مقالات و محاضرات

 

 

  

دارفور...بين أجندة دولية و كارثة محلية!!

 

 

دارفور نواة كارثة أفريقية تتجاوز حدود السودان.. رؤى من واشنطن

تحت عنوان "الخطوات القادمة في دارفور" عقد معهد بروكنغز Brookings Institution بالعاصمة  الأمريكية واشنطن هذا الأسبوع رابع ندواته خلال ثلاث سنوات لبحث ما يمكن أن تفعله الأمم المتحدة والولايات المتحدة لاحتواء الكارثة الإنسانية في إقليم دارفور السوداني والذي يقدر عدد ضحايا الصراع فيه بعشرات آلاف القتلى وأكثر من مليوني نازح بلا مأوى. جين ماري جوهينو، نائب الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام، وأندرو ناتسيوس، المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص للسودان، كانا ضيفي الندوة التي افتتحتها السيدة روبيرتا كوهين الخبيرة بمعهد بروكنغز ومندوبة الأمين العام للأمم المتحدة لشئون النازحين، بشرح أهمية مشروع بروكنغز- بيرن الذي تشغل منصب كبيرة مستشاريه في مساعدة النازحين نتيجة أعمال العنف في دارفور موضحة انعكاساتها المأساوية التي امتدت إلى دولتي تشاد وأفريقيا الوسطى المجاورتين، ومحذرة من تأثيرها السلبي على اتفاقية السلام بين الشمال والجنوب في السودان. 

وعلى خلفية صورة قاتمة رسمها للوضع المتدهور في دارفور، أكد جوهينو ضرورة اتخاذ قرارات عاجلة وحاسمة تبدأ بتلبية دعوة اجتماع أديس أبابا الأخير لوقف إطلاق النار ووقف فوري للعمليات العسكرية التي تقوم بها قوات الحكومة السودانية في الإقليم، وعزل المتمردين الرافضين للتوقيع على اتفاق الهدنة. واعتبر المسئول الأممي أن الدفع بأي قوات إلى دارفور لن يحل المشكلة مالم يتم تهيئة الأوضاع الملائمة على الأرض لإيجاد حل سياسي شامل.

عقبات السلام في دارفور ومفتاح الحل

في سياق شرحه لأبعاد الأزمة وخلفياتها، عدد جوهينو العوائق التي تحول دون إيجاد حل عملي لها برغم كل الجهود الإقليمية والدولية. وفي مقدمة هذه العقبات، مخاوف الطرف السوداني وشكوكه في نوايا المجتمع الدولي (أو بالأصح الولايات المتحدة) تجاه دارفور التي تعتقد الخرطوم أن وراءها أجندة خفية تسعى للسيطرة على السودان، وما يقابلها من شكوك الأطراف الأخرى في إمكانية سماح السلطات السودانية لأي قوات تابعة للأمم المتحدة بلعب دور فعال في حفظ السلام بالإقليم. ويضاف إلى ذلك  الانقسام في الأراء داخل المجتمع الدولي ذاته، ومجلس الأمن، وأفريقيا، إلى جانب الانقسامات  بين جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي.

ويطرح جوهينو ثلاثة أسباب أساسية لتعطل العملية السياسية وعدم تفعيل اتفاق السلام في دارفور. أولها مسألة التعويضات، حجمها وكيفية وصولها إلى الضحايا. وثانيا قضية استقلال إقليم دارفور. وثالثا مسألة تواجد أهالي دارفور في مؤسسات الدولة السودانية. لكن جوهينو يرى في المقابل مساحة للتحرك  الدبلوماسي والعمل السياسي تعتمد على استثمار الجوانب الإيجابية في النقاط الثلاث. فمبلغ الثلاثين مليون دولار الذي تم رصده في اتفاق سلام دارفور كدفعة أولى للتعويضات هو مبلغ ضئيل لكن يمكن زيادته. كذلك فإنه من الضروري توحيد الصف وجمع كل الأطراف المعنية على طاولة واحدة للتفاوض. ولكي يتم تحقيق تقدم على الصعيد السياسي يجب أن يكون ذلك التفاوض على نطاق أوسع ليشمل المحيطين الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي يجب الوضع في الاعتبار العلاقة بين تشاد والسودان، والمزاعم المتبادلة بين الطرفين، إذ ترى السودان أن عناصر قادمة من تشاد تدعم المتمردين، أما وجهة النظر التشادية فإنها تضع في الاعتبار الهجمات التي تشنها جماعات العرب المسلحة وما يمكن أن تمثله من تهديد للسلطات في إنداجامينا. لذا فمن المهم أن تضم المفاوضات العناصر الإقليمية الرئيسية، وأن تكون جزءا منها. كما أنه من الأهمية بمكان وقوف المجتمع الدولي صفا واحدا في البحث عن حل جذري للأزمة.

