كيسنجر يعارض الإنسحاب والموازة بين المصلحة والمبادئ

 

 

 محمد علي صالح

 

كيسنجر: الحياة بلا انسحاب

90% من سمعة السياسي الجيدة تذهب ضحية الـ10% من سمعته السيئة

«لا يمكن ان تكون هناك ازمة جديدة الاسبوع المقبل، فجدول اعمالي ممتلئ بالفعل»..

واحدة من عبارات هنري كيسنجر الشهيرة، وهو وان قالها وهو في عز انشغاله وانهماكه، الا انه يمكن ان يقولها الان بعد ان بلغ 83 عاما.

فهو حاليا وكما كشف كتاب الصحافي الاميركي بوب وودورد «حالة انكار: بوش في الحرب» يعمل مستشارا للرئيس الاميركي جورج بوش ونائبه ديك تشيني للعراق، بالاضافة الى عمله في مكتب للاستشارات يحمل اسمه، وكتابته الدورية للصحف، والقائه محاضرات هنا وهناك. وكيسنجر، الذي غادر عمله كوزير لخارجية اميركا عام 1976 بعد هزيمة الرئيس الاسبق جيرالد فورد امام الرئيس الاسبق جيمي كارتر، لم يحافظ فقط على ذهنه المتقد والعمل بدوام كامل طول اليوم، بل حافظ ايضا على كونه اكثر الشخصيات المثيرة للجدل في اميركا والعالم. وأكثر الشخصيات حبا وتمتعا بالحياة وبمباهجها العديدة، ..... . ويمكن وصف فلسفة كيسنجر في الحياة عموما «عدم الانسحاب»، فهو يرفض الانسحاب من الحياة العامة والسياسية، كما رفض الانسحاب من فيتنام برغم الهزائم، كما يرفض الانسحاب من العراق. وقال وودورد في كتابه ان نصيحة كيسنجر الاساسية لبوش وتشيني هي عدم الانسحاب.

وذكر وودورد ان كيسنجر قال لبوش:

«احسن استراتيجية للانسحاب هي النصر على المعارضة العراقية المسلحة».

وشدد «لا تنسحبوا. اذا عرف الصحافيون وأعضاء الكونغرس والاميركيون الذين لا يحبون المشاكل انكم ستنسحبون، ستكون هذه نهايتكم.»

كان كيسنجر وزير خارجية في ادارة نيكسون عندما انسحبت القوات الاميركية من فيتنام الجنوبية، بعد انتصار ثوار «فيات كونغ» الشيوعيين بمساعدة حكومة فيتنام الشمالية.

وقال الكتاب ان كيسنجر حذر بوش ونائبه من تكرار ما اسماه «خطأ الانسحاب» وكان كيسنجر حذر، قبل 37 سنة، الرئيس نيكسون من الانسحاب من فيتنام، وكتب له خطابا يوم 10 ـ 9 ـ 1969 قال فيه: «تعرف، يا سيادة الرئيس، ان الاميركيين يحبون الفول السوداني. كلما ننسحب من فيتنام، جنديا بعد جندي، كأننا نقدم للاميركيين الفول السوداني، حبة بعد حبة. سيطلبون المزيد».

وقال وودورد ان كيسنجر زار البيت الابيض، في السنة الماضية، وأعطى نسخة من خطابه الى الرئيس نيكسون الى واحد من مساعدي الرئيس بوش. وحذره: «لا تكرروا خطأ فيتنام في العراق.»

