مقالات و محاضرات

 

 

 

"ديمقراطيو" أميركا... رؤى متضاربة حول العراق

 

 

 

ماثيو داليك

 

 

يتوقع معظم المحللين والخبراء السياسيين أن الناخبين الأميركيين الساخطين على ما آلت إليه الحرب في العراق سيصوتون لصالح "الديمقراطيين" غداً الثلاثاء، على أمل أن يؤدي وجود عدد أكبر من "الديمقراطيين" في الكونجرس إلى إرغام إدارة بوش على البدء في سحب القوات الأميركية من هناك. والمفارقة الساخرة في هذا السياق أن أغلبية الديمقراطيين الذين يخوضون السباقات الانتخابية ليسوا من النوع الذي يؤيد الانسحاب الفوري من العراق كما يريد "كارل روف" كبير مستشاري الرئيس بوش أن يقنع الأميركيين بذلك. فإذا ما تم انتخابهم، فإنه من غير المرجح أن يقود هؤلاء "الديمقراطيون" أية حملة تدعو للخروج من العراق.

ليس هذا فحسب، بل إن الحقيقة هي أن العديد من "الديمقراطيين" المرشحين للكونجرس قد خدموا من قبل في القوات المسلحة: فالسيناتور "جيم ويب" المرشح "الديمقراطي" عن ولاية فرجينيا خاض حرب فيتنام وحصل على وسام فيها.. و"باتريك مورفي" مرشح مجلس النواب "الديمقراطي" عن ولاية بنسلفانيا، حصل على ميدالية برونزية في العراق.. ومن النجوم الصاعدة في الحزب "الديمقراطي" كذلك "تامي دكويرث"، التي فقدت ساقيها في الحرب في العراق عندما أُسقطت الطائرة المروحية التي كانت تستقلها. وليس هذا فحسب بل إننا نرى أن النائب "الديمقراطي" عن ولاية بنسلفانيا "جون بي. مورثا" الذي خدم سابقاً في سلاح "المارينز" والذي حاول البيت الأبيض أن يظهره في صورة "الديمقراطي" الانهزامي، يؤيد إجراء عملية إعادة انتشار للقوات الأميركية في العراق بدلاً من سحب تلك القوات.

وقد حاولت أجهزة الإعلام الأميركية في تغطيتها لفاعليات انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، أن تظهر "الديمقراطيين" وكأنهم يتبنون مواقف مختلفة بشأن العراق، في حين أن الحقيقة على أنهم يتبنون موقفاً متحداً بشأن تلك الحرب، بصورة لم تحدث ربما منذ عام 2002 الذي راحوا يتجادلون فيه حول ما إذا كان المفروض هو أن يعطوا تفويضاً باستخدام القوة للإطاحة بصدام  أم لا. فالموقف الواضح لهؤلاء "الديمقراطيين" الآن هو أنهم لا يحبذون الخروج من العراق قبل استكمال المهمة.

والساعون للمناصب من "الديمقراطيين" ليسوا محددي الرأي تماماً بشأن ما سيقومون به في العراق. فالقليلون منهم يقدمون خططاً تفصيلية بشأن هذه المسألة. من هؤلاء السيناتور "جوزيف آر بايدن" عن ولاية "ديلاوير" الذي يقترح أن يقوم الأكراد والسُّنة والشيعة بتكوين ثلاث مناطق مستقلة ذاتياً في الدولة.

وهناك "ديمقراطيون" آخرون يدعون إلى تنفيذ عملية إعادة انتشار مرحلية للقوات الأميركية في العراق وعبر المنطقة للمساعدة على تحقيق استقرار العراق وتحرير القوات الأميركية من المهام المكلفة بها هناك بحيث يمكنها أن تركز جهدها على شن الحرب ضد الإرهاب.

فعلى سبيل المثال ترى "دكورث" التي تسعى للحصول على مقعد الكونجرس في ولاية "ألينوي" أنه ليس بوسع الولايات المتحدة الخروج ببساطة من العراق لأن ذلك سيؤدي إلى خلق فراغ أمني، وقد يؤدي إلى تحويل العراق إلى قاعدة للإرهابيين. وهي تدعو إلى إجراء انسحاب أميركي مرحلي يتم بناء على جدول زمني يتم تحديده بناء على مستوى التدريب الذي تصل إليه القوات العراقية المسلحة.