أما مفتاح الحل كما يراه المسئول الأممي فيكمن في نوعية القوات التي يجب نشرها في دارفور. فالحاجة ملحة لنشر قوات موثوق بها. وقد تم الاتفاق في أديس أبابا على ما أطلق عليه مبدئيا اسم قوة دعم بسيطة لقوات الاتحاد الأفريقي يتم نشرها بشكل عاجل، كما أن هناك اتفاقا على نشر قوة أخرى أثقل، وبصورة عاجلة أيضا، تضم المزيد من عناصر الشرطة والمدنيين، ويبلغ عددها ما يقرب من ألف شخص. وفي كل الأحوال يرى جوهينو أن نشر قوات فعالة وموضع ثقة في الوقت ذاته، سيمهد الأجواء لعملية سياسية شاملة بشرط أن تنتشر تلك القوات بالتعاون التام مع الحكومة السودانية.

تعقيدات الصراع التاريخي في دارفور وآفاق الحل

اختار المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى السودان أندرو ناتسيوس أن يبدأ مداخلته في الندوة بالتأكيد على أن مهمته تتجاوز إقليم دارفور الغربي وتشمل جميع مناطق السودان الملتهبة، بما فيها الاضطرابات في شرقه والصراع على المياه في منطقة النوبة بشماله وكذلك الوضع الهش في الجنوب. وحرص ناتسيوس على الاستفاضة في شرح تاريخ الصراع في دارفور، موضحا أن أولى الحروب التي اندلعت في الإقليم بدأت منتصف الثمانينات بين العرب وقبائل الفر وتزامنت مع موجة جفاف عنيفة ضربت المنطقة، ثم وقعت حرب ثانية عام 1996 بين عرب الإقليم وقبائل المصلط واستمرت عامين. لكن الحرب الأخيرة التي بدأت عام 2002 تعد أكثر تلك الحروب مأساوية وشراسة بسبب حجم ضحاياها واستخدام الأسلحة الثقيلة فيها. وأشار ناتسيوس إلى خطأ توصيف هذه الحرب بأنه صراع بين العرب والأفارقة من سكان دارفور لأن قبائل الرزيقات الجنوبية العربية رفضت دخول الصراع (إلى جانب الرويقات الشمالية) بل وتحالفت مع زعماء بعض القبائل الأفريقية. 

وبقدر تعقد خلفيات الصراع في دارفور تتعقد محادثاته إذ اتضح للمبعوث الرئاسي الأمريكي أثناء زيارته الأخيرة للخرطوم قبل خمسة أسابيع أن ست مفاوضات كانت تجري في آن واحد، مما أدى إلى حيرة الجميع بما فيهم هو شخصيا. لكن ناتسيوس ركز على أن أحد أهم إنجازات اجتماع أديس أبابا هو الاتفاق على وجود عملية مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، موضحا أن مهمة الدول الأفريقية وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي إضافة إلى الولايات المتحدة دعم تلك النقطة. كما أشار إلى التغيرات التي ستقع في الأول من يناير القادم، حيث سيغادر كوفي عنان مكتبه وسيحل محله أمين عام جديد للأمم المتحدة وما سيصاحبه من تغيير في مناصب السلطة الأممية. كذلك وصول أعضاء الكونجرس الجدد إلى السلطة في نفس التاريخ، وأيضا إعلان الاتحاد الأفريقي عن انتهاء مهمته في نفس الموعد، وعليه فلم يبقى سوى ستة أسابيع فقط للوصول إلى اتفاقات واتخاذ قرارات قبل بداية العام الجديد وقبل موعد كل تلك التغييرات.

ومن بين مقترحات عديدة مطروحة للتعجيل بحل الأزمة وتقريب المسافات بين الأطراف، أوضح ناتسيوس أن هناك اقتراحا بأن يكون المندوب الخاص للأمين العام المعين مسئولا في الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في نفس الوقت، وأن يكون أفريقيا، كذلك أن يكون قائد القوة أفريقيا أيضا، ويعتقد أنه سيكون هناك إجماع في الآراء حول هذا المفهوم العام. كما أشار إلى أنه لا يمكن تفعيل نظام التمويل الحالي للأمم المتحدة لقوات حفظ السلام لاختلاف الوضع الحالي؛  إذ أن العملية مختلطة وليست عملية أممية بحتة، كذلك لا يمكن استخدام النظام الحالي الذي تولت فيه الدول الأوروبية والولايات المتحدة عملية تمويل القوات في دارفور، وقال إنه "يجب العودة إلى الكونجرس للتصديق على تمويل عمليات خاصة، حيث نفدت الميزانية الأوروبية ويجب الحصول على الأموال اللازمة لدعم القوات في تلك الشهور الحرجة". واعتبر أن الطريقة الوحيدة لزيادة فاعلية تلك القوات هي استخدام أنظمة الأمم المتحدة الموجودة بالفعل، كذلك أنظمة التحكم والقيادة التي أثبتت فاعليتها على مدار الأربعة عشر عاما الماضية.

