مقالات و محاضرات

 

 

 

تجارب أميركا في العراق: من الديموقراطية إلى الانقلاب

 

 

صلاح النصراوي

 

 

تتواتر الأنباء من بغداد عن احتمال القيام بانقلاب بهدف إحلال حكومة ذات قبضة حديدية محل حكومة نوري المالكي التي أثبتت عجزا واضحا عن تحقيق الأمن والاستقرار ودفع العملية السياسية التي عول عليها الأميركيون كثيرا بهدف تحقيق نجاح مشروعهم في العراق. ما بدا أنه مجرد شائعات راجت خلال الفترة الأخيرة عن التحضير لمثل هذا الانقلاب أصبح الآن موضع نقاش في مراكز البحث الأميركية ودوائر الاستخبارات وفي المحافل السياسية ولدى المستشارين، وأيضا صناع القرار في واشنطن وتتسرب أخباره عبر أجهزة الإعلام.

فهل أصبح الانقلاب العسكري هو آخر سيناريو أخرج من الجعبة الأميركية التي ظلت تفاجئنا خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية بسيناريوهات متتالية كلما فشل واحد منها، بينما تستمر عمليات التجريب سارية في المختبر العراقي البائس؟

فكرة الانقلاب جاءت في سياق الجدل حول البحث عن استراتيجية جديدة، أو ما أصبح يدعى بتغير المسار أو بالاتجاه التصحيحي، بعد أن وصلت العملية السياسية إلى طريق مسدود وتزايدت الشكوك وتنامى القلق داخل أميركا فيما يتصل بالنتائج المروعة للوجود الأميركي في العراق. تقوم هذه الفكرة - كما بدأ يتسرب من واشنطن ومن داخل المنطقة الخضراء في بغداد - على أساس تعطيل الدستور وحل مجلس النواب والمجلس الرئاسي ومجلس الوزراء وتشكيل حكومة طوارئ تأخذ على عاتقها إدارة شؤون البلد بالاستعانة بفرق الجيش العراقي التي شكلت بمساعدة أميركية، على أن تناط بقوات التحالف، وخصوصا الأميركية والبريطانية، مهمة الدعم وتقديم العون في العمليات الكبرى ضد كل من سيحاول التصدي للحكومة الجديدة. الغطاء الذي سوف يستخدم في تبرير هذا السيناريو هو إحلال أولوية تحقيق الأمن والاستقرار محل تحقيق الديموقراطية، الذي كان مسوغ الاحتلال وهدف المرحلة التالية له، مثلما قيل حينها. المنظرون لهذا الاتجاه يسوقونه باعتبار أن خيار الانتخابات الذي فرضه الشيعة بإصرار من آية الله علي السيستاني على إدارة الاحتلال كان خاطئا ولابد من العودة إلى الخطة الأصلية للاحتلال التي كانت تفترض إنشاء إدارة بحكومة ذات أسنان ومخالب، طبعا مع بعض التعديلات.

أما وسائل تحقيق الانقلاب فهي طبعا تقليدية، مثلما يجري دائما في البلدان غير الديموقراطية، أي الاستعانة بالجيش باعتباره طرفا يمتلك بعض أوجه الشرعية لإنجاز المهمة، وهي تعطيل الدستور والبرلمان والحكومة وفرض إدارة عسكرية مباشرة وحالة طوارئ يتم على ضوئها فرض الأمن والاستقرار. ولكن بسبب هزال عود الجيش العراقي الجديد والذي يتكون من ثمانية فرق، لم يستكمل تدريبها وتجهزيها بعد، ولا يمتلك دبابات ينزل بها إلى الشوارع أو طائرات يقصف بها مقرات الحكومة، فإن الجيش الأميركي الذي يقوم بإعداد هذه الفرق، والتي ترتبط معه بقواعد تنسيق وتعاون مشترك، سيتحمل الوزر الأكبر في عملية تنفيذ الانقلاب ووضع الانقلابيين في السلطة وحمايتهم ومساعدتهم في قمع المعارضة التي سيواجهونها، وخصوصا من القوى المقاومة الجديدة المتوقع أن تنشأ من القوى التي في السلطة الآن، وخصوصا الشيعية. ما لم يقل أو ينشر، ولكن يتردد، أن خطة الانقلاب تتضمن كذلك عمليات اغتيال وتصفيات للرموز الكبيرة التي تقف الآن في قيادة الجماعات المتناحرة في الطرفين الشيعي والسني بهدف عزلها عن قواعدها وبث الرعب والاضطراب في حركتها وفي ردود أفعالها المتوقعة.

