مقالات و محاضرات

 

 

 

هل محور المعـتدلين مشروع طائفي جديد لمواجهة سنية شعية كبيرة ؟

 

 

 د. مضاوي الرشيد

 

 

رايس في الرياض: أعلنوها أمة شنية واحدة

تطوف وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس عواصم عربية ربطت مصيرها بالمشروع الامريكي الجديد للمنطقة. فبعد القاهرة وعمان جاء دور المحور الرئيسي لا لشيء سوي لانه يمتلك من الثروة الاقتصادية ما يمكنه من تحويل هذا المشروع من حلم الي حقيقة. محور الرياض هو الأهم في الزيارة لأنه الوحيد المستعد لتسخير طاقته النفطية في مشاريع كنس المنطقة من النفايات التي خلفتها القوة الامريكية المحتلة والتداعيات السياسية والفوضي التي نتجت عن هذا الاحتلال. القيادة السعودية ما زالت مستعدة لتسخير ثروتها في سبيل تثبيت المشروع الامريكي الهادف الي تحالف ما يسمي بالمعتدلين ضد عدو الولايات الامريكية حاليا ايران تحت ذريعة محاربة المشروع النووي الايراني.

وجدت رايس في الرياض من سيتزعم الاعتدال المزعوم وينفق عليه الاموال الطائلة فهو دوما مهيأ لتجييش الخطاب السياسي والديني في سبيل ارضاء حماة النفط خاصة في مرحلة تنعدم فيها القوة المحلية الحقيقية القادرة علي التصدي لعدوان تقنعنا الولايات المتحدة انه آت من طهران. وهذا ليس بالجديد في منطقة الخليج اذ انه خلال العقود السابقة استطاعت الولايات المتحدة ان تجند المنطقة ضد ايران بعد ثورتها عام 1979. وها هي رايس اليوم تحاول ان تلعب اللعبة ذاتها لتشتعل المنطقة من جديد بمباركة امريكية. هذه المباركة مضطرة ان تعتمد علي من سيدفع الفاتورة الجديدة ويسوق للمشروع الامريكي الطامح للهيمنة.

تختلف المواجهة الحالية المتوقعة بين العرب و العجم عن سابقتها في الثمانينات رغم ان هناك بعض العوامل والمعطيات المشتركة بين الحقبتين التاريخيتين.

في الحقبة الاولى صور النزاع وكأنه نزاع بين قوميتين عربية وفارسية الاولي اعتبرت مهددة من قبل العدو الفارسي القديم رغم التحول التاريخي الذي طرأ علي ايران عندما تبنت الخطاب الاسلامي الذي بطبعه يتجاوز محور القومية الضيق. وجدت الولايات المتحدة وحلفاؤها في جزيرة العرب في الشاويش العراقي خير منفذ للسياسة الامريكية العريضة. اما اليوم وبعد ان سقط هذا الشاويش خلت الساحة من شخصية قادرة على التنفيذ. لذلك جاء دور البحث عن محور أوسع من محور الثمانينات وخطاب تعبوي يتعاطي مع التقسيمات الحاصلة حاليا في المنطقة. تريد رايس من حلفائها ان يتسموا بسمة واضحة تحت مظلة الانقسام التاريخي بين السنة والشيعة لتصبح هذه المظلة غطاء لسياسة التقسيم والتفتيت المرجوة من الخارج.

الترويج للصبغة السنية للمحور الجديد سبقه حديث وثرثرة عن هيمنة شيعية على الارض برزت بوضوح في خطابات القاهرة وعمان والرياض. والآن جاءت الزيارة الامريكية لتجند ما تبقي من دويلات الخليج حتي يكتمل النصاب في سبيل مواجهة ايران الشيعية وحلفائها في المنطقة من حزب الله في لبنان مرورا بدمشق وانتهاء بالاطياف الشيعية التي لم تروض بعد في العراق. تقسيم المنطقة الي هلالات شيعية واقمار سنية هي عودة فاشلة لاختلافات عقدية تاريخية اثبتت السياسة انها قادرة على تجاوزها. لكن هذا التقسيم سيجد اذانا صاغية مستعدة ان تقتبسه وتتبناه للمحافظة علي عروش بالية. هذه العروش مستعدة دوماً لشق الصف ان كان هذا يخدم مصلحتها وديمومة وجودها.

قد تستنتج رايس ان مهمتها سهلة جدا في القاهرة وعمان والرياض ولكنها ستجد صعوبة في اقناع البعض في الخليج. رغم الاحتقان الشعبي المصري تظل القاهرة مستجيبة للمشروع الامريكي وكذلك عاصمة دولة الـBuffer Zone بين اسرائيل والعرب. اما الرياض فهي العاصمة الأكثر تقبلا للتقسيم الامريكي الجديد حيث ان فيها من الارث الثقافي والديني ما يجعلها تتصدر المشروع الطائفي الجديد وليست بحاجة الي استنساخ فتاوى جديدة ومواقف سابقة قد اصل لها الكثير من علماء المملكة. وان انتقلت رايس الي دويلات الخليج فربما أنها لن تنجح خاصة في المواقع ذات الحراك الشيعي الواضح كالكويت والبحرين. فرغم ان القيادة في هذين البلدين قد تبدو مستعدة ظاهريا لتبني التقسيم الجديد الا انها ستدخل في متاهات خطيرة ان هي تمادت في تفعيل خطابات طائفية خاصة وان جزءا كبيرا من مواطنيها قد يتجاوز الخطابات الوطنية وشعاراتها ليتقوقع خلف هويات طائفية ضيقة مفجرا بذلك النسيج الاجتماعي وحالة التعايش القائمة ولو كانت هشة بعض الاحيان.

