مقالات و محاضرات

 

 

 

خيارات إنقاذ ماء وجه أمريكا في العراق!

 

 

 

 

محمد ماضي

 

 

 

فيما تصاعَـد معدّل الخسائر في العراق وانهارت ثقة الشعب الأمريكي في استراتيجية بوش وقادته العسكريين، وفيما أصبحت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في أوائل الشهر القادم استفتاءً على كيفية الخروج من المأزق العراقي..

بدأت موجة الخيارات المطروحة أشبه ما تكون بتقليعة أمريكية تستَـند إلى أسلوب التجربة والخطأ الذي وقعت فيه إدارة بوش في تعامُـلها مع عراق ما بعد الحرب، وكان أخطرها قرار تسريح الجيش العراقي الذي اتّـخذه بول بريمر، أفشل حاكم عسكري في تاريخ مغامرات الاحتلال الغربية، ويقضي هذا الخيار الذي ينسبه البعض في واشنطن إلى الجنرال جون أبي زيد، أعلى القادة العسكريين الأمريكيين في الشرق الأوسط، بأنه طالما أن الحكومات العراقية الأربع التي تعاقبت على الحكم الشكلي للعراق تحت الاحتلال منذ أغسطس 2003 قد أثبتت فشلا ذريعا في أدائها، وسيكون من الصّـعب تشكيل حكومة مدنية خامسة لمواجهة انزلاق العراق إلى أتُـون الحرب الأهلية، فإن الملاذ الوحيد هو السماح لجنرالات عراقيين أقوياء بتشكيل مجلس عسكري يتولّـى إدارة العراق.

وبدأ السفير الأمريكي في بغداد زالماي خليل زاد في جسّ نبض الزعماء العراقيين، واعترف لهم بأن مثل ذلك الخيار سيجلُـب انتقادات واسعة للولايات المتحدة، التي ستبدو وكأنها تُـناهض الديمقراطية وتخرج على مبادئها المعلنة، وستتحمّـل الولايات المتحدة هذه الانتقادات على أمل أنها ستنحسر تدريجيا، إذا نجحت الحكومة العسكرية العراقية المنشودة في تخفيف الاحتقان الطائفي وحلّ الميليشيات وتقليص العنف والاقتتال.

ولكن الروايات اختلفت حول كيفية تشكيل حكومة الجنرالات العراقيين، فقد تحدّثت الروايات الواردة من العراق عن أن المجلس العسكري العراقي سيضُـم الفريق نصير العبادي، الذي كان يشغل منصبا قياديا رفيعا في هيئة الأركان العراقية في عهد صدام حسين، واللواء محمد الشهواني، المدير الحالي للمخابرات العراقية، وقائد الطيران العراقي اللواء طيار كمال برزنجي، بالإضافة إلى ستة أعضاء آخرين يتم ضمّـهم للمجلس العسكري للإشراف على الوزارات العراقية.

وتتفق الرواية العراقية مع ما كشفت عنه بعض وسائل الإعلام الأمريكية، من أنه سيتم التمهيد لاستيلاء المجلس على الحكم في العراق بانقلاب عسكري، تُـسانده قوات الجيش الجديد الذي درّبته القوات الأمريكية على أن تغمض الولايات المتحدة عينيها عنه حتى يتم نجاحه، ثم تصدر بيانات علنية تُـدين الإطاحة بحكومة عراقية منتخبة ديمقراطيا! ولكنها تبدي الاستعداد لمواصلة مساندتها للعراقيين في محاولاتهم إطفاء جذوة التمرد والعنف.

ويدافع عن هذا السيناريو الكولونيل المتقاعد روبرت كيلبرو، محلل شؤون الأمن القومي الأمريكي، الذي يرى أن الوضع في العراق لا يتطلّـب نظاما ديمقراطيا، بل نظام حكم مُـستقر لا يناصب الولايات المتحدة العداء، كما أن عودة بعض قادة جيش صدام إلى القوات المسلحة سينزع فتيل أحد المظالم الرئيسية، التي تحرّك التمرّد المسلّـح منذ قرار تسريح الجيش الذي اتّـخذه بريمر، فيما سيوفر الحكّـام العسكريون الأمل لمُـعظم العراقيين في إبقاء العراق موحّـدا تحت قبضتهم.

