القوى السياسية العراقية أصبحت جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزء من الحل!!

 

 

ساهر عريبي

العراق بين التخبط الشيعي والطمع السني والترقب الكردي والتربص الأقليمي والحيرة الأمريكية !

منذ التاسع من نيسان والعراق يعيش في دوامة غير متوقعة لم تكن تمر في مخيلة أكثر المراقبين السياسيين تشاؤما, ولا حتى في خلد أبرع راسمي السيناريوهات في دهاليز السياسة العالمية. لقد كانت إزالة نظام صدام هي المعضلة الكبرى التي عجز الشعب العراقي عن حل عقدتها , وكانت إزالة هذا النظام هي أمنية العراقيين التي مابعدها أمنية , فكانت صلوات ودعوات العراقيين وطيلة عقود ترتفع إلى السماء راجية الأنتقام من نظام صدام الهمجي الذي أذاق العراقيين شتى أنواع الظلم والمهانة.

حتى جاءت جيوش العم سام لتحقق أمنية المظلومين من العراقيين ولترسم البسمة على شفاه الملايين , وتكحلت عيون العراقيين برؤية الطاغية صدام ذليلا مخذولا , باء بخزي الدنيا ولعار الأخرة أكبر. وقال العراقيون بأن كل شيء يهون بعد السقوط الا عودة زمر صدام القمعية , وأبدى العراقيون الأستعداد لتحمل الجوع والعطش والزهد في هذه الحياة مقابل زوال نظام البغي الذي قدموا الملايين من أبنائهم قرابين في طريق زواله.

إلا أن ما لم يكن يدر في خلدهم أن تصل الأمور إلى ما وصلت أليه اليوم من فقدان للأمن وقتل على الهوية وتراجع في الأعمار وعدم إستقرار سياسي ,رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على التحرير. لقد فقد العراقيون الشعور بالأمان في وطنهم ولاخير في الأوطان مع عدم الأمان. ولا زالت العملية السياسية راقدة في غرفة العناية الفائقة رغم كل التقدم فيها, ولازالت التجربة العراقية الوليدة تعيش هاجس الخوف من المستقبل والقلق مما تخبئه لها أيام الديمقراطيين الأمريكيين القادمة.

واما الولايات المتحدة الأمريكية فهي الأخرى تضع يدا وتتكيء على الأخرى وتكاد تبدو مذهولة لاتدري ما تفعل وبدلا من ان تجني الأدارة الأمريكية ثمار دخولها إلى العراق وتحرير شعبه , وإذا بها تمنى بخسارة أغلبيتها في الكنغرس ومجلس النواب. فمالذي أوصل الوضع إلى ما وصل إليه؟ إنني لا أريد أن أكون متشائما ومتجنيا لأدعي بأن شيئا لم يتحقق ولكن الواقع أنه كان في الأمكان أكثر مما كان ويكون.

إن السبب الأول في تردي الأوضاع وعدم تحسنها طبقا لطموحات غالبية الشعب هو في تخبط القيادات السياسية الشيعية التي تمزق الشارع الشيعي بسببها .

فبعض هذه القيادات قد خدعت بالشعارات البراقة التي رفعها إدعياء الوطنية والأسلام وهما منهم براء. فشعار مقارعة الأحتلال كان قميص عثمان الذي رفعه أزلام النظام السابق والذي كان يخفي ورائه هدفهم الخبيث وهو العودة إلى السلطة.

لقد إنطلت هذه الحيلة على بعض القيادات الشيعية التي عبأت الشارع الشيعي المنهك أصلا والمدمر لتقوده في الطريق الخطأ بحجة إخراج المحتل, وليدفع الشيعة ثمن تعطل العملية السياسية وثمن تأخر الأعمار للجنوب العراقي الذي لا يذكر حاله إلا بسنين القرون الوسطى.

لقد توزع ولاء القيادات السياسية الشيعية التي لم تجد قراءة الواقع العراقي الجديد وظنت بأن زمام المبادرة في يديها بعد أن رأت عمق التأييد الذي تحظى به في الشارع الشيعي بفضل عباءة المرجعية الدينية الرشيدة ممثلة بأية الله العظمى السيد السيستاني الذي لولا حكمته لمني الشيعة بخسائر عظمى وأكبر مما أصابهم اليوم. لقد كان الأولى بهذه القيادات أن تثبت أقدام الطائفة في الأرض قبل ان تفكر بالأيديولوجيا وبالولاءات الأخرى التي تعلو على الولاء للوطن وللطائفة.

