مقالات و محاضرات

 

 

 

ظاهرة تسييس المجتمع المدني في العراق !

 

 

 

المحامي جميل عودة

 

 

أكاد أجزم أن 90 بالمئة من منظمات المجتمع المدني في العالم مسييسة لمصلحة دولة أو منظمة دولية، تيار أو حزب أو منظمة أو شخصية سياسية؛ واقل ما يقال إن الذي يدير أكثرية منظمات المجتمع المدني من وراء الكواليس هم رجال السياسة والحكم سواء كانوا محليين أم دوليين. وكأننا نؤكد مقولة عزمي بشارة من أن (المجتمع المدني دون سياسية وخارج ساحة المعركة من اجل الديمقراطية هو عملية إجهاض!)، وهذا المعنى ينطبق على دائرة المجتمع المدني في العراق، حيث يتصاعد عدد المنظمات التي تديرها الأحزاب والشخصيات السياسية يوما بعد آخر في الوقت الذي تصدر بين الفينة والفينة إشارات معتبرة عن وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني تؤكد على عدم تسيس منظمات المجتمع المدني! فهل نحن مع ظاهرة تسيس منظمات المجتمع المدني في العراق، أم مع عدم تسيسها، وما هي الأدلة والنتائج التي نحتكم إليها في تبني أحد هذين الرأيين، أو تجاوزهما إلى رأي ثالث؟  يستند الرأي الذي يقول بعدم تسييس منظمات المجتمع المدني إلى أن مؤسسات الدولة العصرية من الناحية السياسية تنقسم إلى ثلاثة مؤسسات هي:

1. المؤسسات الرسمية (الحكومية): وتتصدرها أجهزة السلطات الحكومية الثلاث، التشريع (البرلمان)، والتنفيذ (مجلس الوزراء) والقضاء (المحكمة العليا) وكل ما يتبع هذه المؤسسات من دوائر وهيئات.

2. المؤسسات السياسية غير الرسمية (غير الحكومية): وتنحصر في الأحزاب السياسية، بأنواعها واتجاهاتها المختلفة، وجماعات الضغط (المصالح) التي تسعى - لدى الحكومة - لخدمة مصالح معينة. ويندرج ضمن هذه الجماعات أية مؤسسة تمثل "الرأي العام" - كلياً أو جزئياً.

3. مؤسسات (المجتمع المدني): أو المؤسسات الشعبية، وهي : الجمعيات والمؤسسات التي تنشأ - بمبادرات شعبية - لتقديم خدمة معينة للمنتمين إليها، ولا يكون هدفها الربح المادي... مثل: الجمعيات العلمية، والمهنية، والجمعيات الخيرية، ومؤسسات الدفاع عن حقوق الإنسان... إلخ. .

وهذا يعني أن المؤسسات السياسية الرسمية (الحكومية) والمؤسسات السياسية غير الرسمية (المعارضة مثلا) هي التي يجب أن تمارس الأنشطة السياسية؛ لان السياسية تعني السعي للحصول على مكاسب سياسية مباشرة أو غير مباشرة في السلطة. وهذا ليس شأنا من شؤون مؤسسات المجتمع المدني التي يجب أن يقتصر نشاطها على تلبية حاجات أعضائها غير السياسية. وبالتالي فان افضل مساحة تتحرك بها منظمات المجتمع المدني هي مساحة الخدمات والتنمية والرعاية والمساعدات والتأهيل، وكل ما يمت إلى الخدمة المدنية غير السياسية. هذا الكلام لا تقبل به الكثير من منظمات المجتمع المدني التي ترى أهمية تسييس منظمات المجتمع المدني؛ لان قبوله يعني (عملية إجهاض) لمنظمات المجتمع المدني، فكثير من علماء السياسة يقسمون (مؤسسات) الدولة الحديثة - أي دولة - إلى قسمين فقط هما: المؤسسات الحكومية (وتشمل ما ورد في البند1 أعلاه)، ومؤسسات المجتمع المدني: وتشمل كل ما ورد في البندين 2، 3 وهذا يعني أن لمنظمات المجتمع المدني فسحة كبيرة في تحقيق الديمقراطية وتغيير الأنظمة الشمولية بل الديمقراطية أيضا من خلال الأنشطة السياسية السلمية كالتظاهرات والإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات، وهذا ما حدث في أوروبا الشرقية وبلدان أميركا اللاتينية، وبالتالي تذهب بعض التقسيمات إلى اعتبار أحزاب المعارضة جزءا من المجتمع المدني أو أن لأحزاب المعارضة آلية من آليات المجتمع المدني. ومن الجانب الآخر تعمل بعض الأحزاب السياسية المعارضة في ظل ضيق فرص العمل الجماهيري المفروضة عليها إلى الاستعانة بمنظمات المجتمع المدني كمعينات للعمل الجماهيري. وواضح تدخل الأحزاب السياسية خاصة الحاكمة في شؤون مؤسسات المجتمع المدني وهي ليست بدعة، فعلى سبيل المثال أن منظمة فريدريش ايبرت تتبع للحزب الديمقراطي. وان منظمة هنريش بول تتبع لحزب الخضر.

