الطبقة الوسطى تضيق ذرعاً من عولمة تخنقها

 

لورانس ساميرز

 

يعيش عالمنا الحالي عصراً تطغى عليه الوفرة في جميع المجالات تقريباً؛ فلا الصدمة التي أحدثتها هجمات 11 سبتمبر، ولا تضاعف أسعار النفط في السنوات الأخيرة، حال دون استمرار الاقتصاد العالمي في تحقيق معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات الخمس الأخيرة فاقت أي فترة مماثلة أخرى في تاريخ الاقتصاد العالمي. وفي ظل الأداء الاقتصادي الجيد والتوقعات المتفائلة للأسواق العالمية، لا بد أن يعتقد الجميع بأننا نمر بمرحلة ذهبية ولا بد تبعاً لذلك أن يسود جو من الحماس والتأييد لنموذج الاقتصاد الحر والاندماج العالمي. بيد أن هذا الواقع المفعم بالتفاؤل سرعان ما يصطدم بشعور الخيبة المتصاعد الذي يجتاح شرائح واسعة من الأفراد في جميع أنحاء العالم. فمن الفشل في استكمال مباحثات "جولة الدوحة" للتجارة الحرة، إلى الانتقادات التي تتعرض لها حالياً سلسلة "وول مارت" الأميركية، ومن الموجة الكاسحة لإعادة تأمين الشركات والمؤسسات الاقتصادية في روسيا، إلى النجاح المتنامي الذي يحققه القادة الشعبويون في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية... نلمس بوضوح نوعاً من القلق يتملك الأفراد حيال نظام السوق، وهو قلق غير مسبوق منذ سقوط جدار برلين، وربما حتى قبل ذالك.

لكن لماذا هذا الشعور بالخيبة؟ لا شك أن بعض العوامل الخاصة بكل دولة تدخل في الموضوع وتؤثر فيه بدرجات متفاوتة؛ مثل الشعور المناهض للعولمة الناجم عن معارضة السياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش. غير أن هناك مصدراً آخر لمقاومة اقتصاد السوق أكثر تجذراً يتمثل في الإدراك المتنامي لدى الكثيرين بأن الشريحة الواسعة من الطبقة الوسطى لا تتقاسم فوائد المرحلة الحالية من النمو الاقتصادي، حيث إن حصتها من الكعكة الاقتصادية ظل ثابتاً، إن لم يكن قد تراجع في السنوات الأخيرة. وقد كان الاقتصادي المشهور جون كينيث جالبريث على حق عندما لاحظ بأن "جميع القادة العظماء يشتركون في خاصية مميزة، إنها الرغبة في المعالجة الصادقة للمخاوف الكبرى لشعوبهم خلال فترة حكمهم، وهي وحدها وليس شيئاً آخر ما يشكل أساس القيادة". هكذا تغدو احتياجات الطبقة الوسطى المتوجسة وضرورة تلبيتها، أهم تحد اقتصادي في وقتنا المعاصر.

وبالرجوع إلى العولمة، نجد مجموعتين أساسيتين استطاعتا جني أرباح الاقتصاد المعولم والاستفادة من التطور التكنولوجي؛ فهناك أولاً الأشخاص الذين يعيشون في الدول ذات الدخل المتدني، لا سيما في آسيا وبالأخص في الصين، ممن استطاعوا الاندماج في النظام الاقتصادي الجديد. وقد تضافرت عدة عوامل، من أجور زهيدة وولوج التكنولوجيا المتقدمة، ثم توفر رأسمال وافر عبر الأسواق المالية... لتساهم كلها في إطلاق المعجزة الاقتصادية الآسيوية التي حفزت النمو إلى مستويات غير مسبوقة. ومن المهم استحضار الفترة الفاصلة بين أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر في بريطانيا وأوروبا، والمعروفة بالثورة الصناعية لسبب وجيه، ذلك أنه للمرة الأولى في التاريخ البشري شهد المستوى المعيشي لجيل معين تحسناً ملموساً بالمقارنة مع الجيل السابق. وفي فترة زمنية وجيزة، يمكن قياسها بحياة شخص واحد، تضاعف الدخل الفردي للأشخاص، ثم تضاعف مرة أخرى. ولن يختلف الأمر في الصين إذا ما استمر النمو الاقتصادي بوتيرته الحالية، حيث من المتوقع أن يقود إلى تحسن مضاعف بمئات المرات في المستوى المعيشي والظروف الحياتية للصينيين خلال فترة زمنية لا تتعدى حياة شخص واحد.

والمجموعة الثانية التي استفادت من نظام الاقتصاد الحر، هي تلك التي كانت تنتج بضائع ذات قيمة مرتفعة لا ينتجها غيرها، حيث ارتفعت مداخيلها على نحو كبير. فبالنسبة لهؤلاء الذين يديرون شركات تستطيع توظيف المميزات الكثيرة التي تتيحها العولمة، مثل اليد العاملة الرخيصة والأسواق المفتوحة، تجاوز دخلهم المعدل العام للدخل المحلي لبلدانهم. لكن ليست كل شرائح المجتمع نجحت في جني الأرباح من الاقتصاد العالمي الجديد، حيث أقصي الأشخاص العاديون من عمال وموظفي الطبقة الوسطى سواء كانوا في الولايات المتحدة أو في ألمانيا أو في أميركا اللاتينية أو أوروبا الشرقية. ولعله السبب الذي يفسر عدم مواكبة دخل الأسرة المتوسطة في الولايات المتحدة للنمو العام في الإنتاجية الأميركية، وعدم ارتفاع الدخل الفردي للعائلات المتوسطة في المكسيك طيلة 13 عاماً التي أعقبت التوقيع على اتفاقية التجارة مع أميركا الشمالية.

إن هذه الفئة الواسعة من المجتمع التي لا تستطيع منافسة العمال الصينيين وتعجز عن الاستفادة من ثمار العولمة، هي من تحتاج اليوم إلى ضمانات وتطمينات إزاء الاقتصاد العالمي الذي بدأ يضيق عليها، وإلى التخفيف من الإكراهات الثقيلة الملقاة على عاتقها. فبدون تأييد الطبقة المتوسطة للاقتصاد العالمي الجديد ومساندتها لنظام السوق الحر، لن يكتب له النجاح والاستمرار مادامت الشريحة الواسعة من المجتمع مغيبة عنه. ورغم تأكيد خبراء الاقتصاد على منافع التجارة التي تساهم في خلق ازدهار عام نتيجة تدني أسعار البضائع، فإن هذه المقولات لا تسهم في تهدئة مخاوف من يخشى على فقدان عمله. ولا يمكن أيضاً التعويل كثيراً على التعليم بينما يعمل المهندسون في الهند بأقل من ألفي دولار في الشهر. لذا ليس غريباً أن يتجه المؤشر السياسي في الولايات المتحدة وربما في أنحاء أخرى من العالم ناحية اليسار. فالجزء المهم من التقاليد التقدمية لا يعارض اقتصاد السوق، إنما يسعى إلى تعميم الفوائد على أكبر قدر من المستفيدين، وهو ما نحتاجه اليوم على نحو مستعجل.

*كاتب أميركي متخصص في الشؤون الاقتصادية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"- 1-11-2006