خيار الطيب والشرس والقبيح

خيار أكاديمي طرحه الدكتور أنتوني كوردسمان، الخبير العسكري بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن يمزج فيه بين ثلاثة أنواع من الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة في العراق، على أن يتم استخدام معايير فن الممكن في السياسة، وليس استنادا لأيديولوجية المحافظين الجُـدد في الأخذ بها ومع مراعاة رغبات وقيـَم الشعب العراقي، لكي تنجح تلك الخيارات وهي:

أولا، خيارات أمريكية منفردة: تزداد فرص نجاحها بالتفاوض مع العراقيين والدول الصديقة للولايات المتحدة وتشمل، مساعدة العراقيين على تحقيق المصالحة الوطنية بدون إملاء، وبمشاركة دول الجوار المعنية، وخاصة تركيا وإيران، وكذلك، زيادة حجم القوات الأمريكية في العراق لتوفير الأمن والتدريب للعراقيين، وزيادة حجم المساعدات المدنية الأمريكية لتشجيع التوصل إلى حلول سياسية وسط توفّـر الاستقرار داخل العراق مع تحسين خطة المساعدات للجيش والشرطة العراقية والالتزام باستمرارها لعام 2010 أو بعد ذلك الموعد.

كما يلزم أن يُـعلن الرئيس بوش التزام الولايات المتحدة بعدم الاحتفاظ بقواعد عسكرية لها في العراق، ولا أي وجود عسكري يزيد عمّـا تطلبه الحكومة العراقية، والتعهُّـد بالانسحاب الفوري للقوات الأمريكية وباقي قوات التحالف، إذا طلبت الحكومة العراقية ذلك. وقد تشمل الخيارات الأمريكية المُـنفردة، مواجهة الولايات المتحدة وحدها بعض السيناريوهات القبيحة، مثل إغراءات تشجيع تقسيم العراق أو دَفعه باتّـجاه الاتحاد الفدرالي وتشجيع إقامة حكومة وحدة وطنية قوية، وإن كانت غير منتخبة، وكذلك تشجيع انقلاب عسكري يأتي برجل قوي قادر على حُـكم العراق.

ثانيا، خيارات ثُـنائية أو متعدّدة الأطراف، وتنطوي فيما يتعلّـق بالمصالحة الوطنية، بين الفئات العراقية على تشجيع قيام الحكومة العراقية بدور رائد في مؤتمر يحضره ممثلون عن الأمم المتحدة وبمشاركة القوى الإقليمية الرئيسية التي لها مصالح في العراق، مثل إيران وسوريا وتركيا، وبرعاية قوى إقليمية مُـحايدة مثل، مصر والسعودية، بحيث لا تُـكرر الولايات المتحدة سيناريو كامب ديفيد الذي سيعود عليها باللّـوم، إذا فشلت جهود المصالحة.

غير أن الخبير الاستراتيجي الأمريكي وضع خيارات عديدة أخرى للخروج الأمريكي من العراق دون أن يبدو هُـروبا من المأزق منها، أن تطلب الحكومة العراقية ذلك الانسحاب أو أن تظهُـر بمظهَـر مَـن طلب من القوات الأمريكية الانسحاب، كما يُـمكن أن تُـعلن الولايات المتحدة قرارها سحب قواتها من العراق على مراحل بدون أي ظروف عراقية تدفعها إلى ذلك، ووضع العراق والعالم أمام أمر واقع هو جدول زمني ثابت للانسحاب، ولكنه حذّر من أن ذلك السيناريو قد يُـشجع تصاعُـدا خطيرا في الصراع الأهلي داخل العراق، ولذلك، ينصح بمنح العراقيين فُـرصة لملأ الفراغ.

ويعتقد الدكتور كوردسمان أن من أفضل استراتيجيات الخروج الأمريكي من العراق، توضيح أن الولايات المتحدة مُـضطرة للتخلّـي عن جهودها العسكرية لمساعدة الحكومة العراقية وستُـواصل دعمها بالمعونات والاستشارة.

أما فيما يتعلّـق بما يجب عمله، إذا قرر العراقيون استبدال الحكومة الحالية بحكومة وحدة وطنية قوية، يرى الدكتور كوردسمان أنه يتعين أن تكون الولايات المتحدة مستعدّة لتأييد أي تغيير في الحكومة العراقية ينتج عن عمل يقوم به العراقيون بشكل مستقل، بشرط أن يكون قادرا على توحيد العراق وخدمة مصالحه كدولة وليس لمجرد توفير الاستقرار بالقوة أو بالسيطرة على مُـعظم أنحاء العراق على حساب طرف رئيسي، مثل العراقيين السنة مثلا.

ونبّـه الدكتور كوردسمان إلى أنه إذا حدث وتمكّـن قائد عراقي قوي من القيام بانقلاب عسكري ناجح، فيجب ألا تتعاون معه القوات الأمريكية وتسرع في الانسحاب مع باقي قوات التحالف على أن تستمر المساعدات، بشرط وصولها لكافة الأطراف العراقية دون تدخل الحكومة العسكرية.