وعلى عادة الانقلابات التي تحدث، فإن من المتوقع أن تدعي الحكومة المعلنة في بيانها الأول بأنها «حكومة إنقاذ وطني»، وهي فكرة وردت كإحدى المقاربات التي درستها لجنة جيمس بيكر للخروج من الورطة العراقية، والتي تقوم على مبدأ «المحافظة على الاستقرار» وإعادة نشر القوات والاحتواء وعلى أساس إقامة نظام حكم «أقل ديموقراطية لكنه أكثر استقرارا ومركزية». المهم في هذه الصيغة وكما وردت أيضا في توصيات لجنة بيكر المسربة هو «إشراك المسلحين الذين يحاربون لأغراض وطنية في العملية السياسية واستبعاد الجماعات الأصولية»، وهو الأمر الذي يجري تفسيره على انه السعي لإعادة ادماج قيادات بعثية سنية، وخصوصا من ضباط جيش صدام حسين ومخابراته، والاستعانة بهم في التصدي لأية قوى تعارض الحركة الجديدة. هذا الأمر يعبر عنه الغزل الآخير المتبادل بين الأميركيين وبين قيادات بعض جماعات التمرد في المناطق السنية التي أعلنت استعدادها لحوار مع الأميركيين في الوقت الذي بدأ حزب البعث ينشط علنا، في رسالة جلية على استعداده لمرحلة الانقلاب القادمة، خصوصا أنه الحزب الذي تقوم أيديولوجيته أساسا على النهج الانقلابي.

الكلام في المنطقة الخضراء عن السيناريو الانقلابي يتجاوز الشكل والإجراءات إلى اختيار الأشخاص الذين سيتصدرون المشهد الانقلابي. إذ لا انقلاب من غير انقلابيين، وهي مهمة سيجد أصحاب السيناريو أنها لا تقل خطورة عن فكرة الانقلاب ذاته.

هناك أسماء يتم تداولها لسياسيين رعتهم الأجهزة الأميركية لسنوات طويلة بغية تقديم الخدمات المطلوبة منهم، وممن يعرف عنهم ولعهم السابق بفكرة الانقلاب والتي طالما حاولوا تسويقها للأميركيين قبل الحرب، إضافة إلى ضباط من جيش صدام أقاموا علاقات في الظل مع الأميركيين وقوى محلية وإقليمية، يعتقدون جميعهم أنهم إذا ما تم وضعهم في السلطة ومُنحوا الدعم الأميركي والتفويض اللازم فإنهم سيستطيعون وضع الأمور في نصابها. غير أن المشكلة في هؤلاء هو أنهم أوراق محروقة، وستكون محاولة وضعهم بالقوة في السلطة التي لم يحصلوا عليها من خلال صناديق الاقتراع فضيحة أخلاقية مدوية، لن تنجو منها الولايات المتحدة الأميركية، حتى بافتراض أن ذلك سيكون مخرجا مشرفا لها من مستنقع العراق.

