مقالات و محاضرات

 

 

 

روح صدام لا رقبته

 

 

 

عبد الحمن الراشد

 

 

اليوم يوم تاريخي لأنه يوم النطق بالحكم على أشهر جلادي التاريخ الحديث، صدام . فإن سارت الأمور بحيث تعقد الجلسة في موعدها، وأتيح للقضاء ان يقول كلمته، الاعدام هو الحكم الذي لن يفاجئ احدا. وسواء ارسل الجلاد القديم للمقصلة او ترك الديكتاتور العجوز في السجن، يقضي ما تبقى من حياته، فان ذلك ليس مهما. بل هناك كثيرون يرون في سجنه عبرة اكثر من اعدامه، وهناك كثيرون يدركون اليوم ان موت صدام ليس مهما بقدر القضاء على فكره وروحه. الموت ليس مهما ابدا.

ففي العراق يموت كل يوم اناس ابرياء ومجرمون. يموت مارة وعابرون على الطرقات، وفي الاسواق، وفي نقاط التفتيش، وفي مراكز الشرطة، وفي المساجد وحتى في داخل البيوت. اما صدام فالحكم عليه حكم على تاريخ بأكمله، وحكم على صف من الحكام، وحكم على مواقف سياسية، وجماعات بعينها.

لا أظن ان صدام نفسه يأمل كثيرا في ما ستقرره هيئة القضاء. يعلم ان سقوط نظامه ولاحقا القبض عليه مختبئا في الحفرة الشهيرة، كان اقسى حكما امام شعبه من حكم القاضي اليوم.

ان صدام في حد ذاته معركة كبيرة في عالمنا العربي، حيث هز اسقاط نظامه عروشا عديدة وخوف جلادين كبارا. وما الحرب التي نراها اليوم في العراق الا محاولات خارجية لحماية العروش الآيلة للسقوط، أعني جعل تغيير اي نظام ديكتاتوري عملية مكلفة جدا، حتى يقبل العالم بالسكوت على الانظمة السيئة.

نحن اليوم امام نهاية تاريخ عسير، يرفض ان يطوى بيسر بل بكثير من الدماء والصراعات، يجلس صدام في وسطه. صدام رمز لكثير من الشرور في منطقتنا لا في العراق وحده، رمز الجبروت والطغيان والتزوير. وهو عهد ترك بصماته وخلف مدرسة كبيرة ولن يرضى تلاميذه أن يغادروا الساحة بلا حرب. والذين يدافعون عن صدام يدافعون عن انفسهم في حقيقة الأمر، وعن ممارساتهم، وعن جرائمهم، وهم يشيرون باصابعهم الى الوضع السيئ في العراق اليوم، مدللين على ان حكم صدام الرديء كان اكثر امنا من حكم اليوم الدامي. هم من يريدون ان يجعلوا خلع الضرس الصدامي داميا ومؤلما من اجل البرهنة على ان المواطن العربي لا يستحق اكثر من حاكم مثل صدام، وليس بكفء لما هو أكثر من نظام البعث الديكتاتوري.

وبكل اسف ان مثل هذه الدعاية الرخيصة ادخلت في قلوب المواطنين العرب حالة من التصديق، انهم لا يستحقون الا ان يحشروا في حظائر الخراف، والا فان الخيارات الاخرى ان تكون مسالخ الفوضى والتناحر كما يحدث في العراق اليوم.

لذا، فمعركة خلع صدام، قد لا تنتهي بما ينطق به القاضي اليوم، بل ستستمر، لأن روح الطغيان سائدة، وان غيب صاحبها.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاًَ و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-5-11-2006