" هيئة البيعة " فى السعودية.. هل بدأ صراع الأخوة الأعداء ؟

 

 د. رفعت سيد أحمد

 

 

- الاعلان عن الهيئة تم بدون التشاور بين الملك عبد الله وباقى العائلة المالكة .

- صلاحيات الهيئة تسقط دور أهم مؤسستين دستوريتين فى السعودية : مجلس الوزراء ومجلس الشورى.

- الهدف الرئيس من " الهيئة " هو تقييد سلطة ولى العهد (سلطان) فى اختيار من سيرثه حين يصبح ملكاً .

- الضغوط الأمريكية كانت تقف خلف التعديل وتجبر الملك على الاصلاح وفقاً لأجندتها التى تريد جيلاً أمريكياً جديداً من أحفاد عبد العزيز ليحكم المملكة .

- الملك استغل ما يسمى (بالحالة الطبية) للملك وولى عهده انطلاقاً من حالة (فهد) ليفرض تغييراً غير دستورى يبعد الشعب ومؤسساته عن اختيار الحاكم ويحصر الأمر فى ذات العائلة التى تحكم منذ قرن بالفساد والاستبداد.

هل صحيح أن يوم 20/10/2006 الموافق 28 رمضان 1427هـ كان فتحاً جديداً مشرقاً فى تاريخ مملكة آل سعود كما أشاع المنافقون ووعاظ السلاطين ومثقفى الصدفة وكتاب البترودولار ؟ وهل كان حقاً نصراً للديمقراطية وتسليماً بحق الجيل الثانى من أحفاد عبد العزيز فى تولى سدة الحكم بعد أن تولى أمرها الجيل الأول من أبناء عبد العزيز لما يزيد على سبعين عاماً ؟ أما أن الأمر لا يعدو كونه صراعاً مكتوماً بين الورثة بدأ يطل برأسه مجدداً، بعد التطورات العنيفة التى تعصف بالمنطقة وفى قلبها المملكة ؟

* بداية دعونا نقرأ مضمون التعديل الذى أجراه الملك عبد الله وفاجأ به ليس فحسب الشعب (السعودى) ولكن إخوته وبخاصة مجموعة السديرين أبناء حصة السديرى .

تحدثنا المعلومات الواردة من مملكة آل سعود أن الملك عبد الله قد أصدر مرسوماً ملكياً يوم الجمعة الموافق 20 أكتوبر 2006 ، ينص على تعديل الفقرة “ج” من المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم، بحيث تنص على الدعوة لمبايعة الملك واختيار ولي العهد، وفقا لنظام هيئة البيعة، وجاء في المرسوم أنه تسري أحكام نظام هيئة البيعة على الحالات المستقبلية، ولا تسري أحكامه على الملك وولي العهد الحاليين.

وتتكون هيئة البيعة من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأحد أبناء كل متوفى أو معتذر أو عاجز بموجب تقرير طبي يعينه الملك من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود، على أن يكون مشهوداً له بالصلاح والكفاية، واثنين يعينهما الملك، أحدهما من أبنائه والآخر من أبناء ولي العهد، على أن يكونا مشهودا لهما بالصلاح والكفاية.

ونص التعديل على أنه عند وفاة الملك تقوم الهيئة بالدعوة إلى مبايعة ولي العهد ملكا على البلاد، وفقاً لهذا النظام والنظام الأساسي للحكم. وعلى أن يختار الملك بعد مبايعته وبعد التشاور مع أعضاء الهيئة واحدا أو اثنين أو ثلاثة ممن يراه لولاية العهد، ويعرض هذا الاختيار على الهيئة، وعليها بذل الجهد للوصول إلى ترشيح واحد من هؤلاء بالتوافق لتتم تسميته وليا للعهد، وفي حالة عدم ترشيح الهيئة لأي من هؤلاء فعليها ترشيح من تراه وليا للعهد.

