مقالات و محاضرات

 

 

 

العراب الأفغان الجدد...جيل في الإنتظار!!

 

 

 

د. طارق سيف

 

 

العرب الأفغان" الجدد... قادمون

لا ينكر أحد أن العراق قد خطى خطوات كبيرة في اتجاه الحرب الأهلية الطائفية، وكذلك حال أفغانستان التي تسير على الخطى نفسها؛ والخبرات ذاتها لاستنساخ ما يحدث في العراق، وكلتاهما أصبحت ساحة نشاط وانتقام لمنظمات إرهابية عدة أتت لتصفي حساباتها مع الجميع دون تمييز، وتسعى إلى تدمير كل ما تصل أيديها إليه. ولكن أحداً لا يفكر في أن كلا المسرحين يستخدم كميدان تدريب قتالي عملي لتفريخ خلطة معدلة من المتطرفين الإرهابيين الأشد قسوة من "العرب الأفغان" من جنسيات عربية مختلفة، وأن السيناريو سيتكرر والتاريخ سيعيد نفسه، ربما بعد شهور أو سنوات معدودة عندما يحين الوقت ويعود من ظل على قيد الحياة من هؤلاء "العرب الأفغان الجدد" إلى دولهم الأصلية، وتبدأ موجة جديدة ومفاجئة من الإرهاب الداخلي، لسبب بسيط هو أننا لا نتعلم دروس الماضي.

منذ أيام قليلة أفادت الأخبار الواردة من العراق حول الحرب الطائفية الدائرة هناك، أنه خلال الأربعة أشهر الماضية فقط جرى اعتقال نحو 650 مسلحاً، منهم أكثر من 150 مصرياً ، وما يزيد على 80 ليبياً، إضافة إلى مسلحين آخرين من مختلف الجنسيات العربية، أبرزهم اليمنيون والبحرينيون، وهذه هي الأرقام المعلنة من الجانب العراقي. أما في أفغانستان فقد أعلن عن قتل واعتقال عدد غير محدد من السعوديين، ولكن من غير المعروف حتى الآن العدد الحقيقي للمعتقلين من العرب في كل من العراق وأفغانستان.

وإذا كان التبرير الذي سيسارع إليه بعض أصحاب الشعارات الجوفاء، وخبراء التحليلات العرجاء، والأبواق الفارغة، هو أن هؤلاء الشباب قد ذهبوا للدفاع عن الأرض العربية والإسلامية التي يدنسها الاحتلال الغربي، فلن نجادلهم ولن نتورط في نقاش جانبي غير مُجدٍ يشغلنا عما نريد طرحه، كما لا يهمنا كثيراً إقناعهم بالحقيقة فهم أدرى منا بها، فضلاً عن أن الدفاع عن فلسطين وشعبها هو الأحق بجهود وتضحيات هؤلاء الشباب المغرَّر بهم، لأن ما نحاول طرحه هنا مرتبط بمستقبل أمن الدول العربية.

حتى الآن لا يشعر كثير من الأنظمة العربية الحاكمة بالكارثة المترتبة على عودة الأفغان الجدد من العرب الذين جرى "غسل عقولهم" و"إعماء بصائرهم" و"قتل ضمائرهم" ودفعهم للقتال في أفغانستان أو العراق، تحت مزاعم كثيرة. فقد أصبح هؤلاء جميعاً "آلة للقتل" لا تعرف في هذه الدنيا غير القتل ولا تعي غير الدمار وإسالة الدماء، وتتسم بالطاعة العمياء لصانعها.

مر العرب الأفغان الجدد بمراحل مختلفة ليصبحوا "آلة قتل"، بدءاً بمرحلة التحفيز والانتقاء، مروراً بمرحلة التجنيد ثم التدريب النظري والتأهيل الميداني، وأخيراً التحول من "إنسان" ميزه الله بالعقل عن سائر المخلوقات، إلى "مخلوق شيطاني" فقَد إنسانيته وبات أداة ميكانيكية وسلاحاً لا يعرف سوى القتل والدمار، تتم برمجته وتشغيله في أي ميدان قتالي وضد أي هدف وفق أهواء مالكه.

تبدأ مرحلة الانتقاء والترصُّد للصيد الذي وقع عليه الاختيار من شباب العرب في دولته الأصلية عادة، ويقوم بهذا العمل خبراء في فهم الواقع الذي يعايشه هذا الشاب، ومعرفة مواطن الضعف فيه لتكون المدخل الطبيعي والطُّعم الذي سيجذبه به إلى شبكته، وليس بالضرورة أن يكون الفقر والحاجة أو البطالة أو ظروف المعيشة أو عدم القدرة على الزواج هي المدخل، بل عادة ما يكون الحديث عن الدين والإيمان هو الستار الذي يخفي عملية الاقتراب والتغرير والجذب والإقناع لدى المستهدف في ظل ضحالة الفكر الديني لدى هؤلاء الشباب. وفي الوقت نفسه تمثل هذه المرحلة اختباراً واقعياً وعملية جس نبض لتحديد الأسلوب الأمثل للسيطرة على الفريسة.

