سيناريوهات العراق وفيتنام: القياس الفاسد!

 

أمير طاهري

 

كان هناك، وحتى قبل ان تطلق قوات التحالف الاميركية اول طلقة في الحرب التي انقذت العراق من صدام حسين، بعض الذين تكهنوا بأن العملية ستصبح «فيتنام اخرى». ويضم كورس «فيتنام الاخرى» مجموعات من المثقفين الاميركيين الراديكاليين من امثال مايكل مور ونعوم تشومسكي وشون بين، بالاضافة الى عدد من الشخصيات في اليمين المتطرف واليسار المتطرف في اوروبا من امثال جان ماري لو بن وجورج غالواي وهارولد بنتر. ومنذ ذلك الوقت كانت التكهنات بأن العراق في طريقه لأن يصبح، او انه اصبح «فيتنام اخرى»، تظهر في وسائل الاعلام كل ثلاثة او اربع اشهر. ويزداد صوت كورس «فيتنام اخرى» ارتفاعا كلما تصاعد التمرد الارهابي او العنف الطائفي، وفي الاوقات التي تعقد فيها انتخابات في الولايات المتحدة.

ولذا، فليس من المدهش، ان يشاهد شهر اكتوبر عودة كورس «فيتنام اخرى» بأعلى صوت.

فقد شاهد شهر اكتوبر أسوأ أعمال عنف في العراق منذ 18 شهر. وفشلت الجهود المشتركة للقوات الاميركية والجيش العراقي الجديد لإنهاء القتل الطائفي والهجمات الارهابية. كما كانت هناك سلسلة من الاعلانات الانهزامية لعدد من السياسيين الاميركيين والبريطانيين والشخصيات العسكرية. واضف الى كل ذلك حقيقة ان الولايات المتحدة تقترب من انتخابات نصف المدة في الشهر القادم، ولذا اصبح اكتوبر شهرا مثاليا لتزايد تكهنات «فيتنام اخرى». ولكن المشكلة هي، انه، وفي غياب أن يقول لنا احد ما معنى عبارة «فيتنام اخرى» بالضبط، فإن التحليل ربما يصبح خادعا.

ففي البداية كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يدافعون عن نظام فاسد غير منتخب في سايغون ضد اعدائه في الجنوب وفيتنام الشمالية. اما في العراق، فإن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يقف الى جوار حكومة منتخبة تمثل كل الامة العراقية تقريبا. ولا يوجد ما يماثل نظام هانوي في العراق ليقدم للعراقيين الرؤية البديلة والعلم الذي يمكنهم ـ تحت رايته ـ محاربة الحكومة في العراق. ومن الصعب مقارنة ارقام اعضاء القاعدة في العراق وبقايا عشيرة صدام حسين بهوشي منه ومساعديه الذين وصلوا الى ما وصلوا اليه عبر عقود من النضال ضد الاستعمار الفرنسي.

وفي فيتنام، كان عدد قوات الولايات المتحدة وحلفائها 600 الف جندي. اما في العراق فإن الرقم يصل الى 150 الف جندي، فيما كانت القوة الاميركية في فيتنام عبارة عن جيش من المجندين بينما القوة الموجودة في العراق فهي قوة من المتطوعين. وفي فيتنام خسرت الولايات المتحدة ما متوسطه 25 جنديا يوميا. وفي العراق يصل الرقم الى رجلين.

وفي فيتنام، بغض النظر عن الشمال الذي كان تحت الحكم الشيوعي، فإن قوات الفيتكونغ كانت تسيطر على مساحات كبيرة من الاراضي في دلتا الميكونغ، وبالقرب من حدود كل من لاوس وكمبوديا. وفي العراق، فإن القاعدة والصداميين لا يسيطرون على أية مساحات من الاراضي، أما وفيما يتعلق بالتكلفة، كانت حرب فيتنام اكثر تكلفة بتسع مرات بالنسبة للولايات المتحدة بسعر اليوم من تكلفة العمليات في العراق.

وعلى العكس من عصر فيتنام، لا توجد حركة شعبية في الولايات المتحدة متعاطفة، اما مع القاعدة او الصداميين، كما ان اكثر الشخصيات معارضة لبوش في الولايات المتحدة، ليست على استعداد للوقوف علنا الى جانب صدام حسين وابو ايوب المصري.