في الحسابات العادية هو أن يقوم بالانقلاب ضباط من الجيش، وبما أن الجيش الجديد أقيمت هيكليته على أساس المحاصصة الطائفية والقومية فإن من العسير التصور أن يتمكن وزير الدفاع السني ورئيس الأركان الكردي وقادة وحدات شيعة من الاتفاق مع ضباط سنة آخرين يراد ضمهم من دون إدخال الجيش نفسه في صراعات مذهبية وعرقية جديدة. واذا ما عرفنا أن وحدات الجيش هي في تشكيلاتها الحالية ليست بجيش وطني موحد، بل أقرب إلى ميليشيات رسمية، لم تزج بعد في المعارك الطائفية، مثل ميليشيات الجماعات والأحزاب، فإن هناك شكوكا جدية في أن يصبح الانقلاب جزءا من المشكلة بدلا من الحل. إن أي نظرة بسيطة على ما يمكن أن يجري ستبين أن الفرق العسكرية التي شكلها الأميركيون على أساس مناطقي، وبالتالي طائفي، ستنحاز في اللحظة التي سيبدأ فيها الصراع بعد الانقلاب، إلى طائفتها وستبدأ بقتال الطوائف الأخرى. بل، ولأن التصور الأدق لاحتمال تولية توليفة طائفية - قومية عبر الانقلاب، هو تعميق الشرخ داخل كل طائفة فإن الاحتمال الأكبر هو اندلاع قتال شيعي - شيعي ولربما سني - سني مع احتمال تورط كردي، بسبب الموقف من موضوع الفيديرالية وخصوصا كركوك، مما يعني صيغة أكثر دموية للحرب الأهلية تشق بدورها طريقا أقصر للانفصال.

هل هناك شعبية لفكرة الانقلاب قد يستند عليها مخططوه ومنفذوه لتسويقه بين العراقيين؟ من المؤكد أن هناك حالة من اليأس والقنوط لدى العراقيين الذين يشعرون أن عملية التغيير من الاضطهاد إلى الحرية لم تحقق شيئا، سوى أنها استبدلت نظاما دمويا بوضع أشد دموية. لقد جلبت النتائج المتحققة من الحرب والاحتلال إحساسا بالخراب والدمار والسير نحو الهاوية على المستويين الانساني والوطني، مما قد يجعل العراقيين يتشبثون بأي طوق للنجاة يمنحهم الأمل بالبقاء، وهو الأمر الذي سيستخدمه الانقلابيون لتسويغه تحت شعار الإنقاذ الوطني. لكن تلك ستبقى، أميركيا، مهما حاولوا تجميلها، مجرد مغامرة بلهاء جديدة في التلاعب بمصائر العراقيين وخيانة للمثل والقيم التي ادعوا أنها كانت وراء الحرب والاحتلال. اما عراقيا، فسوف تكون مثالا آخر على الانتهازية الرخيصة المجردة من أي مبادئ أخلاقية سوى اللهاث وراء السلطة حتى لو كان ذلك على أنقاض العراق.

ليس سيناريو الانقلاب لعباً بالنار كما قد يبدو، فالنار مشتعلة في العراق منذ أن حولت هذه الإدارة الأميركية العراق مختبرا لتجاربها البائسة، لكنه مشروع لكتابة النهاية وإهالة التراب على هذا البلد المنكوب. من يقف وراء هذا المشروع هم طبعا بالدرجة الأولى خليط من مجموعات أميركية داخل الإدارة وخارجها، لاهم لها سوى العثور على استراتيجية خروج، أقل كلفة من الاستمرار في احتلال العراق على الأصعدة الداخلية والدولية. أما على الجانب العراقي، فيقف مع هؤلاء بعض حلفائهم من العراقيين الذين غادروا الحلبة في وقت مبكر من الاحتلال، ويحاولون الآن العودة اليها بأي ثمن من خلال تحريضهم على خوض المغامرة الجديدة، في الوقت الذي ينتظر البعثيون فرصتهم للوثوب مجددا على السلطة من خلال إدخالهم اليها عبر الانقلاب.

انها نهاية الرحلة الأميركية في العراق، من الديموقراطية إلى الانقلاب.

* كاتب عراقي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-29-10-2006