فهذه القيادات تقدم قدما وترجع الأخرى فلاهي تضع يدها بيد امريكا حتى تستقر الأوضاع ولا هي تمتلك القدرة لأدارة البلد والسيطرة عليه دون الحاجة للدعم الأمريكي. فهي تريد دعما أمريكيا لكي تمسك بزمام السلطة وفي نفس الوقت لاتثق هذه القيادات بامريكا التي تعتقد انها تريد تسويق منظومتها الفكرية والأخلاقية. إن هذا الوضع يعكس عدم ثقة هذه القيادات بنفسها على إدارة هذا الوضع الشائك والمعقد والخروج منه بأقل الخسائر.

وكنموذج للتخبط هو تأسيس الميليشيات ومن ثم المطالبة بدمجها في مؤسسات الدولة. لقد كان من الأولى بهذه القوى هو الأيعاز لمريديها للتطوع في المؤسسات الأمنية وبالتالي الأمساك بزمام الأمور من داخل الدولة بدلا من خارجها. وكان من الأولى لهذه القوى وضع يدها بيد قوات التحالف من اجل القضاء على الزمر الأرهابية والصدامية بدلا من رفع السلاح بوجه قوات التحالف ومن ثم الصراخ والعويل ومطالبة هذه القوات بضرورة حماية المدنيين الشيعة.

لقد أوقعت هذه القيادات وبسبب تخبطها الأدارة الأمريكية في حرج التي صدمت بالموقف الشيعي الذي كان يفترض به ان يكون متعاونا إلى أبعد الحدود بإعتبار أن الشيعة هم أكثر الشرائح العراقية التي إستفادت من التغيير الذي أزاح عن كاهلها الظلم والأضطهاد والحرمان. وإذا بهم يعقدون الوضع العراقي ويضعون العراقيل في دواليب المسيرة الديمقراطية التي أريد لها ان تكون نموذجا في العراق. وبدلا من دعمها أعلن بعض القادة الشيعة عن عزمهم على إجهاضها في العراق خدمة لأجندة غير عراقية .

وأما بالنسبة للطائفة السنية التي امسكت بزمام السلطة في بلاد ما بين النهرين طيلة عقود من الزمن فلم يرق لها الوضع الجديد فكانت أشبه بالمصدومة والمذهولة ووجدت نفسها ولأول مرة محكومة غير حاكمة . ورغم سعي كل الأطراف العراقية والدولية إلى عدم تهميشها ,إلا أنها همشت نفسها بنفسها وإنساقت وراء الشعارات البراقة التي رفعها بعض القادة المتطرفين ورفضت الدخول في العملية السياسية بشكل جدي.

إلا أن القادة العقلاء من أهل السنة أدركوا سريعا عمق الخطأ التأريخي الذي إرتكبوه ولذا فقد حثوا الخطى نحو أصلاح الخلل والعودة إلى الحكم ولقد تحقق لهم أكثر مما يستحقون. وعاد أبنائهم للدخول في مؤسسات الدولة العراقية في الوقت الذي كان العديد منهم مطارد نظرا للمواقع الحساسة التي كانوا يحتلونها في الأجهزة القمعية للنظام السابق الذي إستخدم الورقة الطائفية لغرض تحقيق أحلامه المريضة في السيطرة والحكم.

إلا أن الشارع السني الذي حقق إنجازات ومكاسب لم يكونوا يحلموا بها بعد السقوط أثروا إتباع سياسة عدم الرضا وعدم القناعة بما حصلوا عليه , فلقد عادت إليهم أحلامهم بالحكم المطلق للعراق مرة أخرى ولم يعودوا قانعين بما هم عليهم بل بداوا بالسعي لدى دول الجوار ممن يملك الحظوة لدى الأدارة الأمريكية مطالبين إياهم بإعادتهم إلى حكم العراق لأن الشيعة قد أثبتوا فشلهم في الحكم على حد زعمهم وبحجة قرب الشيعة من إيران العدو اللدود لأمريكا. لقد كان للموقف السني غير القانع بما حققه والطامع لما هو أكبر من حجمه أبلغ الأثر في تعقيد الوضع العراقي بل وفي بلبلة ذهن الأدارة الأمريكية التي بدأت تعيد حساباتها في العراق بسبب التخبط الشيعي وبسب الطمع السني.