فمن هو عدو الانسحابات هذا ؟

ولد كيسنجر في 27 مايو (ايار) 1923 في المانيا من ابوين يهوديين، انتميا الى اقليم «بادكسنغن»، ومن هنا جاء اسم «كيسنجر». وهاجرت العائلة الى نيويورك في اميركا عندما بدأ الزعيم الالماني هتلر حملته لابادة اليهود. وكان عمر كيسنجر 15 سنة عندما وصل الى نيويورك. وغير اسمه الاول من «هاينز» الى «هنري»، في محاولة لتقليل اهمية يهوديته. وبالرغم من انه تلقى تعليمه الثانوي في مدرسة بمانهاتن، الا انه لم يفقد لكنته الالمانية. وخلال دراسته، كان يعمل صباحا في مصنع لفرش الحلاقة، وفي الليل يحضر دروسه. وخلال دراسته في جامعة «سيتي كوليدج» في نيويورك عام 1943 استدعي الى الخدمة العسكرية، واستفادت القوات الاميركية المسلحة من لغته الالمانية، وعمل مترجما خلال الحرب في وحدة الاستخبارات، وبعد نهاية الحرب وهزيمة المانيا، انتقل الى المانيا حيث عمل في ترجمة اوراق الاستخبارات الالمانية، وساعد على القبض على الذين عملوا فيها. درس كيسنجر، بعد عودته من المانيا، في جامعة هارفارد. وقال بعض الناس انه كان اذكى طالب في تاريخ الجامعة لأنه حصل على اعلى رقم مع نهاية كل سنة من السنوات الاربع (لكن، فتش معارضوه وثائق الجامعة، ووجدوا انه حصل مرة واحدة على درجة اقل).

نال كيسنجر شهادته الجامعية في العلوم السياسية من جامعة هارفارد عام 1950، ثم نال الماجستير 1952، ثم الدكتوراه 1954 وكانت اطروحته عن الدبلوماسي النمساوي مترنيخ. ولم يخف كيسنجر حبه للرجل الذي وحد النمسا بالقوة، وترأس مؤتمر برلين الذي قسّم اوروبا (بعد سقوط امبراطورية نابليون بونابرت الفرنسية)، وافتخر بأنه يؤمن بالتدخل في شؤون الدول الاخرى لتحقيق اهدافه. وبعد ذلك ومع تبلور طموحه السياسي، عمل كيسنجر مستشارا لعمدة نيويورك في الستينات نيلسون روكفلر الذي سعى للترشح للرئاسة الاميركية عن الحزب الجمهوري 1960 و1964 و1968 بدون نجاح. لكن قدرات نيكسون ظهرت للعيان خلال هذه السنوات، والأفكار التي طورها مع روكفلر لفتت الانظار اليه، ولهذا عندما فاز نيكسون بالرئاسة 1968 لم يكن غريبا ان يعرض على كيسنجر منصب مستشار الامن القومي الاميركي، فوافق الاخير بدون تردد. وكان كيسنجر اول يهودي وأول شخص ولد خارج اميركا يعين في هذا المنصب، وانتقد ذلك بعض المعارضين. لكن،

قالت اغلبية الذين عارضوه وانتقدوه انها فعلت ذلك ليس لأن كيسنجر يهودي او اجنبي، ولكن لسببين آخرين: اولا، ركز كيسنجر في سياسته على «ميزان القوى»، وتأثر بالجنرال الالماني كارل كلاوسفتس الذي قال ان «الحرب امتداد للسياسة».

وتأثر بالدبلوماسي كلمنت مترنيخ، الذي وحد النمسا بالقوة. وتأثر بالجنرال الالماني اوتو بسمارك، الذي وحد المانيا بالقوة، ثم توسع داخل اوروبا بالقوة ايضا.

ثانيا، اتبع كيسنجر، في معاملته مع الناس والدول، اسلوب المناكفات والمناورات والمراوغات. وفقد، لهذا، بالاضافة الى اعدائه، اصدقاءه الذين لم يعودوا يثقون به. تفانى كيسنجر في عمله تحت رئاسة نيكسون (كمستشار للامن القومي من 1969 الى 1973، ثم وزيرا للخارجية حتى 1974 تحت رئاسة نيكسون، ثم اكمل وزيرا للخارجية حتى 1977 مع فورد بعد فضيحة ووترغيت واستقالة نيكسون).

