هل الإنقلاب العسكري لم يعد خيارا مستبعدا في العراق ؟ !

 

 

 

 

مقال حرره نجاح محمد علي بعنوان : الإنقلاب العسكري لم يعد خيارا مستبعدا في العراق جاء فيه :

خلال الأيام القليلة الماضية، ازدحمت تصريحات المسؤولين الأمريكيين، التي وإن كانت تنطوي على أهداف انتخابية، الا أنها حملت اشارات قاسية عما يمكن أن تؤول اليه العلاقة بين الطرفين.

فالجمهوريون الذين يراهنون على "انجازات" في مجال الأمن القومي بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، يحصدون فشلهم الذي يعانون منه في العراق، وهم إذن بحاجة للتبرؤ من دم "الصدَيق" والتضحية بكبش فداء يُحملونه أخطاءهم التي ارتكبوها خصوصا على صعيد الفلتان الأمني وفتنة الحرب الطائفية التي زرعوها هناك.

وتشير معظم استطلاعات الرأي، الى أن التصدع الكبير الذي تعاني منه الاستراتيجية الأمريكية في العراق، يظهر تراجع الحزب الجمهوري، في حملته للاحتفاظ بسيطرته على المجلسين في الكونغرس، ويكشف الكثير من مساويء الجمهوريين، بعد أن انكفأ سجلهم الى الأسوأ مع انهيار الأمن والنظام رغم إجراء الإنتخابات و قيام حكومة عراقية منتخبة.

وإن فشل أحدث خطة أمنية أمريكية في الحد من عمليات القتل الطائفي المروعة، خصوصا في بغداد، وارتفاع عدد القتلى في صفوف الجيش الأمريكي، ليسجل شهر اكتوبر، أكبر عدد بالنسبة للقتلى الأمريكيين منذ الغزو الذي أطاح بنظام صدام حسين بتأريخ التاسع من ابريل 2003.

تحذيرات أمريكية!

تحذيرات لافتة صدرت بشكل لافت هذه الأيام عن الادارة الأمريكية، والمعني بها حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي، للدفع باتجاه حرب استنزاف شيعية شيعية، من خلال ممارسة أقوى الضغوط عليه لنزع سلاح الميليشيات، وهو أمر قاومه المالكي كثيرا، ورفض تطبيق سيناريو أمريكي جاهز ومحدد بسقف زمني للدخول في حرب ضارية مع التيار الصدري، وهو يدرك أن "الميليشيا" المطلوب نزع سلاحها، من وجهة نظر أمريكية، هو جيش المهدي المتشكل من عناصرالتيار الصدري.

ومن الرئيس الأمريكي جورج بوش، الى سفيره في العراق زلماي خليل زادة وقائد القوات الأمريكية في العراق جورج كيسي، ينبغي على حكومة المالكي، أن تحمل على عاتقها مسؤولية فشل الاستراتيجية الأمريكية في العراق.

يوش أعلن بوضوح أنه بصدد تغيير الاساليب التكتيكية لكي يبقى العراق "حليفا استراتيجا" في الحرب على "الارهاب"، وهو مافسره الجنرال كيسي باعترافه لأول مرة بوجود مقاومة سماها "شريفة" في دلالة واضحة لما يجري تحت الطاولة من اتصالات مع قيادات في حزب البعث، وجماعات مسلحة أخرى.

أما خليل زادة الذي كان جمع "المعارضة "العراقية في مؤتمر منتصف ديسمبر 2002 في لندن، وقادها للاصطفاف خلفه في حكم العراق الجديد، فانه واستمرارا لطريقته في التعاطي مع زعمائها الحكام الحاليين (!) رفع بوجوههم عصا "تحمل مسؤولياتهم"، وهو التعبير الذي اختاره لكي يضعهم أمام واقع جديد، قد يجدون فيه أنفسهم في سفينة واحدة مع البعثيين، إن لم يجدوا أنفسهم خارجها.

وطالب المسؤولون الأمريكيون المالكي الذي لم يمض على وزارته أكثر من خمسة شهور، بالتعامل بحزم مع الظروف الصعبة للقضاء على العنف ومنع المتطرفين من خارج البلاد وداخلها، وأعلنوا صراحة أنهم يمارسون ضغوطا عليه ليتخذ إجراءات تتسم كما قال بوش بـ"الجرأة" معلنا بلهجة لاتُخفي التهديد، أن "صبره بدأ ينفذ".