وجاء في التعديل أن للملك في أي وقت أن يطلب من الهيئة ترشيح من تراه لولاية العهد، وفي حالة عدم موافقة الملك على من رشحته الهيئة على الهيئة التصويت على من رشحته، وواحد يختاره الملك، وتتم تسمية الحاصل من بينهما على أكثر من الأصوات وليا للعهد، كما نص على أن يتم اختيار ولي العهد في مدة لا تزيد على ثلاثين يوما من تاريخ مبايعة الملك.

ونص التعديل أيضاً على أنه في حالة توفر القناعة لدى الهيئة بعدم قدرة الملك على ممارسة سلطاته لأسباب صحية، تقوم الهيئة بتكليف اللجنة الطبية المنصوص عليها في هذا النظام بإعداد تقرير طبي عن الحالة الصحية للملك، فإذا أثبت التقرير الطبي أن عدم قدرة الملك على ممارسة سلطاته تعد حالة مؤقتة فتقوم الهيئة بإعداد محضر إثبات لذلك، وعندئذ تنتقل مباشرة سلطات الملك بصفة مؤقتة إلى ولي العهد إلى حين شفاء الملك، وعند وصول إخطار كتابي من الملك إلى رئيس الهيئة بأنه تجاوز الأسباب الصحية التي لم تمكنه من ممارسة سلطاته أو عند توفر القناعة لدى الهيئة بذلك فعليها تكليف اللجنة الطبية المشار إليها بإعداد تقرير طبي عن حالة الملك الصحية، على أن يكون ذلك في مدة لا تتجاوز أربعاً وعشرين ساعة، وإذا أثبت التقرير الطبي قدرة الملك على ممارسة سلطاته فعلى الهيئة إعداد محضر إثبات لذلك، وعندئذ يستأنف الملك ممارسة سلطاته، أما إذا أثبت التقرير الطبي أن عدم قدرة الملك على ممارسة سلطاته تعد حالة دائمة فعلى الهيئة إعداد محضر إثبات لذلك، وعندئذ تدعو الهيئة لمبايعة ولي العهد ملكا على البلاد، على أن تتم هذه الإجراءات وفقا لهذا النظام والنظام الأساسي للحكم في مدة لا تتجاوز أربعا وعشرين ساعة.

ثم عدد التعديل العديد من الأمور والقضايا المتصلة أيضاً بتولى الملك وولى عهده واتصال هذا جميعه بالحالة الطبية .

ونص التعديل أنه في حالة وفاة الملك وولي العهد في وقت واحد تختار الهيئة خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام الأصلح للحكم من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء والدعوة إلى مبايعته ملكا على البلاد، وفقا لهذا النظام والنظام الأساسي للحكم، ويتولى المجلس المؤقت للحكم إدارة شؤون الدولة لحين مبايعة الملك. وعين العاهل السعودي خالد بن عبد العزيز التويجري أمينا عاما لهيئة البيعة.

تلك هى أبرز محتويات المرسوم الملكى ، والذى نسجل عليه ما يلى :

أولاً : استغل الملك عبد الله وجوقة مستشاريه الحالة الصحية المتدهورة التى كان عليها الملك فهد بن عبد العزيز قبل وفاته ، ليملأ مرسومه الملكى بعشرات الأمثلة والكلمات عن (الحالة الطبية للملك وولى العهد) حتى يعطى لنفسه أمام الشعب المغلوب على أمره منذ مائة عام أو يزيد من اغتصاب آل سعود للحكم ، مبررات أن يستمروا فى الحكم ولكن وفقاً لمصالح البعض من هذه الأسرة ضد البعض الآخر ، وأن يتغافلوا مصالح وحقوق الشعب فى الاختيار، فهذا الشعب وهيئاته الدستورية (إن كان هناك أصلاً هيئات) وكذلك مؤسسات المجتمع المدنى (إن كانت أصلاً موجودة) فهى لم تكن حاضرة فى تعديلات الملك و(هيئة البيعة) التى صدع رؤوسنا كتاب وصحفيى البترودولار عن مدى ديمقراطيتها ودستوريتها ، ترى أين هذه الديمقراطية والدستورية وقبلهما أين حمرة الخجل ؟! .

