، مبكراً ليخلف أباه (حسني). وهذا الجناح الكاره للولد، والمتشيع لأبيه، كان علي ما يبدو متوجساً من الإشاعات التي انتشرت مؤخراً حول مرض الأب، وتدهور صحته، وضعف ذاكرته، وتصلب شرايينه الجسمانية والذهنية، حتي أنه يفكر جدياً في الاستقالة أو التخلي عن موقعه الرئاسي، خلال عام 2007 أو 2008، وبعد أن يكون قد تأكد أن الولد (جمال) قد استكمل إحكام قبضته علي مقاليد الحزب والحكومة، وبعد أن يكون الأب (حسني) قد رتب حملة بيعة للولد (جمال) بين كبار ضباط القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخري.

أما جناح الولد (جمال) في الحزب الوطني ومجلس الشعب والشوري لهم وإن كانوا قد أصيبوا بخيبة أمل لإصرار الأب (حسني) علي البقاء في الرئاسة حتي آخر رمق في حياته، إلا أنهم يثقون في حكمة بقية أفراد أسرة الرئيس، وأن هؤلاء يستطيعون في اللحظة المناسبة أن يقنعوا الأب (حسني) للتخلي عن الرئاسة للولد (جمال)، الذي هو في كامل لياقته البدنية، أي مثلما كان الأب (حسني) منذ خمسة وثلاثين سنة.

أما لماذا هلل وصفق نواب الحزب الوطني، وأسرفوا في التصفيق، فقد قيل لي من بعض النواب المستقلين أنه إلي جانب رغبة الحرس القديم في بقاء الأوضاع علي حالها دون تغيير يذكر، فإن معظم هذا الحرس القديم لا يحبون الولد، لا فقط لأنه لا يبادلهم الحب، ولكن أيضاً، والمسئولية علي الرواة من أعضاء المجلس، لأنه علي حد قولهم بارد ، و متغطرس ، و يحتقر العامة من المصريين. وهذه صفات لم أعرفها عنه أنا شخصياً أيام كان الابن طالباً في الجامعة الأمريكية. ولكن رد عليّ الرواة بأن ذلك كان منذ عشرين سنة أيام كان طالباً (تلميذاً)، وأن السلطة والجاه، وعدم النشأة في أوساط شعبية مثلما نشأ الأب حسني، ومثلما من أتي بالأب إلي هذا الموقع، وهو أنور السادات، ومثلما من أتي بأنور السادات نائباً له، وهو جمال عبد الناصر. أي أن رؤساء مصر السابقين، منذ ثورة يوليو، قد نشأوا في أوساط شعبية قحة، سواء كانت في القري أو أحياء المدن، وعرفوا السفر والتنقل بالقطارات وأتوبيسات الأرياف المزدحمة والمليئة بالأنفاس وروائح الدواجن الحية من بط وفراخ، ومن منتجات الريف من خبز وفطير وسمن بلدي وكشطة، وعسل أسود، وجبنة قريش وجبنة قديمة، وبصل وثوم... وأن من لم يحمل أو يسافر أو يتذوق كل هذه الأشياء فإن شيئاً أساسياً يظل منتقصاً من مصريته وشخصيته كفلاح أو ابن بلد ... هكذا يفسر لنا الرواة من أعضاء مجلس الشعب... لماذا لا يحبون الولد (جمال) أو يثقون فيه، فهو ليس منهم ولا هم منه!.

وقد تذكرت وأنا أسمع هذا الكلام من أعضاء مجلس الشعب القلائل الذين لم يصفقوا للأب حينما بشّر بقية أعضاء المجلس والشعب والعالم، أنه باق في موقعه الرئاسي، إلي أخر نبضة في حياته... تذكرت ما يردده إبراهيم عيسي، رئيس تحرير الدستور، مراراً بأن الولد (جمال) لم يركب أتوبيساً عاماً ولا تاكسياً ، ولم يدخل مطعماً شعبياً في السيدة زينب أو حتي باب الشعرية، بل ولا حتي هو قادر علي التعامل مع كمسري أو سائق تاكسي أو صاحب مطعم بلدي أو بائع كشري في الشارع. ولا أعرف كيف يعرف إبراهيم عيسي أن الولد (جمال) لا يستطيع كل ذلك...؟ أنا أعرف أن إبراهيم عيسي هو من نفس جيل، وربما نفس عمر الولد (جمال، 43 سنة)، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنه يعرف كل ما يدعيه عن عجز (جمال) عن توقيف تاكسي في الشارع أو التعامل مع بائعي الكشري أو الكرشة و الكوارع . وأغلب الظن أن إبراهيم عيسي يخمن، أي يعتقد أن الولد (جمال) عاجز عن ممارسة كل هذه الأشياء الشعبية! وقد سألت الرواة من أعضاء مجلس الشعب، وها أنا أسأل رئيس تحرير الدستور، وما علاقة ركوب الأوتوبيسات، والتاكسيات، والازدحام في القطارات، وتناول الكشري، أو حتي الكرشة والممبار بمهام رئيس الجمهورية وواجباته؟ هل هي منصوص عليها في الدستور، وخاصة في المادة 76، التي وضعت شروطاً تعجيزية للترشيح لمنصب الرئيس، بل وفصّلتها في ثلاث صفحات كاملة، ولا أذكر من بينها كل ما يدعيه إبراهيم عيسي أو الرواة من أعضاء مجلس الشعب!.

