مقالات و محاضرات

 

 

 

الديمقراطية أمامكـم.. وشبح عدم الاستقرار وراءكـم!

 

 

  صلاح الدين الجورشي

 

 

اختتمت في قطر فعاليات "المؤتمر الدولي السادس للديمقراطيات الجديدة والمستعادة" بإصدار إعلان مشترك.

وقد شارك في أعمال المؤتمر ممثلون عن 142 دولة و69 برلماناً و97 من منظمات المجتمع المدني، مثّـلها أكثر من 300 مشارك.

أكدت الأطراف المشاركة، بما في ذلك الحكومات، في ما سُـمي بـ "إعلان الدوحة"، أنها تأخذ بعين الاعتبار "الحاجة لتطوير إصلاحات ديمقراطية تنبع من الداخل"، هذا المسار الذي تبنّـته الأمم المتحدة لتًُـضفي من خلاله بُـعدا دوليا بل كونيا غير مسبوق على المسألة الديمقراطية، تسلّـمت رئاسته الحكومة القطرية من دولة منغوليا، وستحتضن الدوحة أمانته العامة لمدة ثلاث سنوات، ليصبح بذلك رافدا جديدا من الروافد التي تُـحاصر المنطقة العربية وتدفعها دفعا إلى الالتحاق بالنادي العالمي للديمقراطية. فما هي أهمية هذه الدورة ورهاناتها؟

لقد تعدّدت المبادرات الخاصة بدعم الديمقراطية على مدى السنوات الأخيرة، حتى أصبح الجميع يزعمون بأنهم ديمقراطيون منذ الأزل. بدأ الأوروبيون بتدشين السِّـباق من خلال مسار برشلونة، حيث ربط الاتحاد الأوروبي بين الشراكة مع دول جنوب المتوسط وبين احترام هذه الأخيرة للديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن هذا المسار "انتهى إلى مأزق عملي في هذا المجال"، كما ورد في إحدى الوثائق التي نُـوقشت في المؤتمر، ثم جاءت مبادرة الشرق الأوسط الكبير، التي أحدثت رجّـة كبرى في المنطقة، لكن الممارسة خانت الخطاب، مما أصاب الديمقراطيين العرب بخيبة واسعة النطاق.

في الأثناء، تشكل مساران موازيان: الأول، بادرت به بعض الدول، مثل الهند والشيلي والولايات المتحدة، وقد وضعت هذه المجموعة قيودا على العضوية، حيث اشترطت الالتزام الفعلي بقواعد النظام الديمقراطي، أما من لا يزال في مستوى المراوحة وترويج الوعود، فإن أقصى ما يمكن أن يحصل عليه، هو مقعد مراقب.

اللقاء القادم لهذه المجموعة سيتم في جمهورية مالي، التي تشهد تجربة ديمقراطية يُـراد دعمها دوليا، وتوجيه رسالة من خلالها إلى بقية الأنظمة السياسية الإفريقية، أما المسار الثاني، فقد اتخذ طابعا أمَـميا، حيث تولّـت الأمم المتحدة الإشراف عليه، ودفعت به تدريجيا نحو إرساء وفاق أدنى تُـقر به جميع الدول بدون استثناء.

فبعد تنظيم النّـسل والبيئة والمرأة وحقوق الإنسان، التي خُـصّـص لكل منها مؤتمر ومرجعية عالمية، جاء دور الديمقراطية لتُـصبح عملية الجميع أو هكذا يُـفترض.

ثلاث جوانب مميزة

أولا، يدل المؤتمر على أن الديمقراطية أصبحت النظام السياسي الفريد المطروح أمام شعوب الأرض. فبعد فشل الأنظمة المستبدّة ثم الأنظمة الثورية الشمولية، لم يبق إلا النظام الديمقراطي، الذي وصفه رئيس الحكومة البريطانية السابق تشرشل بأنه أقل الأنظمة سوءً، وقد نصّـت إحدى وثائق المؤتمر على أن الديمقراطية هي "شكل الحكم الوحيد" مع الاختلاف في الأشكال، دون المساس بقواعده الأساسية.

ثانيا، استند المؤتمر على صيغة تنظيمية ثلاثية الأطراف، وهي عبارة عن مظلة تجمع الحكومات والبرلمانات والمجتمع المدني. وبالرغم من الحواجز التي حالت أثناء انعقاد المؤتمر دون اختلاط ممثلي المجتمع المدني في معظم الجلسات، لكن ذلك لا يُـقلل من الأهمية الرمزية للحدث، عندما أقرت الحكومات بأن المجتمع المدني طرف في معادلة تحقيق الإصلاح السياسي وحماية الديمقراطية.