وأما الكرد الذين أضحوا بيضة القبان في العراق والذين حققوا نجاحات هائلة في كردستان بفضل حكمتهم وحسن تعاملهم مع اللاعبين الكبار وسعيهم لتحقيق مصالح شعبهم فقد وجدوا أنفسهم يوما بعد أخر بعيدين عن الواقع العراقي ولا يشعرون بالأنتماء إليه بل وغريبون عنه.

فكردستان واحة للأمان فيما تغرق انحاء العراق الخرى في دوامة العنف الطائفي والحزبي. وفيما يعيش الجنوب العراقي في العصور الوسطى تسير مسيرة الأعمار في كردستان بخطى ثابتة نحو الأمام. وفيما تتراجع المسيرة الديمقرطية في انحاء مختلفة من العراق , تترسخ المسيرة الديمقراطية في كردستان يوما بعد اخر.

إن هذا الواقع قد وضع القادة الكرد في موقف المترقب الذي لا يريد الأطاحة بالمنجزات التي حققها الشعب الكردي الذي عانى الكثير في ظل حكم الأنظمة السابقة التي تعاقبت على سدة الحكم في بلاد ما بين النهرين. ولولا العهود والمواثيق التي وقعها القادة الكرد مع قادة الفصائل الأخرى لأعلن الكرد إنفصالهم الذي ينتظرون مبررات إعلانه ولعل عدم تطبيق الأتفاقيات المتعلقة بمدينة كركوك ستكون الحد الفاصل والقشة التي ستقسم العراق.

واما الدول الأقليمية التي يسعى معظمها لأفشال التجربة العراقية لغاية في نفس يعقوب فهي تقف موقف المتربص الذي يحرك الأوضاع في العراق كل من موقعه بإتجاه إجبار الولايات المتحدة على التسليم بفشلها في العراق وبالتالي تهيئة الأجواء لأنسحابها من العراق. وهم بين ذلك متربصين بإنتظار ساعة الحسم للأنقضاض على العراق وتقطيع اوصاله وتوزيعها غنائم بين هذه الدول.

وبين هذا وذاك تقف الأدارة الأمريكية وبكل ما اوتيت من جبروت وقوة ودهاء حائرة تشعر بالعجز وهي تتلقى الضربات واحدة تلو الأخرى من الأصدقاء ومن الأعداء فهل ستعلن الولايات المتحدة هزيمتها ويأمر الديمقراطيون إلأدارة الأمريكية بالأنسحاب من العراق ؟ أم إن أساطين وجهابذة وسحرة السياسة الأمريكية سيتمكنون من حل طلاسم بلاد الرافدين التي إستعصى حلها على من سبقوهم من أمويين وعباسيين وصفويين وعثمانيين وإنكليز؟

وبين جميع هؤلاء يقف العراق بجباله وسهوله وأهواره وصحاريه محتضنا جميع أبناءه راجيا منهم الأصغاء لصوت العقل والحكمة فأيسر الطرق لخروج العراق من مأزقه هو في تفاهم أبنائه وإتفاقهم وتنازل الواحد منهم للأخر ووضع أيديهم بأيدي أصدقاء العراق الحقيقيين, وحينها فلن تتمكن أي قوة في العالم من فرض أجندتها أوتسويق منظوماتها طالما كان أبناء العراق متراصين لا ثغرة بينهم يمرر من خلالها المتربصون مشاريعهم التي لاتريد للعراق ولأبنائه خيرا.

و لك ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر:شمس الحرية- 24-11-2006

 

 

مواضيع ذات علاقة:

 

شبح الحرب الأهلية في العراق... دروس من لبنان

كاتب أميركي ينتقد اسلوب ادارة الصراع في العراق

رأيـان أمـريكيان مـختـلـفان فـي السـاحـة العـراقية

واشنطن وضرورة التركيز على عناصر النجاح في العراق

هل تلاشت ” خطة مارشال “ في العراق؟

الـسبيل إلـى الـنجاح فـي الـعراق                         

خطة الخروج الأميركية من العراق                     

العراق: لسنا أمام حرب أهلية ولكن...! 

