مقالات و محاضرات

 

  

 

إذا لم تكن موجودة يجب إقامتها : قناة سريّة لحلّ الأزمة مع طهران

 

 

هل ثمة قناة سرية للاتصال ما بين الولايات المتحدة وإيران، إذا لم تكن موجودة فعلى الغرب إقامتها والتفاوض مع طهران بعيدا عن الأنظار بدل العناد والتقدم نحو أزمة أسوأ من الحال العراقي الراهن، يقول الكاتب روبرت كرونويل في الإندبندنت.

ماهو أكثر المباني إثارة للمخاوف في واشنطن؟

ليس مبنى البنتاغون وليس مبنى دي سي الذي يضم السجن، إنه مبنى في شارع ماساشوستس الذي يتصدر مدخله طراز شرقي ومن الخلف قبة نصف مبلطة زرقاء وتقع على مقربة من مبنى لوتينس الفاخر يقيم السفير البريطاني لدى واشنطن عادة. المبنى مخيف ليس بما هو هناك بل بما هو مغيب و غير موجود. القارئ الملم يعرف ماذا أقصد. إنني أتكلم عما كان في السابق مقرا للسفارة الإيرانية قبل قطع العلاقات الدبلوماسية في أزمة الرهائن عام 1979.

لقد سيطرت الفوضى في العراق على كل ما عداه خلال الأيام الماضية: هل نضع برنامجا زمنيا للانسحاب أم أن ذلك غير ضروري، هل نرسل مزيدا من القوات أم أن المطلوب تخفيضها، هل نواصل سياسة إكمال ما بدأناه أم إن الأفضل هو في الاختصار والهروب؟ كل هذا في جو ينبئ أننا نتقدم نحو وضع أسوأ بكثير مع إيران.

أعلن الإيرانيون أنهم تقدموا خطوة أخرى في برنامجهم النووي و مساعي تخصيب اليورانيوم الذي يعتقد الغرب أنه يهدف في النهاية إلى إنتاج السلاح النووي. في نفس الوقت بدأت واشنطن حملة من تصعيد الضغوط على طهران في الأمم المتحدة. كل المؤشرات تفيد إلى أن اللعبة هذه ستتواصل إلى أن يعلن الرئيس بوش عند نقطة معينة إن السياسة قد” استنفذت أغراضها “. وكلنا يعرف ماذا تعني هذه الجملة بالتحديد إذا ما وضعناها في إطار الصراع والحرب على العراق. ولكن الخطر أكبر هذه المرة.

لا تستطيع الولايات المتحدة غزو إيران كما فعلت مع العراق، ولكنها تستطيع قصف مفاعلاتها النووية تدمرها وتدمر معها الكثير مما يشك به في داخلها. ورغم كل ما تظهره تصريحات الزعماء الإيرانيين والمفاوضات معهم فإنهم لا يريدون حدوث ذلك ولكنهم سيردون بالتأكيد على هذا العمل الحربي: سيغلقون مضيق هرمز، سيجعلون العراق مكانا أكثر صعوبة مما هو عليه الآن ولا يمكن إدارته. وبشكل عام سيحركون المشكلات في الشرق الأوسط وسينشرون الفوضى في كل أرجاء المنطقة. كل هذا والمبنى الفارغ في شارع ماساشوستس، يذكر اللاعبين الرئيسيين في هذه الدراما أنهما لا يتكلمان مع بعضهما.

العلاقات الدبلوماسية يجب أن تكون مسألة عملية تعكس النواحي العملية في الحياة، وهي ليست هدية يمكن رفضها أو قبولها كعلامة على الرفض أو القبول. الحكومات لا تحب بعضها بشكل عام ولكنها تتخاطب فيما بينها حتى في ظل النزاعات المسلحة. لقد قامت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقا بتبادل طرد الدبلوماسيين من عاصمتيهما ولكنهما لم يقطعا أبدا علاقاتهما الدبلوماسية.

ومن المحزن أن إدارة الرئيس بوش لا تأخذ وجهة النظر هذه مع طهران وربما كان هناك الكثير من الصعوبة أمام هكذا علاقات: لقد قامت وكالة الاستخبارات الأمريكية بترتيب الانقلاب الذي أعاد نظام حكم الشاه عام 1953، أزمة الرهائن في طهران التي استمرت 444 يوما والآن “الحرب على الإرهاب” ولكن وإذا كان يجب إبقاء باب المبنى رقم 3005 في ماساشوستس مغلقا، فماذا عن الباب الخلفي؟

إذا كان هناك مبرر لمثل هذه القنوات الخلفية فإن ضرورتها ملحة في هذا الوقت وأكثر من أي وقت مضى. كلا الولايات المتحدة وإيران لا يريدان الظهور بمظهر من يقدم التنازلات أمام العالم ولكن عظمة القناة الخلفية تكمن في هذا السبب. لا أحد يعرف بوجودها ولا أحد يفقد ماء الوجه.

في السابق لم يكن هناك من استغل دبلوماسية القنوات الخلفية أكثر من الأمريكيين أنفسهم. وكان هنري كيسنجر - وزير الخارجية السابق ومستشار الأمن القومي للرئيس نيكسون- محترفا في هذا المجال. الرئيس الأمريكي أقام قناة اتصال خلفية خاصة به مع الاتحاد السوفييتي من خلال سفير موسكو في واشنطن أناتولي دوبرنين. وكان هذا الترتيب مهينا لوزير الخارجية الأمريكي آنذاك ويليام روجرز ولكن ذلك أتاح من ناحية أخرى للبلدين مناقشة القضايا الساخنة في أجواء عقلانية.

وكانت رحلة هنري كيسنجر السرية إلى بكين صيف العام 1971 مؤشرا ممتازا على نجاعة سياسة القنوات الخلفية في ظروف معينة. خلال زيارته لباكستان تظاهر كيسنجر بالمرض كمبرر لعدم خروجه من مكان إقامته في كراتشي ولكنه كان في بكين، ونتج عن هذه الزيارة واحد من أكبر التحولات الاستراتيجية في عصرنا مع بدء العلاقات بين واشنطن و بكين و انتقال التأثير من موسكو. لماذا لانجرب الآن مع إيران شيئا مشابها ولكن ربما ليس بهذه الإثارة. لا أحد يطلب من كونداليسا رايس التي تتمرس عند عرضها سياسات بلادها تجاه سوريا وإيران وراء لافتات مثل “يعرفون ما عليهم فعله..”، لركوب الطائرة سرا والتوجه شخصيا إلى طهران للتوصل إلى صفقة ولكن توجد طرق أخرى. هناك مصلحة مشتركة وهائلة تدفع لضرورة التفاوض بين البلدين: العراق، برنامج إيران النووي، الاقتصاد والإرهاب والخيار في النهاية هو ما بين التوصل إلى حلول وسط أو التوجّه إلى الحرب. لماذا لا يتم استكشاف القنوات الخلفية أين يمكن لكل طرف التكلم بصراحة وبدون شروط مسبقة. ربما رفض الإيرانيون ذلك ولكن المحاولة ستظهر جدية الأمريكيين ومساعيهم لحل تفاوضي؛ شيء لا يبدو أنه يحدث في الوقت الراهن.

ربما أن هناك الآن قناة سرية بين البلدين وعلى الرغم من كل ما يقال ويحدث. ولكني أشك في ذلك.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: مجلة المجلة