ووجد كيسنجر هذه السنوات فرصة مناسبة لتطبيق نظريات كلاوسفتس، وبسمارك، ومترنيخ، وغيرهم من فلاسفة «ميزان القوى» و«السياسة الواقعية». ويعود الفضل الى كيسنجر في اتفاقية الوفاق بين اميركا وروسيا، وفي اعتراف اميركا بالصين. وخلال سنوات عمله اثبت كيسنجر انه استاذ السياسة الواقعية ليس على المستوى الاميركي، بل على المستوى العالمي، فهو وان كان من أشد المناصرين لمبدأ توازن القوى العالمية، الا انه ايضا لا يغفل أهمية المصالح بين الدول، ولهذا لم يجد صعوبة في الاقتراب من الصين وروسيا اللتين كانتا عدوتين ايديولوجيتين لدودين لاميركا، لكنها ايضا شريكتان محتملتان اقتصاديا واستراتيجيا.

وليس من قبيل المبالغة القول ان كيسنجر أهم وزير خارجية في تاريخ اميركا، وأكثرهم نفوذا وتأثيرا. وسنواته الذهبية كانت تحديدا بين 1969 و1977. وخلال هذه السنوات كان كيسنجر العقل المدبر لكل العلاقات الخارجية الاميركية. ولا تنطلق افكار كيسنجر من الايمان بجدوى التعاون الدولي على غرار جوزيف ناي، ولكن على اساس ان حماية امن اميركا ومصالحها ترتبط بتعزيز علاقاتها بالقوى الكبرى، حتى اذا كانت منافسة اقليميا او دوليا. وكجزء من هذا الاستراتيجية وقعت اميركا والاتحاد السوفيتي السابق اتفاقية «سالت ـ 1» من اجل الحد من انتشار الاسلحة الاستراتيجية والصواريخ البالستية مع الزعيم السوفيتي ليونيد برجنيف. وهذه الاتفاقية تعد حجر الاساس حتى اليوم في اتفاقيات منع انتشار الاسلحة الاستراتيجية بين اميركا والاتحاد السوفيتي السابق. ومن اجل الضغط على الاتحاد السوفيتي، قام كيسنجر بزيارتين سريتين الى الصين في يوليو واكتوبر 1971 والتقى مع رئيس الوزراء الصيني شو ان لاي، وقد مهدت هذه الخطوات الطريق امام قمة تاريخية بين كيسنجر وماو تسيتونغ زعيم الحزب الشيوعي الصين انذاك وشو 1972، ادت الى تطبيع العلاقات بين البلدين وانهاء مقاطعة سياسية استمرت 23 عاما. اما النتيجة الاهم، فكانت تشكيل محور صيني ـ اميركي لاحتواء النفوذ السوفيتي في اوروبا الشرقية واسيا، وفتح ابواب التعاون الاقتصادي والاستراتيجي بين الصين واميركا، وهو ما ادى الى ترك الصين تدريجيا سياسة الانغلاق الاقتصادي والمركزية في الادارة لتصبح واحدة من أهم القوى الاقتصادية في عالم اليوم، وبالتالي لا غرابة في ان يعرف كيسنجر حتى اليوم بين السياسيين الصينيين، بأنه «اقدم صديق للشعب الصيني». وبرغم ان كل ادارة نيكسون كانت بلا شعبية بسبب رفض الحرب، الا ان كيسنجر كان الاكثر شعبية بين المكروهين وذلك بسبب ذكائه، وبراعته الدبلوماسية. لكن هناك سببا اخر، وهو ان كسينجر لم يكن متورطا في ووترغيت بأي طريقه، وبالتالي وفيما استقال نيكسون والعديد من مساعديه، لم يضطر كيسنجر للاستقالة، وعرف بأنه «الرجل الوحيد النظيف» وسطهم. وفي وصفه لاستقالة نيكسون قال كسينجر «كانت مأساة على الطريقة الاغريقية. نيكسون اقتفى اثر طبيعته. وما ان بدأ الامر، لم يكن لينتهي الا بهذه الطريقة».