حكومة عسكرية!

في شهر رمضان الفائت، فرضت الحكومة العراقية حظر تجوال عام في بغداد لمدة 48 ساعة ، لاحباط ما تردد عن محاولة انقلابية واسعة في العاصمة، وهو ما دفع بقائمة الائتلاف الشيعية الى الاستعجال في الحصول على مصادقة مجلس النواب على مشروع قانون مسودة الأقاليم.

هذا الاستعجال سبقته معلومات في غاية الخطورة عن نية أميركية لإقامة حكومة عسكرية مؤقتة في العراق بدعم مباشر من القوات الأميركية والقوات التابعة لوزارة الدفاع، إذا فشلت العملية السياسية وأحبط مشروع المصالحة الوطنية الذي تبناه نوري المالكي.

ولم يكن الحديث عن الحكم العسكري للعراق وليد اليوم، فهو كان أهم السيناريوهات التي كانت الادارة الأمريكية تتبناها لاسقاط تظام صدام حسين، وحُكمِ العراق عسكريا.

وقد طُرحَ هذا المشروع في زمن "المعارضة العراقية"، وحظي بقبول الأطراف الرئيسة في المعارضة، وتمثل في أن يكون في العراق وجود عسكري أمريكي مؤقت يتعاون مع حكومة مدنية عراقية.

وكانت الخطة الأمريكية التي بُحثت بشكل محدود جدا مع بعض الزعماء العراقيين، تتلخص بأن يَحكُمَ العراقَ بعد سقوط نظام صدام، قائدٌ عسكريٌ أمريكيٌ لمدة عام أو أكثر، كمرحلة انتقالية. وبالفعل جيء بالجنرال جي غارنر ليكون أول حاكم عسكري للعراق الجديد قبل أن يُستبدل بحاكم مدني هو السفير بول بريمر، وذلك بسبب تعقيدات افرزها الوضع العراقي الجديد.

وكان الهدف الأساس من تلك الخطة هو تحجيم دور المعارضة العراقية بعد أن أُستخدمت كحصان طروادة للحصول على "شرعية" الاجتياح العسكري للعراق،ٍ ومن ثم الانقلاب عليها بذريعة الحيلولة دون وقوع حرب داخلية.

وبعد "التغيير" الذي حصل، والفوضى التي ساهمت الولايات المتحدة في ايجادها، سواء عن طريق تشكيل "فرق الموت"، والترويج للفتنة الطائفية، بل والمشاركة في تأجيجها بين الزعماء والساسة، فان أول ذكر لكلمة "انقلاب" في الصحافة العالمية، جاء في شهر يوليو الماضي في "الواشنطن بوست"، عندما نقلت تحذيرات زعماء وساسة عراقيين شيعة من محاولة انقلابية ضد حكومة نوري المالكي. وأوردت الصحيفة تصريحات لهادي العامري، أمين عام "منظمة بدر"، أعلن فيها رفضه الدعوة لإقامة حكومة انقاذ وطني، واعتبرها "انقلاباً عسكرياً يهدف إلى إلغاء الدستور والقضاء على نتائج الانتخابات".

ويذهب مراقبون إلى أن إعلان بعض الجماعات المسلحة المناوئة للاحتلال وللحكومة العراقية الحالية – قبل بضعة أيام- عن إمارة سنية في بعض مناطق العراق، قد يندرج في سياق هذا المخطط الذي يُراد به تخويف الشيعة ليعلنوا بالمقابل فيدراليتهم الموعودة القائمة على تفسيرات أمنية لمايجري في العراق من عمليات قتل واغتيال وتفجير لاتوفر الأماكن المقدسة والمساجد والحسينيات والأسواق.

كذلك فان العمل حاليا على إعادة هيكيلية وزارة الداخلية وتطهيرها من البعثيين المتسللين الى أفواج كاملة من الحرس الوطني كانت تخطط أساسا الى احتلال الكرخ والتقدم باتجاه القضاء على قادة وكوادر وأعضاء حزب الدعوة وبدر وجيش المهدي، يضع الاصبع على الزناد لمواجهة خطة الانقلاب.

