مقالات و محاضرات

 

 

 

هل يغير الكونجرس "الديمقراطي" سياسات القوة؟

 

 

 

روبرت كاجان

 

 

هنا في أوروبا، يأمل الناس متسائلين، عما إذا كان فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونجرس الجارية الآن هذه المرة، سيحدث تغييراً إيجابياً حميداً في السياسات الخارجية الأميركية؟ غير أن الراسخ هو أنه قلما عكست انتخابات الكونجرس، تغييراً واسعاً في اتجاه السياسات الخارجية الأميركية. وكان حدثاً استثنائياً كهذا، اتخاذ الكونجرس قراراً بوقف الدعم المالي عن جمهورية فيتنام الجنوبية في عام 1973. بيد أنه ليس مرجحاً أن يقدم مجلس النواب "الديمقراطي"، على وقف الدعم المالي للحرب على العراق، في غضون العامين المقبلين، في حال كان الفوز في هذه الانتخابات من نصيب الديمقراطيين، كما هو متوقع. والأقل ترجيحاً هو تحقق السيناريو الأوروبي المفضل، "بوش مقيداً"، قياساً إلى السيناريو النقيض "بوش طليقاً".

والشاهد أنه لا الرئيس بوش ولا نائبه ديك تشيني، سيكونان بين قائمة المرشحين للمنصبين في انتخابات عام 2008 المقبلة. وهذا ما يرجح امتناع الإدارة الحالية، عن اتخاذ خطوات كبيرة تذْكر، باتجاه تغيير السياسة الخارجية المتبعة الآن، خلال العامين الأخيرين المتبقيين من ولاية الرئيس بوش. يذكر بهذه المناسبة أن الرئيس الأسبق رونالد ريجان، كان قد تفاوض على صفقة ذكية، من شأنها إقصاء ديكتاتور بنما "مانويل نورييجا" سلمياً من منصبه. بيد أن نائبه جورج بوش الأب وبقية مستشاريه، أبدوا مخاوف من ردة الفعل السياسية المحلية على خطوة كتلك، في ذروة الحرب المعلنة على المخدرات وقتئذ. وبالتالي فقد صرف النظر عن الخطة نفسها، جملة وتفصيلاً.

وبالمقارنة فإنه لم يبق للرئيس بوش ما يقلق عليه بشأن من سيتم انتخابه في دورة عام 2008. ذلك أن كل الذي يهمه الآن، هو المكانة التي يسطرها لنفسه في التاريخ. وفي هذا ما قد يدفعه إلى تبني سياسات مرضية لحلفائه الأوروبيين بصفة خاصة. منها على سبيل المثال، انخراطه في الدبلوماسية الجماعية المكثفة، إزاء كل من طهران وكوريا الشمالية. غير أن هذه الدبلوماسية نفسها ربما تثير قلق الأوروبيين إلى أقصى حد، فيما لو أخفقت ولم تحقق العائد المرجو منها في نهاية المطاف.

وهناك جملة أسباب منطقية عميقة، تحمل على الاعتقاد بأنه لن يكون في وسع الانتخابات التكميلية الجارية الآن، بل ولا حتى انتخابات 2008 الرئاسية المرتقبة، أن تأتي بجديد يذكر على السياسات الخارجية الأميركية المتبعة حالياً. فمن الناحية التاريخية وحدها، هناك من الشواهد والأدلة على ميل السياسة الخارجية الأميركية للاستمرار وليس الانقطاع، خلال الستة عقود الماضية التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، على الأقل. والحقيقة أن تعاقب الإدارات الأميركية لا يفضي في غالب الأحيان إلا إلى إحداث تغيير شكلي هامشي، على السياسات المرسومة أصلاً. وقد ثبتت جدوى هذه التغييرات الثانوية في الكثير من الأحيان. فقد تردد وماطل الرئيس بوش الأب إزاء ما يجب فعله في البلقان خلال مدة رئاسته. ثم خلفه الرئيس بيل كلينتون الذي ماطل وتردد لفترة طويلة من الوقت بدوره، قبل أن يتخذ قراراً بإرسال قواته إلى هناك أخيراً. على أن الدوافع المحركة للسياسات الخارجية الأميركية، تظل كما هي دون أن يطرأ عليها تغيير يذكر، من إدارة لأخرى.

بل الصحيح أن الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه السياسات، لا يطرأ عليها تغيير يذكر هي الأخرى، بسبب تعاقب الإدارات. وليس أدل على هذا، من نعت الجمهوريين لخصومهم الديمقراطيين بالجبن، بسبب تبني الديمقراطيين لسياسة "الاحتواء" في تصديهم للعدو السوفييتي. ثم ما أن تسلم الجمهوريون منهم زمام السلطة عام 1952، حتى حولوا تلك السياسة -أي سياسة الاحتواء التي نبذوها من قبل- إلى سياسة خاصة بهم هم، وختموها بختمهم الجمهوري.

والحقيقة أن هذا الميل نحو الاستمرارية هو أكثر ما يميز الأميركيين عن الأوروبيين، أي الميل نحو استخدام القوة العسكرية في السياسات الخارجية والشؤون الدولية، وهو من أكثر المسائل إثارة للدهشة ولفت الانتباه في هذه العلاقة الأطلسية. فلدى الأميركيين -جمهوريين وديمقراطيين على حد سواء- قناعة عميقة بجدوى، بل وعدالة استخدام القوة العسكرية، تفوق قناعة أي دولة أخرى من دول العالم بهذا الاستخدام. ولهذا فمن الطبيعي أن يتواصل انعكاس هذه القناعة على الاتجاه العام للسياسات الخارجية الأميركية، بصرف النظر عن الإدارات المتعاقبة في واشنطن. وبالنتيجة فليس غريباً أن تخوض أميركا سلسلة من العمليات العسكرية الكبيرة، في تسع مناسبات مختلفة، خلال الفترة الممتدة من عام 1989 إلى عام 2003، وهي الفترة التي شملت ولايات كل من الرؤساء جورج بوش الأب، وبيل كلينتون، ثم جورج بوش الابن. فهناك حرب بنما في عام 1989، ثم الصومال عام 1992، تلتها هايتي في عام 1994، ثم البوسنة في 1995-1996، وكوسوفو في 1999، وصولاً إلى أفغانستان 2001، ثم أخيراً العراق الذي شهد وحده، ثلاث غزوات أميركية عليه، في الأعوام 1991 و1998 و2003 على التوالي. ولذلك فليس مرجحاً أن يتغير اتجاه هذه السياسات، سواء كان الفوز من نصيب "الديمقراطيين" أم "الجمهوريين".

*مشارك أول في مؤسسة "كارنيجي" للسلام، وزميل لصندوق "مارشال" الألماني.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -4-11-2006