وربما يعود السبب في ان كيسنجر لم يكن على معرفة بفضيحة التجسس على مكالمات الحزب الديمقراطي، هو ان نيكسون لم يكن يثق به. وقد كشفت ذلك وثائق تسجيلات تلفونات نيكسون، التي اوضحت ان نيكسون لم يكن لا يثق فقط باليهود، ولكن كان، ايضا، لا يحبهم. وقال نيكسون مرة لكيسنجر انه لا يثق «بيهود وزارة العمل». وطلب من كيسنجر كتابة قائمة باسمائهم لمراقبة تلفوناتهم ومراجعة دفعهم للضرائب. كتب نيكسون في كتاب مذكراته: «يشكل اليهود شلة قوية وغنية، ويتفانون في خدمة اسرائيل» وكتب كمال فهمي، وزير خارجية مصر خلال مفاوضات وقف النار بعد حرب اكتوبر، سنة 1973، في كتاب مذكراته ان نيكسون كان يشير الى كيسنجر بأنه «الولد اليهودي». وكتب جون ارلخمان، مستشار نيكسون، في كتاب مذكراته ان كيسنجر كان يتعمد عدم الحديث عن يهوديته، بسبب نيكسون. وقد قلل ايزاكوف، مؤلف كتاب «كيسنجر»، من أهمية تأييد كيسنجر لاسرائيل، بسبب كونه يهوديا. وقال ان كيسنجر، طبعا، «حريص على امن اسرائيل، ويعرف انها محاطة باعداء، ويخشى من ان نهايتها ستكون كارثة اخرى لليهود، ليس فقط في اسرائيل، ولكن في كل العالم».

لكن كيسنجر، حسب كلام ايزاكوف، «انتقد اسرائيل عندما احس ان سياستها تهدد امنها». طبعا، لم ينتقد كيسنجر اسرائيل علنا، لكنه اكد مرات كثيرة انه نقل نقده الى قادة اسرائيل او الى قادة يهود اميركا خلال اجتماعات سرية. لكن كيسنجر الذي يكثر من المزاح، وتندر مرات كثيرة على اسرائيل، في صورة نقد غير مباشر،

قال مرة: «لو لم اكن يهوديا، كنت معاديا للسامية».

وقال مرة اخرى: «اي شعب ظلم الفي سنة لا بد ان يكون ارتكب خطأ ما». وكتب ايزاكوف ان مدلكا اسرائيليا كان يدلك كيسنجر في فندق في القدس، خلال واحدة من زياراته لاسرائيل.

وسأله كيسنجر: «ماذا تقولون عني؟» اجاب المدلك: «هل انت معنا او ضدنا؟».

وكما تمكن كيسنجر من التفاوض مع الصينيين والسوفيات خلال الحرب الباردة، تمكن من الحوار مع المصريين حول السلام بينها وبين اسرائيل بعدحرب 1973. وهو في هذا الصدد قال مرة

«لا يمكن ان ندخل حربا في الشرق الاوسط بدون مصر ولا يمكن ان نصنع سلاما بدون سورية».

وكما ارتبط اسم كيسنجر باسرائيل، ارتبط بحرب فيتنام. فقد وجد كيسنجر فيتنام، مرة اخرى، فرصة لتطبيق نظريات كلاوسفتس، ومترنيخ، وبسمارك. وفي دفاعه عن الحرب قال مرة «الحرب الفيتنامية حتمت علينا ان نركز على المصلحة القومية الاميركية، أكثر من المبادئ المجردة».