وفيما يتعلق بنقل عمليات المحافظة على الأمن للعراقيين، يقترح الخبير الأمريكي أن تعمل الولايات المتّـحدة مع العراقيين والدول الحليفة والقوى الخارجية على وضع برنامج مُـتكامل، لنقل سلطة العمليات العسكرية إلى الحكومة العراقية مع مساعدتها على استيعاب العناصر الجيّـدة من أفراد الميليشيات العراقية داخل قوات أمن مركزية، بحيث يمكن حلّ الميليشيات على مدى أبعد على أن يتم ربط تقديم المساعدات الدولية وانسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي بتوصّـل العراقيين إلى حلول وسط ومصالحة تجعل من الممكن تقليص التدخل الخارجي والشروع في بناء عراق جديد مستقر.

ثالثا، خيارات الانسحاب وتخفيض القوات، نظرا لأن الصراع الأهلي داخل العراق قد وصل إلى مستوى يتحتّـم معه عمل خطّـة بديلة ليس للقوات الأمريكية، فحسب وإنما لقوات التحالف كذلك، بحيث تكون مستعدّة مع الدول الصديقة في المنطقة لتنفيذ خُـطة إعادة نشر للقوات، وكذلك سحبها جُـزئيا أو انسحابها كليا، يرى الدكتور كوردسمان أنه، إذا اضطرت الولايات المتحدة لسحب قواتها، فيجب بذل كل جُـهد ممكن للعمل مع العراقيين على تقليص الآثار الناجمة، وخاصة أي سوء فَـهم قد يقُـود إلى شنّ هجمات على تلك القوات، كما يجب أن يساعد العراقيون في وضع خطة الانسحاب، أما إذا كان الانسحاب مُـستندا إلى تسوية أو مصالحة بين العراقيين، فسيُـوّـر ذلك خيارا طيبا للولايات المتحدة، يمكن من خلاله للعراقيين تحديد الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية وقوات التحالف.

توصيات بيكر وشركاؤه

أما أهم خيارات البحث عن وسيلة لخروج أمريكا من المأزق العراقي بشكل يحفظ ما يُـمكن من ماء الوجه، فكان من نصيب مجموعة دراسة الوضع في العراق، التي شكّـلها الكونغرس الأمريكي من عشرة أعضاء ومسؤولين سابقين، ينتمون إلى الحزبين الديمقراطي والجمهوري برئاسة وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر والنائب الديمقراطي الأسبق لي هاملتون، الذي شارك في إجراء التحقيق في قُـصور أجهزة المخابرات الأمريكية قبل هجمات سبتمبر.

ونظرا لأن حملة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس يوم 7 من الشهر المقبل قد تحوّلت بالفعل إلى استفتاء على استراتيجية بوش المتعثّـرة في العراق، فقد قرّرت المجموعة نشْـر توصياتها بعد انتهاء الانتخابات، غير أن ما تسرّب منها ركّـز على أن هناك بدائل، بين الإصرار على الاستمرار في استراتيجية لم تُـفلح وبين الهروب من مواجهة الموقف في العراق.

غير أن جيمس بيكر أكّـد أن التوصيات، التي سترفعها اللجنة لن تطالب بالانسحاب الفوري، لأن ذلك سيُـسفر عن نُـشوب أعنف حرب أهلية في المنطقة، حيث لن تقتصر على الداخل العراقي، وإنما ستتدخل كل دولة مجاورة لتفعل ما يخُـص مصالحها.

ونفي بيكر أن تكون توصيات المجموعة قد دعت إلى تقسيم العراق، وإنما طرحت عددا من الأفكار لترتيبات مُـشاركة الفئات العراقية في السلطة بشكل يمنحها مزيدا من الحكم الذاتي.

وفيما يتعّـق بتغيير الاستراتيجية الحالية، ذكرت مصادر قريبة من المجموعة أنها ستُـوصي باتخاذ مجموعة من الخطوات التي تُـسهم في التركيز على تحقيق الاستقرار وتحسين معيشة العراقيين اليومية، بدلا من التركيز الدعائي على نشر الديمقراطية بدءا من العراق، ثم البدء في إعادة انتشار القوات الأمريكية خارج التجمّـعات السكانية والمدن الكبرى، مع توفير أدوات لاحتواء العنف والتمرد من خلال استيعاب القوميين الوطنيين في الحياة السياسية وانتشالهم من صفوف التمرد، ومن ثم التوصّـل إلى حكومة وحدة وطنية لإنقاذ العراق، وفي مرحلة لاحقة يبدأ الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من العراق على أن يكون في مراحله الأولى إلى قواعد قريبة في المنطقة يمكن أن تنطلق منها لمساعدة الحكومة العراقية إذا لزم الأمر.

وتبقى كل هذه الخيارات حبْـرا على ورق، إذا واصل الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني إصرارهما على القول بأن ما يبحثان عنه، ليس استراتيجية للخروج من العراق وإنما تحقيق النصر هناك.

 و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في  المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر:swissinfo-23-10-2006