الغائب الأكبر في الإنتخابات العراقيةالأخيرة      

أربعة دروس من فيتنام تصلح في العراق اليوم    

أميركا والعراق: نحو استراتيجية خروج مسؤولة          

الدبلوماسية طريق الخروج من الورطة العراقية        

لماذا تتمنى أميركا وبريطانيا حرباً أهلية في العراق؟        

هلْ الإنقاذ بعد غزو العراق كان ممكناً!؟ 

الحرب الأهـليـة غـير العـراقيـة إنـتـحـار جـمـاعـي… للعـراق والمنطقة والعالم

فرصة للوحدة في العراق

لماذا الخشية من لبننة العراق؟

مركز الفرات للتنمية والدراسات يعقد ندوة حول العنف الطائفي في العراق الأسباب والآثار المترتبة

كايسي يقدم خطة لخفض القوات الأميركية في العراق

قرار حل الميليشيات في العراق متى يأخذ طريقه الى التنفيذ ؟

ليس العـراق فقط بل المنطقة تمرّ بلحظة الإختبار والإختيار معـا : فَـلِمَ التفـرج ! ؟

هل تخطى العراق الأزمة؟

تقرير أمريكي ينتقد سياسة ما بعد حرب العراق

العراقيون هم ضحايا الإرهاب رقم واحد

هل العراق يسير في الاتجاه الصحيح؟

العراق تهزم السيناتور ليبرمان في انتخابات الكونغرس التمهيدية

الديمقـــــراطية في العـراق ليست من أولويات الميزانيــة الأميركية

منْ يقاتل منْ في العراق ؟ ... من الجغرافيا الى التاريخ

جورج بوش يتحدث عن التجارب والأخطاء في العراق

العراق: صراع الديموقراطيات وإنكار الوقائع السياسية 

إلى أين يتجه العراق؟               

هل العراق يسير في الاتجاه الصحيح؟ 

العـراق وضعـف القـوة الأمريكية

لجنة بيكر توصي بتقسيم العـراق على ثلاثة أقاليم

نحو "ستراتيجية امريكية مؤثرة في العراق"- الحلقة الأولى

مركز دراسات أميركي: إنجازات البنتاغون في العراق صفر

هل تنشب حرب أهلية في العراق؟

العراق بين خياري "الديمقراطية" و "الحرب الأهلية"

مـع نـذرالـحرب الأهـلية على أرض العراق(2)

مـع نـذرالـحرب الأهـلية على أرض العراق(1)

الـسبيل إلـى الـنجاح فـي الـعراق(1-2)

الـسبيل إلـى الـنجاح فـي الـعراق (2-2 )

كينيث بولاك مديرقسم الأبحاث والدراسات في مركز سابان للشرق الأوسط يقول : هناك شبه إجماع على أن طريقة معالجة أمريكا للوضع في العراق فاشلة

هل الإنقلاب العسكري لم يعد خيارا مستبعدا في العراق ?!

وهم الانقلاب العـسكري في العراق  ؟!            

الارهاب في العراق مــن يقف وراءه..؟          

عن العراق ؛ لن نتكلم بل سندع الاحداث تحكي          

الولايات المتّحدة في العراق: جُزء من المشكلةِ        

العراق موضع خلاف مستمر بين قطبي الكونغرس الأميركي         

"الديمقراطيون" الأميركيون والانسحاب من العراق           

العراق...رهان بوش في بقية ولايته الرئاسية         

هل يمكننا إعادة تحريك العراق ثانية ؟         

هل سياسات واشنطن تعصف بوحدة العراق؟   

نظرية "البقاء الطويل" في أرض العراق    

فليساعد العرب العراقيين إذا أرادوا إنهاء الاحتلال      

تقسيم العراق خطأ قاتل للولايات المتحدة الأميركية           

عـودة التيار الكيسنجري الى السياسة الخارجية الأمريكية ومستقبل العراق   

الحالة العراقية: وهل هي بالفعل والتعريف حرب أهلية ..؟         

الصبر وبلا تخبط يمكن أن يكون مفتاحا لحلّ الأزمة العراقية           

فـي الـذكـرى الثالثة للحرب في العـراق : اقول .. وتقول .. ويقول .. والجرح مازال ينزف وحفلة التـفـرج متـواصلة!! 

أمن العراق... وخطر الميليشيات