لكن يبقى المحك متعلقا بالمصداقية تجاه المواطن فمثلا هنريش بول كانت تنتقد الحكومة الألمانية مع أن حزب الخضر كان جزءا منها. نحن لا نعتقد بالرأي الذي لا يسييس مؤسسات المجتمع المدني لان السياسية جزء لا يتجزأ من حياة الناس، وكل شيء في الحياة الإنسانية تقدمه السياسية وتخطط له. كما لا نعتقد بذلك الذي يسييس مؤسسات المجتمع المدني، لان تسييس المنظمات المجتمع المدني بمعنى توفير الغطاء الاجتماعي للحزب السياسي سوف يفقد المنظمة غير الحكومية هويتها ويفقدها استقلاليتها.  إن التدخل في الشؤون السياسية بمعنى التأثير في مصدر القرار لتحقيق مكاسب افضل للمجتمع مثل تدخل منظمات نسوية للتأثير والضغط على صناع القرار لإضافة مواد تخص المرأة في الدستور، أو تدخل مؤسسات المجتمع المدني لتوفير حماية لها في الدستور مثل إدراج المادة (45) في الدستور العراقي لا يضر بحياد واستقلال مؤسسات المجتمع المدني، بل هو من صميم نشاطها.  وبالتالي، لابد أن نضع معيارا لظاهرة تسييس منظمات المجتمع المدني، بحيث تكون لدينا القدرة على إدخال بعض الأنشطة السياسية ضمن نشاط منظمات المجتمع المدني أو استبعاد أخرى منها. وهذا المعيار المقترح يستند على قاعدتين: القاعدة الأولى: قاعدة (السياسة من أجل الجميع) أي أن منظمات المجتمع المدني الحقيقية غير معنية بتأييد أو معارضة السلطات أيا كانت، وإنما هي معنية بمعارضة أو تأييد السياسات والبرامج التي تؤثر على المجتمع. وهذا هو النشاط المقبول صدوره مثل تحريض الناس على الاشتراك بالعملية الانتخابية، أو الدعوة إلى إطلاق الحريات العامة وغيرها. والقاعدة الثانية: قاعدة (السياسة من أجل البعض) أي العمل من أجل حزب أو منظمة أو تيار، لان مثل هذا النشاط المنحاز يخل بمبدأ الاستقلال والحياد.  ومما لاشك فيه أن غالبية منظمات المجتمع المدني في العراق هي منظمات مسييسة على قاعدة (السياسة من اجل البعض) وتحصل على دعم دولي أو إقليمي أو محلي، وتقدم خدماتها بقصد الترويج لشخص أو حزب أو تيار، وهذه المنظمات وإن كان وجودها ضروريا في هذه المرحلة لتوفير الخدمات والمعونات التي تعجز الدولة عن تقديمها، إلا أن استمرارها في المرحلة المقبلة سوف يشكل عائقا من عوائق تقدم المجتمع المدني في العراق!. فهل من يتعض؟.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-19-10-2006