وشدد المبعوث الأمريكي على أنه لا يمكن تطبيق أي اتفاق سلام ما لم تجمع الأسلحة الثقيلة ويتم نزع سلاح الجماعات المختلفة، مؤكدا أن واشنطن مستعدة للعب دور حيوي فور الوصول إلى اتفاق سلام تشارك فيه جميع القبائل والأطراف السياسة.

الأجندة الأمريكية في دارفور والصورة الأشمل

ما هي الأهداف الحقيقية وراء الاهتمام الأمريكي المفاجيء بأزمة دارفور، وما هي القواسم المشتركة بين المساعدات الإنسانية لسكان الإقليم وانتقاد موقف الخرطوم من ناحية وما يتردد عن توطد العلاقات بين أجهزة المخابرات الأمريكية والسودانية في الحرب على الإرهاب ؟

كان هذا هو السؤال الذي طرحه أحد الحضور في الندوة، وانبرى له المبعوث الرئاسي الأمريكي اندرو 

ناتسيوس مؤكدا على أن أجندة الولايات المتحدة الوحيدة في دارفور هي حقوق الإنسان ومساعدة ضحايا الصراع الدموي في الإقليم. وبرغم اعترافه بحدوث لقاءات بين مسئولين سودانيين ومسئولي الاستخبارات الأمريكية مؤخرا للتنسيق بشأن جهود الحرب على الإرهاب، نفى ناتسيوس صحة ما جاء في مقال جون بيدرغراس بحريدة الواشنطن بوست عن وجود مخططات سرية مشتركة بين واشنطن والخرطوم محذرا من أن مثل هذا الكلام "غير الدقيق" يعجب المروجين لنظرية المؤامرة ويزيد من صعوبة إيجاد حلول سياسية لأزمة دارفور.  

أما نائب الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام جين ماري جوهينو فقد اختتم مداخلاته في ندوة معهد بروكنغز بالتأكيد على أن المأساة التي يعيشها سكان إقليم دارفور تتجاوز الحدود السودانية إلى منطقة القرن الأفريقي والصحراء الكبرى، لأنها ترتبط بشكل أو بآخر بالأوضاع في تشاد والنيجر مثلما تتداعى تأثيراتها على الأوضاع المتوترة بين اريتريا واثيوبيا وكذلك في الصومال. فالمنطقة برمتها ترقد على برميل بارود من الصراعات القبلية والعرقية والسياسية. وإذا لم يبادر المجتمع الدولي بحل أزمة دارفور فإن القارة السوداء مرشحة لأن تتحول إلى ساحة حرب مفتوحة ستولد مزيدا من العنف ومزيدا من الكوارث الإنسانية. ولفت جوهينو الانتباه إلى أن مشكلة دارفور وبرغم مأساوياتها لا يجب أن تصرفنا عن النظر إلى الصورة الكلية في السودان بما فيها أزمة الجنوب الذي وبرغم مرور شهور على توقيع اتفاق السلام فيه ما زالت بعض مشكلاته الأساسية تراوح مكانها مثل عملية تقسيم الثروات وعائدات البترول بين الشمال والجنوب، وكذلك تداعيات مقتل جون جارنج الذي غير ديناميكية العلاقات السياسية في السودان.

وفي مواجهة سيل من أسئلة الحضور عن قضايا دعم حلف شمال الأطلسي للقوات الأقريقية الأممية المشتركة، تحدث ضيفا الندوة عن دور المجتمع الدولي في حماية المواطنين في حال عجز حكوماتهم عن القيام بهذا الدور ومساعدة تلك الحكومات في هذا الشأن. واتفق الضيفان على ضرورة إيجاد فهم مشترك بين أعضاء مجلس الأمن والحكومة السودانية لدور قوات حفظ السلام وفاعليتها ودعمها للعملية السياسية، موضحين أن مشكلة انتشار أسلحة الميليشيات (الثقيلة) التي فاقمت من كارثة دارفور لا تقتصر على السودان فقط، بل تشمل تشاد وليبيا والنيجر أيضا.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد 85