ثانياً : وبعيداً عن الديمقراطية والشورى والدستورية لأنها مفاهيم أصلاً غير معروفة أو لنقل غير معترف بها فى هذه المملكة التى يهيمن فيها أبناء أسرة واحدة على 90% من أموال واقتصاديات وسياسات البلد بأكمله ، لنبحث فى الأسباب الحقيقية لإصدار الملك عبد الله (تعديله) أو مرسومه الملكى .

* إن الحقائق على الأرض تؤكد أن السبب الرئيسى هو هذا الصراع المكتوم بين أجنحة الأسرة السعودية وبالتحديد بين الملك عبد الله ومن يمثلهم ، وولى العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز المعروف بميوله الأمريكية المتطرفة ومن يمثلهم (وفى مـقدمتهم ابـنه غيـر الشرعى / بندر بن سلطان) ، لقد أراد عبد الله بهذه الخطوة نزع صلاحيات سلطان المستقبلية فى تعيين ولياً للعهد يكون قريباً منه أو من مجموعة السديرين السبعة (الذين نقصوا منذ فترة واحداً هو فهد) ، لقد أراد عبد الله أن يحجم هذه الصلاحيات ، طبعاً ليس من أجل الشعب بل من أجل المصالح والنفوذ والسياسات والاستبداد المتأصل فى دماء هذه العائلة ؛ وما يؤكد هذا الهدف الخفى لإصدار المرسوم هو الطريقة التى تم بها الاعلان عن هيئة البيعة والتى تشير إلى أنها كانت قرارا اتخذه الملك عبد الله بن عبد العزيز دون اتفاق مع بقية أخوته ممن يسمون "مجموعة السديريين" حيث أن العادة جرت أن يتم اتخاذ مثل هذه القرارات في اجتماع مجلس الوزراء الذي يعقد يوم الاثنين من كل أسبوع ويقوم وزير الإعلام بالإعلان عنه، وهو ما لم يحدث هذه المرة كما ذكرت صحيفة " الوطن " على موقعها الالكترونى .

فقد لوحظ أن الإعلان قد صدر كخبر قرأه مذيع التلفزيون السعودي سليمان العيسى المقرب جدا من الديوان الملكي وهو الأمر الذي اعتبر بمثابة فرض الأمر الواقع. كما تؤكد مصادر اعلامية سعودية أن تعيين خالد عبد العزيز التويجري السكرتير الخاص للملك عبد الله أمينا عاما للهيئة يشير إلى رغبة الملك السعودي فى فرض سيطرته الكاملة على الهيئة في مواجهة "السديريين" الذين حاولوا تعطيل وصوله إلى عرش المملكة من خلال علاقاتهم الخاصة بالأمريكيين وبدوائر المال والنفوذ داخل المملكة وفى المنطقة .