لكنه، فشل لأن الفيتناميين هزموه وهزموا فلاسفته. وجاءت الهزيمة على الطريقة الشرقية: بطيئة، وهادئة:

اولا، قال كيسنجر، سنة 1970، قبل الهزيمة بخمس سنوات، انه سيحقق في فيتنام «سلاما مشرفا»، وقاد وفدا الى باريس للتفاوض مع ثوار «فيات كونغ». وكان ذلك اول فشل، لأن الاميركيين كانوا يرفضون التفاوض مع «الاعداء».

ثانيا، اعلن كيسنجر نظرية «الفيتمنة» (سحب القوات الاميركية تدريجيا من المدن والارياف، وتسليمها للقوات والشرطة المحلية). وفشلت هذه ايضا لأن هذه القوات المحلية كانت ضعيفة او فاسدة او الاثنتين معا.

ثالثا، وسع كيسنجر نطاق الحرب، وذلك بضرب كمبوديا المجاورة لفيتنام، وذلك بحجة ان الثوار يتسللون من الاولى الى الثانية. لكن حرب كمبوديا، كما صور فيلم «حقول القتل» (الذي صدر بعد الحرب بثلاثين سنة) كانت، نفسها، كارثة انسانية واستراتيجية كبرى. وهكذا، رغم ان الصحافيين الاميركيين والشعب الاميركي ايدوا حرب فيتنام في البداية، لكنهم، بعد سنوات قليلة، احسوا ان كيسنجر اما اخطأ عندما وعد بتحقيق «سلام مشرف»، او اخطأ عندما لم يقدر على تنفيذ وعده، او الاثنين معا. وغضبوا على اسلوب كيسنجر الشخصي، على مناكفاته، ومناوراته، وحيله. وبالرغم من ان كيسنجر نال سنة 1973، جائزة نوبل للسلام بالاشتراك مع وزير خارجية فيتنام الشمالية، لي دوك ثو، الذي وقع معه اتفاقية نهاية الحرب، الا ان كيسنجر لم يقدر على ان يسافر الى النرويج ليتسلم الجائزة خوفا من المظاهرات المعارضة للحرب (تسلم الجائزة السفير الاميركي في النرويج، وارسلها له. كما رفض لي دوك ثو، وزير خارجية فيتنام الشمالية قبول الجائزة، ولم يسافر الى النرويج، ولم يرسل من ينوب عنه. قال ان الحرب لن تنته حتى تسقط سايغون، عاصمة فيتنام الجنوبية، وحتى تسقط حكومتها الفاسدة الموالية لأميركا. وحدث ذلك بعد سنتين.

لكن هذا لا شيء مقارنة بما سيأتي، فخلال السنوات الماضية فتحت أكثر من منظمة حقوقية قضايا بحق كيسنجر على أساس ارتكابه جرائم حرب في فيتنام وكمبوديا، وبعضها سلم الاميركيين طلبا لاجبار كيسنجر على المثول امام محاكمة دولية للنظر في التهم الموجهة اليه.

لكن سمعة كيسنجر لم تتضرر من هذا فقط، بل تضررت ايضا من توفير واشنطن دعما للديكتاتوريات في اميركا اللاتينية واسيا لمجرد عدائها للشيوعية. وأسوأ شيء تورط فيه كيسنجر كان موافقته على التدخل في شؤون تشيلي واطاحة الرئيس المنتخب ديمقراطيا سلفادور الليندي، وتنصيب حاكم موالٍ لاميركا هو اوغستو بينوشيه.

وخلال التحقيقات في جرائم حرب موجهة الى بينوشيه، طلب قاضي التحقيق استجواب كيسنجر. لكن بالنسبة لكيسنجر لم يكن هذا تدخلا سلبيا في الشؤون الداخلية لبلد اخر، بل كان اصلاحا لامر فاسد وهو قال في هذا الصدد «لا ادري كيف يمكن ان نقف لنراقب دولة تتجه للشيوعية بسبب عدم مسؤولية شعبها. القضية أكثر أهمية بكثير من ان تترك لشعب شيلي ليقرر هذا بنفسه»

وخلال سنوات عمله لم يتمتع كيسنجر بشعبية بسبب نهجه، فالليبراليون والمعادون للحرب، انتقدوه بسبب التدخل في شؤون الدول الاخرى، والصقور المناوئون للشيوعية انتقدوه بسبب سياسته التي تقوم على الحوار مع دول الكتلة الاشتراكية.