أما "الديمقراطي" بوب كيسي فيعتقد أن عام 2006 يجب أن يكون بمثابة عام انتقالي بالنسبة للعراقيين يعدون أنفسهم فيه لتحمل مسؤولية الأمن والحكم في بلدهم. أما "ويب" فيعارض وضع جدول زمني محدد للانسحاب، وهو يرى أنه بمقدور أميركا تحريك قواتها خارج العراق -ولكن داخل المنطقة- بحيث تكون قادرة على احتواء التهديد الإرهابي داخل العراقي دون تكبد عناء الاستمرار في احتلاله.

أما "الديمقراطيون" الذين يخوضون الانتخابات في دوائر مجلس النواب التي تحتدم فيها المنافسة، فيمكن القول إنهم يميلون بشكل عام إلى تبني موقف أكثر محافظة بشأن العراق مقارنة بالموقف الذي تتبناه القيادة "الديمقراطية" في الكونجرس. فعلى الرغم من أنهم ينتقدون سياسة "البقاء ومواصلة المهمة"، التي يدعو إليها بوش إلا أنهم يتجنبون الحديث عن الخروج من العراق في المستقبل القريب.

والحقيقة أن التطورات التي حدثت خلال الصيف هي التي مهدت لاتخاذ الموقف الذي يتبناه "الديمقراطيون" حالياً. ففي البداية قام 37 من الشيوخ "الديمقراطيين" الـ44 بالتصويت بالموافقة على التعديل الذي اقترحه كل من السيناتور "كارل ليفين"، وهو "ديمقراطي" عن ولاية ميتشجن و"جاك ريد " الديمقراطي عن ولاية "رود أيلاند"، الذي يتنصل من التزام إدارة بوش الحالي المفتوح النهايات والخاص بالقوات المسلحة الأميركية في العراق على أساس أنه التزام "غير قابل للاستمرار"، ويدعو بدلاً من ذلك إلى البدء في عملية إعادة انتشار مرحلي للقوات الأميركية خلال عام 2006.

ففي الأول من يوليو الماضي، تم تقديم تعديل مختلف يؤسس لجدول زمني، يقود في النهاية إلى انسحاب شبه كلي من العراق، ولكن هذا التعديل لم يحصل سوى على موافقة 13 عضواً "ديمقراطياً".

وفي نهاية شهر يوليو الماضي، قام كبار الأعضاء "الديمقراطيين" في الكونجرس، بما في ذلك زعيمة الأقلية "الديمقراطية" في مجلس النواب "نانسي بيلوسي" النائبة عن ولاية كاليفورنيا وزعيم الأقلية "الديمقراطية" في مجلس الشيوخ "هاري ريد" العضو عن ولاية "نيفادا"، بإرسال رسالة إلى بوش، يحثونه فيها على إجراء عملية "إعادة انتشار مرحلي للقوات الأميركية في العراق" على أن تبدأ هذه العملية قبل نهاية العام الحالي 2006.

وهؤلاء لم يكتفوا برفض سياسة بوش الخاصة" بالبقاء لحين استكمال المهمة"، وإنما طالبوا إدارته بتكليف القوات الأميركية بمهمة جديدة أكثر محدودية، تركز على مواجهة الإرهاب وتقديم المساعدة للقوات المسلحة العراقية في المقام الأول.

هل سيحتذي "الديمقراطيون" الذين سينتخبون غداً الثلاثاء حذو قيادتهم الحزبية أم لا؟ سيتعين علينا الانتظار كي نرى ما إذا كان ذلك سيتم أم لا. ولكن الشيء المؤكد أن ما يطلق عليه العديد من المعلقين اسم "استفتاء قومي على موضوع العراق"، ليس مرجحاً له أن يؤدي إلى مطالبة جماعية عالية الصوت من جانب الكونجرس بانسحاب فوري من بلاد الرافدين.

*كاتب خطب "ديمقراطي" سابق في الكونجرس، ومؤلف كتاب "اللحظة المناسبة: انتصار ريجان الأول ونقطة التحول الحاسمة في السياسات الأميركية".

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -6-11-2006