ثم يبدأ التدريب والتأهيل إما في دولته الأصلية، أو في الميدان أو في مسرح العمليات بأي دولة يسهل على أرضها إخفاء معسكرات الإرهاب، وبعدها لن يعرف الفريسة من دنياه سوى "أمير" الجماعة أو الخلية، بينما يصبح العالم بأسره أعداء له، بمن فيهم أسرته من أم وأب وأخوة، بل يكون مستعداً لقتل رفيقه الذي يشاركه القتال والإرهاب إذا ارتأى "الأمير" ذلك.

والخطورة تكمن هنا عند عودة هذه الآلة القاتلة للوطن الأم، وهي مفتقدة كل صفات الإنسانية والوطنية والهوية والانتماء، يغمرها شعور عام بالغربة، فالقتل أصبح حرفة، والبشرية عدو له، والدمار هو أقصى أمانيه. وما يزيد من تعقيد الأمور أن وطنه يستقبله بأجهزته ومؤسساته بطريقتين لا ثالث لهما، إما الاعتقال دون استجواب، أو الإفراج المشروط بالتواجد في محل إقامته استعداداً لاعتقاله في أقرب فرصة، وفي الحالتين هو إرهابي ولن يثبت العكس، وبالطبع فإن هذا كله يزيد من زخم رغبته في الانتقام والقتل.

حدث هذا مع "العرب الأفغان"، حيث لم تدرك الحكومات العربية التحول الخطير الذي أصاب شخصية شبابها العائد من القتال في أفغانستان، وما ترتب على ذلك فيما بعد من أعمال إرهابية هددت الاستقرار والأمن الداخلي، وهو الأمر نفسه الذي نتوقع حدوثه مع الأفغان الجدد، طالما ظلت الأنظمة الحاكمة على إصرارها في التعامل الأمني مع الظاهرة دون النظر إلى حاجة هؤلاء الشباب إلى إعادتهم لبشريتهم.

من أهم سمات وخصائص "الأفغان الجدد" التي يلزم أخذها في الاعتبار الآتي:

* إن هؤلاء لديهم قناعة تامة بأن العالم بأسره عدوهم، لا فرق بين عربي أو أجنبي، يدين بالإسلام أو بغيره، وهذه الأيديولوجية تسيء استعمال لغة العدالة والمساواة لتبرير القتل والتدمير، كما أنها تشابه النازيين في الاستهانة بقتل الآخرين.

* إنهم شباب مغرر بهم لا يعرفون لغة تفاهم مع المجتمع سوى السلاح والمتفجرات، فهي المهنة التي تأهلوا لها، وكلهم في حاجة إلى علاج نفسي متخصص يعيد إليهم آدميتهم وإنسانيتهم التي نزعت منهم، وأن يدركوا حقيقة العالم من حولهم.

* إنهم عاشوا في عزلة تامة عن محيطهم الأسري، وفقدوا استقرارهم الاجتماعي، وضاع منهم أمنهم وسلامتهم الشخصية، وباتوا معرضين للاعتقال والتعذيب أو القتل، فكتبوا على أنفسهم الموت دفاعاً عن وجودهم.

* إن هؤلاء لديهم خلل واضح في تفسيرهم للدين والإيمان، واعتمدوا على أمرائهم وزعمائهم فقط في فهم الدين، بعد أن تخلى علماء الدين ومشايخه عن مسؤولياتهم في مواجهة الفكر المتطرف والرؤية القاصرة للدين، والأخذ بيد الشباب إلى الطريق القويم.

* لديهم قناعة مرْضية بأنهم على حق وغيرهم على باطل، في ظل ثقة تامة بأن مصيرهم الجنة.

* لا يقبلون أي رأي يخالف رأي أميرهم، لذلك تكون مقاومتهم لما يناقض أفكارهم أو حتى يخالفها مخالفة جزئية مقاومة عنيفة.

وإذا كان هذا هو الوضع فيجب أن يكون العلاج شاملاً ومتكاملاً ومدروساً بدقة، تتضافر فيه جميع الجهود من مستوى الدولة حتى مستوى الأسرة، ويهدف أساساً إلى إعادة دمج "الأفغان الجدد" في المجتمع نفسياً وفكرياً وتربوياً ودينياً ليصبحوا مواطنين عاديين.

يجب أن تكون الدول العربية مستعدة من الآن لاستقبال هؤلاء المغرَّر بهم، بإعداد الدراسات والأبحاث في كافة المجالات، وتحديد الأسلوب الأمثل للتعامل معهم، وكيفية توزيع المهام والمسؤوليات والأدوار بين الأسرة والمجتمع والدولة، لأن البديل سيكون ثمناً فادحاً تدفعه الدول من أمنها وشبابها، أو تقام معتقلات "جوانتانامو" في كل الدول العربية استعداداً ليوم آتٍ لا ريب فيه.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-26-11-2006