مقالات و محاضرات

 

 

 

من هو الغبي؟! العقيد العجوز أم الشعب الفقير؟!

 

 

 

د. شاكر النابلسي

 

 

 

ليبيا: من تحت الدلف إلى تحت المزراب

- 1-

شرُّ البلية ما يُضحك.

لقد ضحكتُ كثيراً، وقهقهتُ، حتى انقلبتُ على قفاي من شدة الضحك. فالبلايا العربية لا تُحزن فقط، ولا تبعثُ على الاكتئاب فقط، وانما أيضاً تُضحك إذا كانت من وزن البلية الليبية، التي ابتليت بها ليبيا عمر المختار، وليبيا الاستقلال الذي حققه محمد ادريس السنوسي عام 1951، وليبيا بشير السعداوي زعيم المؤتمر الوطني 1922، والمناضل أحمد زارم، والمناضل مصطفى المصراتي، وليبيا ابراهيم الكوني الروائي الليبي العظيم، المرشح لجائزة نوبل، والتي ترجمت رواياته لأربعين لغة، وليبيا الشاعر الليبي المجيد خالد المطاوع، وغيرهم من أعلام ليبيا المعاصرة في السياسة والتاريخ والأدب.

-2-

منذ عام 1969 وليبيا مبتلية بالملازم معمّر أبا منيار القذّافي، الذي نسخ الثورة المصرية 1952، وجاء بمثلها المسخ في ليبيا. وفعل بالعقيد الركن الليبي سعد الدين بوشويرب ما فعله عبد الناصر بمحمد نجيب. وهو الذي قام في 1969 بترقية نفسه من رتبة ملازم إلى رتبة عقيد، ثمّ عينه رفاقه ـ وفي اليوم نفسه ـ رئيساً لأركان الجيش الليبي. فقفز بالرتبة الجديدة أربع رتب في الجيش دفعة واحدة. وهو ما فعله عبد الناصر بعبد الحكيم عامر. ثم شيئاً فشيئاً صفّى "ضباط الثورة"، وأصبح هو مالك المزرعة الوحيد التي يُطلق عليها "الجماهيريّة العربيّة الليبيّة الشعبيّة الاشتراكيّة العظمى".

-3-

اليوم، وبعد أكثر من 35 سنة من سرقة ليبيا واختطافها إلى المجهول، يأتي الملازم معمّر أبا منيار القذّافي، وهو يتباكى على الوضع الاقتصادي في ليبيا، وحال الشعب الليبي الفقير، ويهدد الفاسدين والناهبين إن لم يكفوا عن فسادهم ونهبهم - كما قال بالأمس - فإن "للصبر حدوداً. واذا لم تتحقق العدالة الاجتماعية بين الليبيين سأقود بنفسي ثورة ضد الذين أُثروا بصورة غير مشروعة." ودعا القذافي للكشف عن الممتلكات التى أُخذت بصورة شرعية، أو حتى التي سُرقت. وممارسة الشفافية قبل أن تُتخد اجراءات لا تُحمد عُقباها فى اطار مكافحة الفساد.

صحَّ النوم يا مولانا العقيد العتيد!

أين أنت، وأين وريثك وولي عهدك سيف الاسلام قائد تيار الاصلاح الليبي، وليبيا تُسرق وتُنهب منذ أكثر 35 سنة؟

فأنت، وأنت وحدك، من يملك ليبيا بصحرائها، وبحرها، وفقرها، وغناها، وأهلها، وتعاستها، وبترولها، وكتابها الأخضر، ونظريتها العالمية الثالثة، وقضاتها، وجيشها، وعِلمها، وجهلها، وسجونها، وحراسها، وفسادها، وسلطتها الشعبية.

أنت أبو ليبيا وأمها.

وأنت لسانها الأوحد، وخطابها الأوحد، وقائدها الأوحد، وبطلها الأوحد، ومعمرها الأوحد، وفيلسوفها الأوحد.

وأنت من يمتلك السّلطة والثروة والسلاح.

أمّا الشّعب الليبي فهو خارج السّلطة.. إنه قطعان من الأنعام، وروضة من الأطفال، كما تظن وتعتقد، ولذلك فأنت تخاطبه بهذه اللغة المزوّرة والكاذبة.

أنت صاحب الشرعية الثورية، كما تقول وتنادي.

فكيف مرّ الفساد والنهب والسرقة من بين يديك يا حكيم الزمان، وحامل الصولجان، وحارس البستان، وتأتينا اليوم لتقول لنا: " ما زلتُ أُمسكُ بصمام الأمان من انفجار ثورة الفقراء، الذين يشعرون بالغبن من عدم المساواة فى توزيع ثروة النفط، التي هي مُلك كل الليبيين، ولا يجب أن يستحوذ عليها الحذّاق والشُطار. وأن الثروة الآن تتكدس في يد مجموعات صغيرة. والفقير لا يجدُ من يضمنه. وهذا أمر غير مقبول"؟

يا سلام على كلام العسل الثوري!