ويوجد سبب رئيس آخر لعدم تحول العراق الى «فيتنام اخرى»، وهذا السبب هو جورج بوش، الذي يعتبر اكثر رؤساء الولايات المتحدة عنادا منذ الرئيس هاري ترومان. فبوش ليس من نوعية الاشخاص الذين يتهربون من المسؤولية، ولا سيما بعدما دخل النصف الثاني من فترة رئاسته النهائية، ويجب ان يفكر في وضعه التاريخي.

وبعد كل ذلك، يمكن ان يصبح العراق «فيتنام اخرى» في حالة واحدة. وربما يقرر الاميركيون انتزاع الهزيمة من فك النصر العسكري مثلما فعلوا في فيتنام. ويوجد العديد من السياسيين الاميركيين والنخبة المثقفة الذين يريدون فشل العراق فشلا ذريعا نكاية في جورج بوش والمحافظين الجدد. ويمكن لكونغرس تحت سيطرة الديموقراطيين خفض ميزانية القوات الاميركية في العراق، واجبارها على الانسحاب.

ولكن حتى اذا ما كان الكونغرس القادم تحت سيطرة الديموقراطيين، فليس من المؤكد انه سيخفض ميزانية القوات ويرسل آخر طائرة هليكوبتر لاخراج آخر جندي أميركي من العراق. وبغض النظر عن الجماعات المتطرفة، فلا احد في الحزب الديموقراطي يدافع عن سياسة الانسحاب من العراق. ويرجع ذلك لمعرفتهم ان العراق ليس «فيتنام اخرى». ففي العراق، حققت الولايات المتحدة وحلفاؤها كل اهدافهم السياسية التي تشمل تحطيم الية الحرب التابعة لصدام حسين والقهر واستعادة قوة الشعب العراقي. الا ان الولايات المتحدة فشلت، في فيتنام في القضاء على آلية الفيتكونغ الشيوعية، كما انها لم تتمكن من استعادة قوة الشعب حتى في النصف الجنوبي من البلاد.

إلى ذلك فمن شأن الانسحاب الأميركي السريع من العراق أن يؤدي الى تعقيد الأمور بالنسبة للنظام الديموقراطي الجديد، فيما لن يعني ذلك استيلاء القاعدة او الصداميين على السلطة. ويمكن للارهابيين والمتمردين الاستمرار في القتل والتسبب في الفوضي لعدد آخر من السنوات مثلما فعل نظراؤهم في الجزائر ومصر وتركيا. ولكن الشيء الوحيد المؤكد: لن تتمكن القاعدة والصداميون من الوصول الى الحكم في بغداد.

واذا ما رغب العراقيون في انهاء وجود التحالف العسكري في العراق عليهم، فلديهم فرصة لذلك في نهاية هذا العام، عندما ينتهى التفويض الذي منحته الامم المتحدة للقوات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق. ولكن اذا ما قرر البرلمان العراقي مد التفويض الممنوح لقوات التحالف، فيجب احترام القرار ودعمه.

فعندما غزت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة العراق، دخلت في عقد اخلاقي مع الشعب العراقي. وطبقا لهذا العقد كان على التحالف القضاء على طغيان الصداميين ونقل السلطة الى الشعب العراقي. ومقابل ذلك، كان المطلوب من الشعب العراقي بناء نظام تعددي قائم على مشاركة السلطة بين كل الجماعات. وقد وضع العراقيون اساسا مثل هذا النظام بمساعدة من القوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة. ومن هنا يجب على قوات التحالف المساهمة في الدفاع عن النظام الجديد ضد اعدائه حتى يصبح العراق الجديد قادرا على حماية نفسه.

وافضل الاحكام في الوقت الراهن، هو ان العراق الجديد يحتاج الى دعم من قوات التحالف لمدة 18 شهر او ما يقرب من ذلك. والأمر المهم هو انه، على الرغم من العنف والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتعددة، فإن النظام التعددي الجديد في العراق يمد جذوره، بينما تتشكل ثقافة سياسية جديدة. وبكلمة أخرى يوجد شيء يستحق الحفاظ عليه، وشيء يستحق القتال من اجله. وفي الوقت الذي ربما نحن في حاجة الى تكتيكات جديدة للتكيف مع الظروف الجديدة على ارض الواقع، ولا سيما في التعامل مع تمرد متعدد الوجوه، فإن الاستراتيجية في العراق تبقى صحيحة كما كانت عليه قبل اربع سنوات. وهي استراتيجية بناء عراق ينتمى لكل العراقيين، ولا يمكن وضعه تحت سيطرة عشيرة واحدة، ولا حتى طاغية متوحش.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-27-10-2006