وقد سألت الرواة من أعضاء مجلس الشعب، وهم من القلة التي تفصح عن عدم حبها لا للوالد (حسني) ولا للولد (جمال): ما هو السر في عدم تأييدكم لاستمرار الوالد (حسني) في الحكم ولا ترحيبكم لمجيء الولد (جمال) خليفة له؟ قالوا في صوت واحد، نرفض الاستبداد والاستئثار بالسلطة في أسرة واحدة بين 80 مليون مصري... . سألتهم، علي سبيل المناظرة والمناكفة، وما الفارق إذن بين الوالد و ولده ما دام الأمر كله استبداد في استبداد؟ قال أحدهم، هناك، مستبد ضاحك، أو مقبول أو خفيف الظل... فإذا كان للاستبداد أن يحتمل فلا بد أن يكون خفيف الظل !.

 

أوحي لي هذا الحديث مع رواة مجلس الشعب، أن تواجه القوي الوطنية الحريصة علي مستقبل مصر، الرئيس ضمن مطالبها للإصلاح السياسي أن يقوم الحزب الوطني بتدريب المرشح لوراثته علي السلطة علي (1) الابتسام (2) خفة الظل (3) ارتياد المطاعم الشعبية (وفي مقدمتها مطاعم الكشري والكوارع) (4) القفز في الأتوبيسات العامة والنزول منها، وهي تتحرك (5) والتدريب علي استوقاف التاكسيات العادية (أبيض وأسود، وليس تاكسي العاصمة البرتقالي الفاخر). وبهذا يمكن للمرشح الوريث أن يرضي كلا من رواة مجلس الشعب الذين يستثقلون ظله (دمه) ورئيس تحرير الدستور.

ولكن مشهد مجلس الشعب في افتتاح الدورة البرلمانية له أبعاد أخري فبين من تحمسوا وهللوا وصفقوا، لبقاء الرئيس (حسني) في موقعه مدي الحياة، وأولئك الذين اكتأبوا للتأجيل الضمني لصعود الوريث، وهم كانوا من المستعجلين، ضاع علي الرأي العام في الداخل والخارج، أن المشهد نفسه كان ينطوي علي تعددية سياسية حقيقية. فهناك ما يشبه حرية الاختيار بين الأب (حسني) وولده (جمال). وهذا تقدم ملحوظ عن وضع سابق لتعديل المادة 76 في العام الماضي، حيث كنا في ظل نظام الاستفتاء العقيم السابق، بلا أي بدائل. فلم يكن يظهر علي بطاقة الاستفتاء سوي اسم واحد، ولم نكن نملك إلا كلمتي نعم و لا . أما في المشهد الجديد وبعد تعديل المادة 76، حتي لو كان تعديلاً مشوهاً، فلدينا علي الأقل بدائل افتراضية ، حتي لو كانت بين الوالد و ولده !.

يقول كثيرون أن الشهرين السابقين للتعديل، ومشهد التعديل المشوّه، والاختيار القسري بين الوالد وولده، هما مشهدان غير مقبولان بالمرة، لأنهما يحولان مصر إلي جمهورية ملاكي ، أو كما سميناها منذ سبع سنوات جملوكية أي نظام مخنث لا هو جمهوري صريح، ولا هو ملكي صريح. وأكثر من ثلاثة أرباع الشعب المصري (77%) الذين امتنعوا عن التصويت في عام 2005 لا يريدون نظاماً مخنثاً، كما يتخوفون من نظام يسيطر فيه الإخوان علي السلطة. لذلك فإن المصريين يلحون علي تعديل المادة 76 حتي ينفتح الباب أمام كل الكفاءات الصالحة لقيادة مصر المحروسة في القرن الحادي والعشرين. فنحن لا نريدها جمهورية وراثية مخنثة ، ولا نريدها حكماً أزلياً لفرعون جديد، وهو ما يستدعي تعديل المادة 77، حتي يكون هناك سقف زمني لشغل منصب رئيس الجمهورية، وليكن عشر سنوات.

وإذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد للثلج أن ينصهر.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و بدون تعليق.

المصدر: الراية القطرية-4-12-2006