مقالات و محاضرات

 

 

انتخابات حضارية... لكن!!

 

أحمد الربعي

 

الانتخابات العراقية هي نموذج للانتخابات الحضارية في منطقتنا. خرج أكثر من عشرة ملايين شخص إلى ستة آلاف مركز انتخاب لمدة يوم واحد، اصطفوا في الطوابير وغمسوا أصابعهم باللون البنفسجي، وتمت الانتخابات دون أن يضربوا بعضهم البعض، وبدون أن تنزل شرطة مكافحة الشغب، انتخابات بلا عنف وبلا قنابل مسيلة للدموع، وانتخابات لم يشذ عنها أحد، وسجلت فيها نسبة المشاركة أرقاما غير مسبوقة في كل المناطق.

الذي فعله المواطن العراقي هو فعل حضاري، وكل الأمل ألا يفسد السياسيون العراقيون هذا العمل الكبير، وكل الأمل أن يكون القادة السياسيون بمستوى مواطنيهم فيقبلوا نتائج الانتخابات بروح رياضية، وان يعترف المهزوم بهزيمته بروح رياضية، وان يحترم السياسيون تصويت الناس حتى لو لم يعجبهم، وخاصة تلك القوائم التي كانت تتوقع أرقاما كبيرة فاكتشفت أن أداءها متواضع.

احترام إرادة الناس والقبول بالنتائج هو مدخل الحوار الوطني بين كافة الأطراف لتشكيل الحكومة القادمة من الأطراف التي حصلت على ثقة أغلبية الشعب والأمر يتطلب كثيرا من تقديم مصلحة العراق على المصالح الحزبية الضيقة، ويتطلب تنازلات سياسية مشتركة، بل ويتطلب إشراك الأطراف التي حصلت على نتائج متواضعة في الانتخابات في العمل السياسي وفي التركيبة الحكومية.

العراق بحاجة إلى وحدة وطنية حقيقية، والإرهاب لن يتوقف إلا إذا أحس الإرهابيون أن العراقيين طلقوا البندقية إلى الأبد ولجأوا إلى صندوق الانتخابات بديلا للاقتتال. والمسألة ليست بالسهلة بالتأكيد فهناك تراث من العنف والإقصاء وإلغاء الآخر، وغياب طويل للممارسات الانتخابية على مستوى الأفراد وعلى مستوى المؤسسات، وعملية الانتقال من مجتمع الحزب الواحد والرأي الواحد، والصحيفة الواحدة، والمقابر الجماعية إلى مجتمع الحوار واحترام الآخر، وفضيلة الاختلاف، وتداول السلطة واحترام الأقلية للأغلبية هي عملية معقدة وهي أكبر من مجرد انتخابات وتتطلب جهدا في المدارس والمساجد ووسائل الإعلام لإعادة تأهيل الجيل الجديد على مفاهيم الديمقراطية.

المواطن العراقي نجح باقتدار، اصطحب أطفاله وتحدى وذهب إلى صناديق الانتخاب ورمى الكرة في ملعب السياسيين الذين يجب ألا يحبطوا هذا المواطن.

المصدر : الشرق الأوسط – 18-12-2005