الفدرالية مقابل الانقلاب؟

في المقابل، فان قيام حكومة عراقية دائمة بعد الاستفاء على الدستور الذي مضى عليه عام واحد، واجراء انتخابات رغم كل ما رافقها من نزاعات وخلافات، لم يمنعا من الحديث عن انقلاب أمريكي يجري اعداده، لصالح "السُنّة "الذين وصل معظم قادتهم السياسيين، ومعهم زعماء المسلحين، الى استتناج له أكثر من دلالة داخلية، أن الاحتلال الأمريكي، أقل خطرا من الاحتلال الفارسي المتمثل بتعاظم الدور الايراني عبر حلفاء ايران العراقيين، وهي اشارة خطرة عن طبيعة الاصطفافات الجديدة في عراق مابعد صدام حسين..

ولعل في الدعوة الأمريكية الى أن يصبح لبعض دول الجوار العربي دور مهم في حل أزمة العراق، ما يشير الى طبيعة الاصطفافات الداخلية، وتداعيات المواجهة الاقليمية المفتوحة، على الساحة العراقية.

ولن نأتي بجديد إذا قلنا إن التقارب الملحوظ في العملية السياسية أخذ يميل تدريجيا لصالح السنة "العرب" على ضوء نهج اتبعه السفير الأمريكي، زلماي خليل زادة الذي منح حكومة المالكي فترة ستة شهور تنتهي في نوفمبر المقبل، ثم مددها الى ما بين عام ونصف العام من أجل "القضاء على العنف وحل الميليشيات، وتحسين الأداء الخدمي وتوفير الأمن".

المالكي ومن خلفه معظم قادة الطائفة الشيعية، وحتى التيار الصدري الذي عارض في البرلمان التصويت لصالح نظام الأقاليم، وصلوا الى قناعة استندت كثيرا الى حقائق التأريخ العراقي الحديث الذي يضج بالانقلابات، مفادها أن نجاح الانتخابات، وكتابة الدستور ومافيه من تأييد لنظام الفيدرالية، لم يغير من جوهر حقيقة الوضع في العراق الذي بات العسكر فيه يمتلكون - مجددا - السطوة والنفوذ باستمرار مايجعل العراق مستعدا دائما لوقوع انقلاب عسكري، خصوصا اذا حصل الانسحاب الامريكي من العراق، وهو ما سيتيح لحاكم مستبد آخر السيطرة على مقاليد الحكم في ذلك البلد.

وقد استنتج هؤلاء أن التباطؤ في الانتقال من المجتمع العسكري (السابق حيث كانت السلطة محصورة بيد القوات المسلحة وأجهزة المخابرات)، الى المجتمع المدني، رغم وفرة عدد المنظمات المدنية الوليدة مثل الاحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية والاتحادات والأندية الاجتماعية ووسائل الإعلام وما إلى ذلك، وفشل العملية السياسية في اقناع الجميع بالمشاركة الحقيقية فيها حتى أولئك المنضوين تحت خيمتها وتحديدا السُنّة والبعثيين السابقين،أي الاخفاق في الحصول على "الشرعية" الكاملة، سيجعل امكانية التصدي لخطط مدبري الانقلاب، تقترب من الصفر، الا في الانجرار معهم الى حرب أهلية شاملة كبديل للانقلاب العسكري، ولنجاح العملية السياسية، والمعادلة تقول إنه عندما يضعف المجتمع المدني تتضاءل احتمالات تأثيره في تغيير وإفشال خطط الانقلاب.

وأخيرا، فان الطبخة الأمريكية لتدبير انقلاب عسكري في العراق ترتفع وتيرة الحديث عنها كلما أطلقت القوات الأمريكية سراح عدد من رجالات النظام السابق، ليظل خطر وقوع الانقلاب قائما بقوة مهددا المجتمع العراقي في هذه المرحلة من تاريخه ومن غير المحتمل أن يتلاشى ذلك الخطر على المدى القريب.

وكل ذلك بحسب المصدر نصاً ودون تعليق .

المصدر : مقتطف من مقال لنجاح محمد علي – دبي-  swissinfo – 27-10-2006