الحقيقة المرّة، أن القذافي وأولاده وباقي الحكام العرب، يخاطبون شعوبهم، وكأن هذه الشعوب من الأطفال أو الأنعام، أو أقل من الأطفال والأنعام.

-4-

ما الفرق بين القذافي وأولاده وفساد عهدهم وبين فساد العهد الملكي السابق، الذي كان أرحم على الشعب الليبي من فساد دجال ليبيا الأكبر معمر أبا منيار القذافي وأولاده الذين يعيشون في ليبيا وأوروبا عيشة الملوك والأباطرة، ثم يتحدثون عن الفساد والمفسدين، بينما الشعب الليبي يموت جوعاً، كما اعترف القذافي بلسانه البارحة .

 لقد انتقلت ليبيا في "الغالق" من سبتمبر 1969 ، من تحت دلف الفساد الملكي إلى تحت مزراب الفساد الثوري القذافي.

ففي العهد الملكي، كان الفساد ضارباً أطنابه. واعترف الملك ادريس السنوسي (الذي أقنعه عبد الناصر بعدم مقاومة "السورة" واللجوء إلى مصر) بالفساد في ذلك الوقت، كما اعترف به القذافي اليوم. ففي عهد حكومة عبد المجيد كعبار، وهي أطول حكومات العهد الملكي عمراً، تم اكتشاف النفط بكميات تجارية عام 1959، وأدى ذلك إلى ازدياد الفساد المالي واستشرائه، لدرجة أن الملك أصدر بيانه الشهير "بلغ السيل الزُبى"، موجهاً خطابه لرئيس الحكومة والوزراء وولاة الأقاليم, مندداً بقبول المسؤولين للرشاوى واستغلالهم لسلطاتهم ونفوذهم. وكانت ليبيا في العهد الملكي تعيش تحت دلف الفساد الملكي، متمثلاً برؤساء الحكومات الفاسدين السارقين من أمثال عبد المجيد كعبار، ومحمد بن عثمان الصيد، ومصطفى بن حليم وغيرهم. وكان الفساد في العهد الملكي دلفاً؛ أي نقطة نقطة. ليس لأن هؤلاء المسؤولين كانوا شرفاء قليلاً ، ولكن لأن المال المُتاح للسرقة كان قليلاً في ذلك الوقت. فقد سرق هؤلاء في ذلك الزمان جملاً. أما اليوم فقد سرق القذافي وطناً بأكمله. فأموال ليبيا وذهبها الأسود والأصفر لا يُعدُّ ولا يُحصى. وهي تدفع مليارات الدولارات طواعية، تكفيراً عن ذنوبها السابقة في الارهاب الدولي، ولا يهتز لها طرف عين. وتدع الناهبين والسارقين يمرحون ويسرحون، دون حساب أو عقاب، والشعب الليبي يموت جوعاً ، كما يصفه القذافي بنفسه بكل وقاحة وحماقة ، وهو يبتسم، إما غباءً وإما مكراً.

-5-

ما يثير الفزع حقاً في ليبيا أن لا أمل قريباً هناك في الإصلاح.

فسيف الإسلام "الشاب الإصلاحي"، ابن الزعيم القائد الأوحد، كان أبرز الداعين الى الاصلاح الاقتصادي والسياسي والانفتاح على الغرب، وانتشال ليبيا من حالة الفوضى السائدة. وهو الذي اعتبر أن حالة الفوضى هذه عائدة الى غياب الدستور والقوانين، متهماً المافيا الليبية بالتصدي للمشاريع الاصلاحية. ولكن يبدو أن "المافيا" الليبية هي التي تحكم ليبيا الآن، وأن الـ Godfather "بابا معمّر" لا يستطيع أن يفعل شيئاً. فهو أسدٌ على المعارضة وأرنبٌ على المافيا. وأن سيف الإسلام العتيد هذا – ويبدو أنه سيف من خشب قديم – لم يستطع أن يفعل شيئاً، سيما وأن أباه هو "علي بابا" طرابلس الغرب. وبلغ بسيف الإسلام اليأس من الإصلاح حداً أن ترك ليبيا مهاجراً ، كما تقول الأخبار!!

وأنا أريد أن أسأل:

ماذا يفعل القذافي في ليبيا.. هل هو حاكم أم طرطور؟

وكيف يسكت على هذا الفساد والنهب والسرقة، منذ عشرات السنين؟

أم أن معمّر أبا منيار القذّافي هو "علي بابا" طرابلس الغرب، كما يبدو جلياً؟

سلامٌ على ليبيا.. وقلبي مع هذا الشعب الليبي الطيب الذي خرج من تحت دلف الفساد الملكي، ليقف تحت مزراب الفساد الثوري القذافي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: شمس الحرية- 23-11-2006