وهو في هذا وذاك كان يردد عبارتين شهيرتين له «كل نجاح يقود صاحبة الى مشاكل أكبر»، و«القائد لا يستحق هذه الصفة، ما لم يكن مستعدا في بعض الاحيان للوقوف وحده».

ترك كيسنجر منصبه كوزير للخارجية عندما فاز في انتخابات الرئاسة حاكم ولاية جورجيا الديمقراطي والقادم من خارج واشنطن جيمي كارتر عام 1976 على فورد. وقد انتقد كارتر كيسنجر حلال حملته الانتخابية قائلا انه ادار وحده السياسة الخارجية الاميركية لسنوات. لكن كارتر لم ينجح في ولايته الثانية، و

فاز الجمهوريون ثانية ممثلين في رونالد ريغان 1980. غير

ان دور كيسنجر في ادارة ريغان كان محدودا جدا، وذلك ان المحافظين الجدد الذين كانت لهم اليد الطولى في ادارة ريغان، لم ترق لهم افكار كيسنجر حول التعاون والانفتاح مع اعداء ايديولوجيين مثل الصين والاتحاد السوفيتي السابق. و

خلال السنوات اللاحقة كرس كيسنجر عمله في مجال الاستشارات السياسية، والتعليق والكتابة للصحف والقاء المحاضرات، الى ان عينه الرئيس الاميركي جورج بوش عام 2002 على رأس لجنة للتحقيق في هجمات 11 سبتمبر. غير ان الديمقراطيين عارضوا القرار، وقالوا ان كيسنجر لديه مشكلتان، الاولى انه يميل للسرية عموما، وان اي تقرير عن 11 سبتمبر ينبغي ان يكون بعيدا عن السرية، ثانيا ان هناك تضاربا في المصالح بين عمله في اللجنة واعماله الاخرى، وفي النهاية اضطر كيسنجر الى الانسحاب من رئاسة اللجنة 13 ديسمبر 2002 . وبرغم عمله المتواصل والقضايا الشائكة والصعبة التي كان يتابعها ومنها حرب فيتنام، والعلاقات مع الصين، والاتحاد السوفيتي السابق، الا ان كيسنجر كان يحب ايضا السهر والحفلات ..... كما كان كثير الظهور في المناسبات الخاصة، ....  كما انه يحب الرياضة ومعروف عنه انه يشجع فريق «نيويورك يانكيز»، وهو خفيف الظل يحب النكات، ويحب الضحك حتى ان لم يضحك مرافقوه او اصدقاؤه، وهو في كل هذا مستفيد من حالة النجومية التي يتمتع بها. فهو السياسي الذي كسر الحاجز بين السياسة وبين النجومية، وهو قال مرة في مزايا الشهرة والنجومية «افضل ما في الشهرة، هو انك اذا كنت تتكلم وأصيب الناس بالضجر، يعتقدون ان هذا خطأهم». تزوج كيسنجر مرتين، الاولى آن فلايشر وله منها اليزابيث وديفيد، والثانية نانسي ماجنيس. وحاليا يرأس «مؤسسة كيسنجر» للاستشارات، كما يكتب مقالات من آن لآخر في «واشنطن بوست» تعكس خبرته ورؤيته للسياسة الخارجية.

لكن ما الذي يتبقى من كيسنجر الأنيق المحب للحياة؟، على الارجح الجوانب المثيرة للجدل. فهو القائل ذات مرة ان «90% من سمعة السياسي الجيدة تذهب ضحية الـ10% من سمعته السيئة».

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية - 8-10-2006