اما في مسقط ستجد رايس ان القيادة هناك استطاعت منذ الثمانينات ان تعزل نفسها عن تداعيات الحروب السابقة وتتبني نوعا من الحيادية التي تجنبها الانخراط في متاهات الحروب الامريكية علي المنطقة.

لذلك ركزت رايس في زيارتها الي الرياض علي الدور الرئيسي الذي تهيئ هي نفسها المحور السعودي لتقبله ولعب الدور الريادي في تفعيله. الرياض فقط مستعدة لتفعيل ثروتها لسببين:

 اولا لانها تعتقد ان الدور القيادي سيجلب لها بعض الابهة والأهمية في منطقة قد افلتت من قبضتها. منذ عقد تقريبا لم تستطع السعودية ان تتربع على عرش قادر علي ريادة العالم العربي ولا ان تغير الانحدار وحالة التشرذم. افلت منها العراق منذ احتلاله والآن لبنان رغم انها انفقت الملايين علي تدعيم هيمنتها في هذين البلدين. حاولت السعودية التعويض عن انحسار هيمنتها الاقليمية بالاتجاه تارة نحو اليمن وتارة نحو عمان بعد الفتور الذي حصل في مطلع التسعينات في العلاقات والذي نتج عن الموقف الاردني واليمني من حرب الخليج. وتعثرت علاقتها مع سورية الابن بعد فترة رخاء مع سورية الاب واليوم لم يبق من هذه العلاقة سوي الملاسنات والعتب الثقيل. تزعم العالم السني لن يعيد للسعودية اي دور في المنطقة لانها ربطت مصيرها بمشروع امريكي فاشل منذ البداية.

ثانيا: تعتقد السعودية انها انْ لعبت دور قيادة العالم العربي السني ستستطيع ان تتغلب علي مشاكلها الداخلية الحالية وتجيش شعبها ضد العدو الخارجي المعروف حاليا انه عدو شيعي. اكثر من اي وقت مضي نجد ان القيادة السعودية محتاجة لعدو خارجي من أجل توحيد الصفوف الداخلية المنشقة حاليا بشكل واضح وصريح. اي مواجهة في الخليج تحت شعار الدفاع عن السنة ستجد اذانا صاغية وتؤجل المواجهة الحتمية الداخلية بين التيارات المتصارعة علي الساحة السعودية من ليبرالية واسلامية وجهادية وبين كل هؤلاء والقيادة ذاتها. سيتغني ليبراليو السعودية بخطاب الوطنية المزعومة للترويج للحرب القادمة علي صفحات الجرائد السعودية وسيضخمون مشاريع ايران النووية. اما الاسلاميون فسيرون في هذه المواجهة مع ايران فرصة لنصرة السنة وان كانوا سينقسمون فيما بينهم كما انقسموا خلال اشهر الصيف الماضية في موقفهم من نصرة حزب الله اللبناني بين متزمت يرجع الي خلافات عقدية ليسقطها علي الواقع السياسي الحالي وبين مرن يخاف ان يخسر جمهوره ان هو ارتمي في احضان القيادة بشكل كلي وشامل وتبني مغامرات ولاة الأمر اذ ان التيار الاسلامي في السعودية مستعد لان يعلق كل مآخذه علي القيادة ولكنه سيظل يتبني خطاب المواجهة مع اسرائيل وامريكا كأن هذه المواجهة تعويض عن خسائره الناتجة عن صمته المريب تجاه قيادته الحالية وسياستها الاقليمية.

بالطبع لن تجد رايس في الرياض شاويشا جديدا تعتمد عليه عسكريا ولكنها ستجد اطيافا ملونة قادرة علي نبش مخزونها الديني والثقافي من أجل مشروع الحرب السنية ـ الشيعية القادمة. وستجد ثروة نفطية لا تخضع للمحاسبة او الشفافية بل هي ما زالت قيد الاحتكار والسرية توزع حسب ما تراه القيادة ضروريا لاستمراريتها وديمومتها. وان كنا لا نعول الكثير من الأمل علي مناورات القيادة السعودية الا اننا نرجو من الاطياف الشعبية ان تعي مسؤوليتها التاريخية ولو مرة واحدة وتصرخ في وجه رايس وزبانيتها بصوت واحد ان التقسيم السني ـ الشيعي المفروض علي المنطقة حاليا لن يمر بسهولة مهما صرف عليه من اموال وسكب فوقه من الحبر ما سيغرق صفحات جرائد تذهب الي مزبلة التاريخ ومحرقة الفكر المأجور.

هذه المسؤولية التاريخية تتطلب من الجميع ان يقفوا صفا واحدا ضد التحزب الطائفي المقيت ويعلنوا علي الملأ اننا امة شنية واحدة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكورنصاً ودون تعليق .

المصدر:الوطن العربي-7-10-2006