ثالثاً : لا يمكن تجاهل الضغوط الأمريكية التى توالت على مملكة آل سعود منذ زلزال احتلال العراق (2003) وصعود نجم تنظيم القاعدة ونمو التيار السلفى الجهادى داخل المملكة وتهديده لعرش الأسرة الحاكمة ، كل هذه التطورات كان لها دورها فى دفع الملك عبد الله والفريق الذى يمثله فى اتجاهين : الأول : الاتصال المشبوه والسرى بإسرائيل ومحاولة إقامة علاقات معها بعد هزيمتها فى لبنان على أيدى العدو المشترك للمملكة ولإسرائيل ولأمريكا ونقصد به هنا حزب الله. والثانى: إجراء بعض الاصلاحات السياسية التى ظاهرها ديمقراطى ، قد يرضى الأمريكيين ومشروعهم الجديد فى المنطقة ، ولكن جوهره استبدادى لا يغير من واقع الحال الملكى الفاسد والمستبد الذى يختنق فيه الشعب فى الجزيرة العربية منذ قرن أو يزيد ، وما يؤكد هذا المعنى هو أن هذه الخطوة التى طبل وزمر لها بعض كهنة وكتبة السلطان أسقطت وبشكل خطير صلاحيات أهم مؤسستين دستوريتين فى المملكة (مجلس الوزراء ومجلس الشورى) إلى الحد الذى دفع أحد الكتاب السعوديين المحسوبين على النظام السياسى إلى التصريح بخطورة هذا الأمر ، فلقد كتب الدكتور خالد الدخيل مقالاً مهماً تحت عنوان (نظام هيئة البيعة يدشن حكم الجيل الثانى) جاء فيه بعد وصلة من المجاملات السياسية وإبراز للأهمية الدستورية الوهمية لما جرى يقول : [واللافت أيضاً أن النظام الجديد استبعد أي دور لمجلس الوزراء أو مجلس الشورى في عملية انتقال الحكم. هذا على الرغم من أن هذين المجلسين يُمثلان السلطتين التنفيذية والتشريعية في الدولة، وخاصة مجلس الوزراء، الذي يجمع بين هاتين السلطتين، ويرأسه الملك. يعني هذا الاستبعاد أن النظام جعل مسألة حسم انتقال الحكم محصورة داخل الأسرة الحاكمة، وبالتالي شأناً دستورياً متميزاً أو منفصلاً عن المؤسسات الدستورية الأخرى للدولة.

ثم يقول الدخيل : الأسرة الحاكمة هي مؤسسة سياسية تتولى الحكم دستورياً، وهي بذلك تتكامل مع مؤسسات الدولة الأخرى ذات العلاقة بمسألة الحكم. من هنا تأتي الحاجة لدور كل من مجلس الشورى ومجلس الوزراء في عملية انتقال الحكم. فحيث أن النظام الجديد أخضع مسألة اختيار ولي العهد للتوافق بين الملك وهيئة البيعة، أو لتصويت الهيئة كمخرج نهائي، فإن احتمال وصول عملية التصويت إلى طريق مسدود في حالة عدم توفر إمكانية تجاوز تساوي الأصوات بين المرشحين أمر وارد. عندها ستبرز الحاجة إلى دور أحد أو كلا المجلسين للخروج من هذا الطريق المسدود. دور مجلس الشورى هو الأنسب في مثل هذه الحالة، خاصة بعد أن تكون عضويته بالانتخاب، الأمر الذي يتطلب تعديلا دستوريا آخر. مثل هذا الدور للشورى يعزز من شرعية البيعة من خلال الثقل الشعبي الذي يمثله المجلس في هذه الحالة ] انتهى كلام د. خالد الدخيل .

لقد شهد شاهد من أهل المملكة ومن المحسوبين على نظامها شهد على مدى شكلية التغيير الذى جرى وكيف أنه استبعد مؤسسات دستورية قائمة ، ليؤكد على الفردية والاستبدادية الملكية مجدداً (وكأنك يا أبو زيد ما غزيت) كما يقول المثل .

* على أية حال تلك أبرز الملاحظات على المرسوم الملكى الذى أصدره عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية ، نقدمها لنكشف أمام الرأى العام فى تلك المملكة أولاً ، والرأى العام الإسلامى خارجها ثانياً أن ما يجرى فيها ليس سوى (صراع أجنحة) على ثروة ونفوذ ومقدسات طال أمد أسرها فى أيدى أسرة واحدة منذ قرابة المائة عام ، والشعب المسكين والمبتلى هناك لا علاقة له بهذا الصراع ولنؤكد أيضاً أن هذا الصراع الداخلى ، سيفرز أوضاعاً خطيرة مستقبلاً ، أوضاعاً تحتاج إلى بحث جاد حول سبل إنقاذ مقدسات المسلمين من تلك الأيدى العابثة التى تتصارع على الدنيا مقدمة مقدساته ودينه مطية لذلك ، تلك الأيدى التى تأتمر بأوامر أمريكا حتى فى مجال توريث الحكم وما تدعيه من إرساء لقيم الديمقراطية .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: المثقف-10-11-2006