ثالثا، لم يقف الأمر عند حدود تنظيم اجتماعات الأطراف الثلاثة بشكل موازي، بل تشكّـلت بعد ضغوط في الكواليس ومفاوضات لجنة متابعة، ضمّـت عضوا يمثل المجتمع المدني. وبالرغم من أن هذا التمثيل لا يزال محدودا، مقارنة بحجم الحكومات، لكن مسيرة ميل تبدأ بخطوة، حسب إشارة صدرت من أحد نشطاء القطاع المدني. ومن الغريب أن روسيا والولايات المتحدة قد عارضتا في البداية اشتراك المجتمع المدني في لجنة المتابعة، غير أن قطر قدّمت صيغة توفيقية حظيت بموافقة جميع الأطراف.

لم يكن الحضور العربي فاعلا أو لافتا للنظر، حيث شاركت 14 حكومة عربية في فعاليات المؤتمر، من بينها الجزائر والبحرين ومصر والأردن وليبيا والمغرب والإمارات وفلسطين، وتغيّـبت دول عديدة من بينها تونس، التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع قطر.

مشاركة ناجحة للمجتمع المدني

شاركت المنظمات غير الحكومية بفعالية في مؤتمر الدوحة، وذلك من خلال الورشات التي أدارها "منتدى المجتمع المدني الدولي من أجل الديمقراطية ICSFD"، هذا المنتدى الذي أصبح شريكا في هذا المسار الدولي، بفضل مساندة الأمم المتحدة، وكذلك الاتحاد الدولي للبرلمانيين.

وجاء في الإعلان الذي أصدره المنتدى مع خطّـة العمل، أنه سيعمل على "تعزيز الإصلاحات الديمقراطية ودراسة نقاط القوة والضعف في عمليات التحول الديمقراطي"، كما تعهّـد المنتدى بتقديم الدعم والنصيحة للمنظمات المحلية والإقليمية ومساعدتها على "وضع آليات مراقبة الديمقراطية".

وتحدثت الوثيقة عمّـا وصفته بالنواقص التي تشكو منها بعض الديمقراطيات، مثل الانتخابات غير العادلة وانتشار الفقر وغياب آليات مراقبة الفساد، كما طالب أصحاب الخطة الحكومات بـ "دعم آليات مراقبة الحُـكم الديمقراطي"، ودعوا إلى تبنّـي "إعلان ديمقراطي إقليمي".

وإذ لم تطالب منظمات المجتمع المدني بوضع شروط عند تقديم المساعدات الإنمائية الرسمية، لكنها طالبت في الآن نفسه بتعزيز حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي، كما قرر المشاركون إطلاق عملية من شأنها أن تؤدّي إلى اعتماد الأمم المتحدة "لإعلان عالمي يدعم المجتمع المدني".

فالمنظمات تريد أن تقطع الطريق أمام الحكومات وتحصل على صيغة تجعلها في حماية الأمم المتحدة، مثلما حصل مع نشطاء حقوق الإنسان. ومن جهة أخرى، نجحت منظمات المجتمع المدني في الحصول على دعم من قِـبل البرلمانيين الذين أصدروا بيانا ختاميا قويا، تضمّـن مطالبات صريحة بدعم استقلال السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية وتوفير مزيد من الحماية لممثلي الشعوب، الذين قد يصبحون ضحايا، نتيجة حِـرصهم على القيام بواجبهم.

ومهما تفاوتت وجهات النظر حول تقييم الجدوى من مثل هذه المؤتمرات الدولية، فالمؤكد أن الخطاب الديمقراطي قد فرض نفسه على الجميع. صحيح أن الحكومات لا تزال تجد في "الخصوصي" ملجأ لتخفيف الضغوط عليها، وهو ما تجلّـى بوضوح في "إعلان الدوحة"، الذي أشار في أكثر من موقع إلى "احترام السيادة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، وضرورة الأخذ بعين الاعتبار "الخصوصيات الوطنية" و"الثقافات والتقاليد"، لكنها اضطرت من جهة أخرى، إلى القبول بأن يتم ذلك "وفقا لروح ومبادئ الصكوك الدولية"، كما وافقت على التعبير عن "ارتياحها للزّخم نحو تطبيق الديمقراطية في العديد من بلدان الشرق الأوسط".

فهل تلتحق المنطقة العربية بقطار الديمقراطية الكونية؟ سؤال قد تُـجيبنا عليه السنوات الثلاث القادمة..

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: سويس إنفو-2-11-2006