مقالات و محاضرات

 

 

 

انتخابات التجديد النصفي الأميركية والمأزق العراقي

 

 

 

جابر حبيب جابر

 

 

هنالك منهجان في مقاربة الحل للمشكل العراقي، اولهما الاعتماد على الارادة الطيبة والنوايا الايجابية للفاعلين الاساسيين في المشهد العراقي، وهو ما اثبت خطله وعدم نجاحه الى الآن رغم المناشدات والأماني والتمني، والثاني هو استثمار المخاوف والمخاطر المحدقة والأضرار التي باتت ماثلة لدفع اللاعبين الاساسيين للعمل على الخروج من مأزق بات استمراره مصدر ورطة واستنزاف للجميع.

فالإدارة الأميركية التي تتزايد عليها الضغوط بفعل صخب الانتخابات وخوف الجمهوريين من خسارة صدارتهم التشريعية، بجانب ان الديمقراطيين جهدوا على استخدام الورقة العراقية كعامل ترجيح لهزيمة الادارة الحالية مستغلين تبرم الرأي العام من جدوى التورط في العراق، ومستثمرين الأخبار القادمة من بغداد والتي لا تحمل ما يسر فالضحايا الأميركية تتزايد، في تحول تكتيكي يدلل على الأجندة الدولية لحركة العنف المسلح في العراق. فهي قد ركزت في الشهر الأخير على استهداف الأميركيين، بخلاف منهجها للشهور الماضية، هادفة الى رفع معدلات خسائرهم في تزامن مقصود للتأثير على نتائج الانتخابات، كما تتراكم الاحباطات لجهة تواضع أداء الحكومة وتراجع الآمال التي علقت على نجاحها، او ان تثمر حكومة الوحدة الوطنية بالتأثير على معدلات العنف الذي ارتفع على نقيض ذلك، واتجه بمسارات خطيرة بتركيزه على الوجه الطائفي لتقويض وتمزيق البنية المجتمعية، وقد قارب النجاح بوضعه البلد على حافات الحرب الأهلية والعزل الجغرافي والمجتمعي.

ولذا كثفت الادارة الأميركية جهودها في الرد على منتقديها القائلين بفقدانها للرؤية وبالتخبط، وبأن الأوضاع في العراق وصلت الى طريق مسدود، وانعدمت فرص النجاح، بل اصبح المتاح هو البحث عن اقل الحلول ضرراً وكارثية. ولكن وبالاصرار يمكن القول إن الادارة لم تفقد القدرة على الامساك بالخيارات، وان فرص النجاح لا زالت موجودة، وانها تتكيف في تكتيكاتها ولكن تمتلك وضوحاً وثباتاً استراتجياً، وازاء ذلك يجيء التلويح والضغط على الحكومة العراقية بأن عليها اتخاذ القرارات الصعبة، وان تدرك بأن دعم الإدارة الأميركية لها ليس بلا حدود، بل هناك سقوف زمنية لا بد ان تلاقيها الحكومة.

الا ان بعض القوى المحلية يبدو انها فتحت صندوق البريد الذي لا يعود لها، فظنت ان الرسائل الموجهة للداخل الأميركي ولأغراض انتخابية موجهة لها، فمنت النفس بالانقلاب على التحالفات الراهنة، او بسيناريو الاتيان بحكومة اقلية مرحب بها اقليمياً، او باللجوء الى حكومة انقاذ او حكم عسكر مؤقت، الا ان هذه الخيارات رغم سعة وكثافة تداولها فإنها مستبعدة، كونها ببساطة تمثل انقلاباً وتنكراً للديمقراطية التي تكاد تكون المنجز الوحيد الشاخص في المشهد العراقي، فضلاً عن ان ذلك سيثير ويستعدي الغالبية التي ركنت الى العملية السياسية كطريق لتحصيل الحقوق، بجانب ما سيتركه ذلك من اثر مدمر على سمعة الولايات المتحدة وصدقيتها في دعمها للديمقراطية وطعنة لقواها.

إلا أن هذه الحيرة الأميركية لا تعني انها ستتركها مشلولة إذ ان الاوضاع وصلت الى النقطة الحرجة التي لا يمكن احتمال الجمود عندها، او المجازفة بالانحدار الى ما بعدها.

أما الحكومة العراقية فإنها لا يمكن ان تستمر نائمة ومهادنة لقوى الفوضى إذ عليها القيام بجراحات حرجة، وان الزمن لم يعد لصالحها. فهي مطالبة بتحقيق تقدم ملموس وعاجل على صعد الاستقرار والخدمات والتنشيط الاقتصادي الذي يثمر فرص عمل وتشغيل تجفف منابع التجنيد لقوى العنف، وان الائتلاف الحاكم نفسه بات مهدداً اذ لن يستطيع بعد الان الركون الى غالبيته اذ ان الاحتمالات اصبحت كلها مفتوحة بما فيها تلك التي تهدف الى كشف ظهره او تركه يواجه قوى العنف المدعومة خارجياً مع فقدانه المظلة الدولية التي احتمى بها، او المجازفة بتغير التحالفات بعيداً عنه، وهذه المخاوف والضغوطات الأميركية والسقوف الزمنية، على الرغم من انها تمثل قيداً على المالكي، فإنه يستطيع ان يستخدمها تجاه شركائه في الائتلاف طالباً منهم الانخراط بجدية في دعم الحكومة والكف عن اعاقتها وارباكها، كون لا احد سيكون بمنجى عند الفشل.

وفي حين ان القوى السياسية السنية بات وضعها هو الاكثر حرجا من بين باقي النخب الممثلة للمكونات العراقية، ففي الوقت الذي لا احد ينازع الكتلة الكردستانية التمثيل الكردي والوجود المهيمن على ارضها، كما ان الائتلاف الشيعي على اسوأ الفروض سينكفئ الى مدنه واقليمه، فإن النخب السنية تضيق امامها وتنعدم المناورة، اذ تنازعها التمثيل والوجود الفاعل على الارض، القوى المسلحة الاكثر تشدداً التي أعلنت عن مشروعها الهادف لتأسيس «إمارة العراق الاسلامية»، والذي لن يكون فيها حتى وجود مكان أو موضع قدم لقوى الاعتدال السياسي، ناهيك من انها ستكون موضع خيفة وتوجس، بل وعداء من الاطار العربي الذي طالما اعتبره سنة العرق امتداداً داعماً لهم.

أما الاطار العربي وبالأخص منه قوى الاعتدال، فالتعويل عليها بأن تأخذ المبادرة، وأن تعزل من لا ينفع من المتصارعين العراقيين، لأن كل السيناريوهات المتصورة للعراق، عدا الاستقرار، ستكون كارثية ليس على مهندسيها فحسب، بل على المنطقة برمتها. فبعيداً عن جانب العذاب الانساني، فإن احتمالات تجزئة العراق واصطراعات النفوذ فيه واجتياحات الجوار له، او تأسيس منصات للارهاب وملاذات آمنة له، او استمرار وترسيخ التطهير المذهبي والاثني وما يستتبعه من موجات هروب وهجرة جماعية، كل ذلك لا قبل للمنطقة على تحمله او استيعابه، دعك عن كونها لن تكون بمنجى من ارتداداته على نسيجها المجتمعي واستقرارها النظمي.

وأخيراً لم يبق الا تعاظم المخاطر، والوقت الذي لم يعد في خدمة احد، وبعد ذاك يجب عدم انتظار التأريخ لكي يصدر حكمه على من تسبب او تقاعس او حتى تأمر بالصمت، لأن الجغرافية فيما يبدو ستتكفل بذلك الآن.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-29-10-2006