هل تصلح مبررات نيكسون لزيارة الصين لفتح بوش صفحة جديدة مع إيران ؟

 

 

مايكل هيرش

كيف نتجنب الحـــرب

الرئيس نيكسون زار الصين للتخلص من ورطة فيتنام.

والآن على الرئيس بوش أن يتخلى عن مقاطعة إيران كي يخرج من أزمته في العراق وأفغانستان

تعيش أمريكا الآن وسط فوضى عارمة في العالم الإسلامي، ولكن هناك دولة واحدة فقط تمسك بمفتاح الحل لجميع المشاكل. دولة واحدة فقط لديها القدرة والمصلحة في مساعدتنا في مواجهة الميليشيات الشيعية الجامحة في العراق، وحركة طالبان المرعبة التي انتعشت من جديد في أفغانستان، وحزب الله الذي ما زال وجوده يشكل خطرا في لبنان. تستطيع تلك الدولة أن تقوم بذلك كله في آن واحد. فهي تقف بين الوضع المضطرب الذي نعيشه الآن، والوضع الأكثر خطورة المتمثل في عالم إسلامي يمتلك أسلحة نووية، وتضطر فيه إسرائيل إلى خوض معركة بقاء دائمة ضد العرب والإيرانيين معا، ويعيش الأمريكيون في خوف أبدي. هنالك دولة واحدة فقط تستطيع وقف هذا الانزلاق المستمر قبل فوات الأوان، بل تستطيع إخراجنا من الهاوية إذا استطعنا إدخالها في حظيرة المجتمع الدولي.

تلك الدولة هي إيران، والرجل الوحيد الذي يستطيع تغيير اتجاهها هو جورج بوش. والطريقة الوحيدة التي يستطيع بها تحقيق هذا الهدف هي فتح صفحة جديدة وتقديم عرض مغر لطهران، يتم فيه التخلي عن القيود السخيفة والمصطنعة التي تتسم بها السياسة الأمريكية الحالية. وأعني بذلك سياسة الحوار من دون تحاور (دع الأوروبيين يتحاورون مع إيران)، والفصل بين المسائل بصورة مصطنعة كأن نقول: "سنكلف شخصا بالتفاوض معكم بشأن العراق، ولكن ليس بشأن برنامجكم النووي، وسنكلف شخصا آخر بالتفاوض معكم بشأن برنامجكم النووي ولكن ليس بشأن العراق، ولن نتفاوض معكم بأي شأن آخر".

لدينا سابقة واضحة عن خطوة شجاعة أحدثت تحولا من النوع الذي أتحدث عنه، وهي سابقة جيدة من الحزب الجمهوري نفسه. فالرئيس ريتشارد نيكسون الذي دخل الحياة السياسية كعدو لدود للشيوعية، أظهر براعته فيما بعد بالسمو فوق عقيدته القديمة على نحو أدهش العالم بأسره، عندما أدرك أن حكومتي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كانتا رهينتي مواجهة يائسة وخطرة. كان نيكسون يبغض الصين "الحمراء" آنذاك بالدرجة نفسها التي يبغض بها بوش إيران التي يسيطر عليها رجال الدين. غير أن نيكسون أدرك أنه في تلك الحقبة التي كانت فيها أمريكا تعاني الضعف والتشتت، لم يكن هناك سوى بكين لتعطيها الميزة الاستراتيجية التي تحتاج إليها للخروج من المأزق السوفييتي الأكثر خطورة. ففي أكتوبر 1967، بدأ نيكسون يتحدث عن الصين بالطريقة نفسها التي يتحدث بها دعاة التعاون الدولي الذين ينتابهم القلق الآن بشأن إيران، حيث قال في مقالة نشرتها له مجلة فورن أفيرز: "إننا ببساطة لا نستطيع ترك الصين إلى الأبد خارج الأسرة الدولية لتغذي أوهامها وتغرق في أحقادها وتهدد جيرانها". وكما قال هنري كيسنجر فيما بعد في كتابه الرائع Diplomacy (الدبلوماسية): "إن إبعاد دولة بحجم الصين عن خيارات أمريكا الدبلوماسية يعني أن أمريكا تعمل على الساحة الدولية وإحدى يديها مقيدة خلفها".

