مقالات و محاضرات

 

 

 

أوهام الفوضويين العراقيين

 

 

 

عبد الرحمن الراشد

 

 

في العراق يبدو أن النظريات هي مرشد الفوضى والخراب. الظن بأن الانفصال في الجنوب سيجعل من أهله اثرياء لأنه غني بالبترول. القول بأن الجنوب شيعي ويجب أن يكون دولة واحدة. الاعتقاد بأن خروج القوات الأميركية من العراق الليلة سيمنح السنة السلام. الإشاعة بأن الأكراد كل ما يحتاجونه فرصة لأن ينقسم العرب في الوسط والجنوب، حتى يقيموا دولة كردية موحدة في الشمال. اعتقاد العرب أن الشيعة هم مع إيران بصفة جامعة.

كلها في حقيقة الأمر خرافات أشاعها أناس متعلمون، وصلوا الى استنتاجات سهلة وبنوا عليها روايات جعلتها تبدو كالحقائق والجبال التي لا شك في وجودها.

لا ليس صحيحا أن الجنوب ان انقسم سيكون موحدا وشيعيا وثريا، بل على الأرجح ان يتفكك الى دوليات متناحرة فقيرة، والأيام الماضية أعطتنا مذاقا أليما لمثل هذا الاحتمال. لن يكون هناك استقرار سهل في كل انفصال سواء داخل السنة أو الشيعة او الأكراد. فالسنة منذ ثلاث سنوات في حرب بينهم، ومعارك الغرب العراقي الأخيرة بين العشائر من جانب والمسلحين نموذج لتقاتل الوسط المؤهل للاستمرار مثل حروب الصومال. ومع أن المنطقة الكردية تبدو أكثر تمدنا وأفضل تنظيما وأطول عهدا في الاستقرار، إلا أن أي انفصال قد يثير النزاع بين الحزبين الرئيسيين اللذين لم يحسما قصة الحكم بعد، وبينهما من الدماء ما لا يقل عن خطر العداء في الوسط والجنوب.

إن بقاء العراق موحدا تحت حكومة مركزية في بغداد، هو الضامن لهذه الدولة الغريبة التكوين في أصلها والهشة في بنيتها السياسية والاجتماعية. ان فرط البلاد العراقية ستقوم معه حروب بين الجميع، دوافعها الطمع في السلطة والجشع في المداخيل والثأرات التاريخية والعداوات الشخصية. ستقوم حروب طويلة تمولها دول المنطقة ودول العالم التي لكل واحدة منها مصلحة في تغليب فريق ضد آخر، ومن معرفتنا مما حدث في لبنان، فإن أحدا لن يربح الحرب في النهاية، بل كل العراقيين سيخسرون مستقبلهم ومستقبل أبنائهم وفرص الدولة الناجحة الموحدة الكبيرة الثرية التي يمكن ان تقوم اليوم لو التف الجميع حولها.

النظام الوحيد الصالح للتجمع والاستمرارية في العراق المهشم هو النظام الانتخابي الديموقراطي، لأنه يضمن للأغلبية ان تحكم ويحمي الأقليات من التهميش والإلغاء ويعطي فرصة للتواصل مع العالم المستعد لمساعدة العراق. لكن لا أحد يستطيع مساعدة العراقيين ان لم يساعدوا أنفسهم، ويحموا مشروع الدولة الذي بين يديهم اليوم، ويمثل أفضل نظام يمكن ان يتواصلوا من خلاله.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندية-4-11-2006