وفي الوقت الراهن نجد أن الولايات المتحدة تعمل الآن على الساحة الدولية وكلتا يديها مقيدة خلفها. فنحن نتبع سياسة رسمية تقضي بعدم التعامل مع الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تلعب أكبر دور في تحريك لبنان والعراق وأفغانستان إلى وجهة أفضل. وبالمثل فإننا لا نتحدث إلى دولة أخرى تستطيع مساعدتنا أيضا في حل المشكلتين الأوليين، وهي سوريا. وفي الوقت نفسه نجد أنفسنا غارقين تماما في مستنقع العراق المجاور لسوريا كما كان نيكسون غارقا في مستنقع فيتنام.

اعترف الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة الوسطى الأسبوع الماضي في لحظة صفاء بأن أكثر من 140000جندي أمريكي في العراق قد يضطرون للبقاء هناك حتى ربيع عام 2007 على أقل تقدير. وهذا يعني أن جيشنا سيظل مشغولا تماما طوال الفترة المتبقية للرئيس بوش في السلطة، وستبقى قدرتنا على الردع محدودة وضعفنا جليا. وفي أفغانستان، نجد أن حركة طالبان، التي اكتسبت ثقة جديدة في تأسيس دولتها، بدأت توفر ملاذا آمنا للإسلاميين، وهي دولة تستطيع بعد سنوات من الآن تهيئة المناخ المناسب لعملية أخرى على غرار هجمات 11 سبتمبر، بل قد تكون عملية أكثر فظاعة وتدميرا. وثمة مسألة أخرى أشد خطرا، وهي أن إيران قد تمضي خلسة نحو صنع قنبلة نووية بعد أن نجحت في دق إسفين بين روسيا والصين من ناحية، والغرب من الناحية الأخرى، كما نجحت بعد ذلك في بذر الشقاق بين واشنطن وأوروبا. كما أن حصول إيران على أسلحة نووية سيعجل ببدء سباق تسلح في الشرق الأوسط ويضع المنطقة بصورة دائمة على حافة معركة كبرى على مستويات عدة: بين العرب والفرس، وبين الفرس والغرب، وبين الإسرائيليين والفرس، وبين الإسرائيليين والعرب.

وفي الوقت الراهن ليست هناك سوى وسيلة واحدة فقط لمنع إيران من الحصول على قنبلة نووية، وهي تتمثل في التخلص من المبرر الذي يدفع إيران للحصول على القنبلة. وواشنطن هي الدولة الوحيدة التي تستطيع تحقيق هذا الهدف، وذلك لأن الولايات المتحدة العدائية بعد أن غزت العراق وهددت بالدخول في مواجهة مع طهران، أصبحت الآن السبب الوحيد الذي يجعل المتشددين الإيرانيين يحققون مكاسب سياسية في بلادهم المتحجرة والمعزولة. لماذا يتولى الأوروبيون إدارة الحوار، مع أن الإيرانيين يدركون أنهم لا يشكلون أي خطر عليهم (أو يشكلون خطرا طفيفا يتمثل في رفضهم بيع صمامات وأنابيب يمكن استخدامها للأغراض العسكرية والمدنية)؟ وعلى الرغم من البراعة التي يتمتع بها خافيير سولانا المسؤول عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فإن تلك المحادثات لن تكون مثمرة على الأرجح.

وماذا عن رجال الدين المهووسين في إيران؟ ألن يخرجوا بخلاصة خاطئة إذا تبنى بوش موقفا دبلوماسيا لينا؟ إننا ندرك بالتأكيد أن محمود أحمدي نجاد رجل يفكر بطريقة "خطرة"، حسبما قالت مجلة تايم هذا الأسبوع. وعلينا بالطبع أن نحاول العمل انطلاقا من موقع القوة بقدر الإمكان، الأمر الذي يعني النظر بجدية في احتمال اللجوء إلى خيارات عنيفة في آخر المطاف، ومن بينها تفتيش المواقع النووية الإيرانية بـ"القوة"، أو، لا سمح الله، توجيه ضربات جوية.

ولكن ألم يكن ماو تسي تونغ رجلا خطيرا أيضا؟ (في الواقع إن أحمدي نجاد يبدو مازحا بالمقارنة مع ماو). أولم تكن الصين تشعر بثقة كبيرة عند انفتاحها على العالم عام 1972، بعد أن رأت أمريكا غارقة في مستنقع فيتنام المجاور لمدة 10 سنوات؟

إن إيران، شأنها في ذلك شأن الصين، دولة تنظر إلى مصالحها على المدى الطويل، وهي الآن تشعر بتهديد أكبر مما نتوقعه في الوقت الراهن. فالتحليلات الأخيرة من لبنان تشير إلى أن حزب الله، وهو الذراع العسكرية الرئيسية التي تقاتل لحساب طهران، تعرض لدمار شديد بواسطة القوات الجوية الإسرائيلية. ولدى إيران، إذا وجدت التشجيع المناسب، مصلحة كبيرة في احتواء تحالف عدوها العقائدي اللدود المؤلف من حركتي طالبان والقاعدة، وهما حركتان سنيتان معاديتان لإيران الشيعية، كما أن من مصلحتها منع اندلاع الحرب الأهلية في العراق التي تتحمل فرق الموت الشيعية إلى حد بعيد المسؤولية عن تأجيج نيرانها. وإذا نحينا عبارات محمود أحمدي نجاد النابية بشأن إسرائيل جانبا، فإن الإيرانيين أيضا ليسوا حريصين على معاداة إسرائيل (والدليل على ذلك هو أن السياسة الرسمية لطهران، ولمدة 10 سنوات قبل أن يتولى السلطة فيها نجاد الذي يفتقر إلى الخبرة، كانت تميل إلى تخفيف انتقاداتها اللاذعة للصهيونية).

يكاد يكون من المؤكد أن إيران تسعى لامتلاك أسلحة نووية. ولكن لا يزال هناك متسع من الوقت قبل أن تصل طهران إلى تلك المرحلة. وهناك الكثير من المراحل التي يمكن فيها إقناع إيران بوقف أنشطتها النووية إلى أجل غير مسمى إذا تبين لها أن الخطر الذي يشكله عليها الغرب (ونعني بذلك الولايات المتحدة) قد تلاشى إلى درجة تمكنها من اتخاذ تلك الخطوة. لقد خاض بوش الحرب في العراق آملا في استمالة الشيعة إلى جانب أمريكا وترجيح ميزان القوى في العالم الإسلامي لمصلحة الشيعة على حساب المستبدين والراديكاليين السنة على حد سواء. ونحن الآن في وضع غريب يتطلب منا احتضان فصيل شيعي (بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي) ومعاملة فصيل شيعي آخر وكأنه مجموعة من المجذومين، ولن يحظى هذا النمط من السلوك بقبول في العالم الإسلامي أو في بقية أنحاء العالم. ومن المؤكد أن الرئيس بوش ليس بحاجة إلى "الذهاب" إلى طهران، كما فعل نيكسون عندما زار الصين. ولكنه قد يستطيع لقاء الإيرانيين في مكان آخر، مثل ريكيافيك. وكما قال كيسنجر، فإن نيكسون كان يميل إلى أسلوب الرئيس ويلسون، شأنه في ذلك شأن جميع الرؤساء الأمريكيين الآخرين تقريبا، سواء أكانوا ديموقراطيين أو جمهوريين، أي أنه كان يؤمن بأن قدر أمريكا هو أن تنشر الحرية في أنحاء المعمورة (ليس المحافظون الجدد هم من أتى بهذا المبدأ، فكل ما أتوا به هو الحرب الاستباقية التي فشلت مثلما فشل المحافظون الجدد أنفسهم). غير أن نيكسون كان يدرك أيضا أن وسائل الضغط المتاحة له محدودة. وكما قال كيسنجر عندما كتب عن تلك الحقبة قبل 10 سنوات، وهي حقبة تشبه إلى حد بعيد الحقبة التي نمر بها الآن مع اقتراب الوضع في العراق إلى ما كان عليه في فيتنام، وبقاء بلادنا منقسمة بصراع مرير بين الحزبين وتحت وطأة ديون منهكة: "إن أمريكا التي وقعت في مأزق في الهند الصينية ومزقتها الصراعات الداخلية في أواخر الستينات من القرن الماضي، كانت بحاجة إلى مراجعة تعريفها للدور الذي تستطيع أن تلعبه في العالم على نحو أعمق وأكثر دقة".

مما يُذكر للرئيس بوش قوله ذات مرة إنه: "لا يتذبذب في مواقفه"، ومما لا شك فيه أنه سيقاوم اتخاذ هذه الخطوة حتى النهاية، فهو يحس برهبة شديدة أن يظهر بمظهر الضعف، ويبدو أنه يؤمن بأن القيادة القوية تعني ألا تعتذر عن أخطائك أو تغير مواقفك. وعلى مستشاريه الأكثر فطنة منه ــ وليس هناك من يفهم هذه المسألة بصورة أفضل من وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ــ إفهامه بأنه ليس أمامه خيار آخر في الوقت الراهن.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: http://newsweek.alwatan.com.kw