مقالات و محاضرات

 

 

 

الفيدرالية.. الحل الامثل للمشكلة العراقية

 

 

عدنان أبو زيد

 

 

إن الامل كبير في بناء عراق حر، يخلو من فكر النخب التفكيكية والثقافة القروسطية التي أذاقت العراقيين الكبت عبرالحظر السياسي والتطهير العرقي والعنصرية، وان الخيار اليوم متروك لنا في استغلال فرصة التاريخ لتحقيق الفيدرالية القائمة علي أساس جغرافي لا علي أساس قومي او خطوط اثنية ليكون ممثلا للطوائف الساكنة فيه وليس لطائفة معينة، يكون متهيا لتلبية متطلبات الاندماج الاقليمي والهيكلية السياسية الحديثة التي تفرضها العولمة وما تتطلبها من عمليات توحيد للفعاليات الدولية ومشاريع التحررية الجديدة التي تعتمد السيادة فيها علي قوانين االسوق وما يتطلبه من انفتاح يحد من سيادة الدولة الحديثة اذا لم يكن نظامها السياسي منفتحا اصلا علي الداخل وممثلا لكل القوي السياسية والاجتماعية في المجتمع.

لكن الجدل ينحصر اليوم بعد ان استطاع الدستور العراقي ان يعبر بوضوح عن سياساته في شكل الكيان العراقي المستقبلي عن قدرة المرحلة القادمة علي تامين الاستقلال الداخلي وتدعيم ركائزه عبر سلطة مركزية فيدرالية قوية، وفي القدرة علي تامين حق الاستقلال الذاتي للآقليات. فالعراق الذي رزح تحت وطئة ادارة مركزية قوية سعت الي تقوية الهاجس بان العراق بدون المركزية سوف يقسم الي اشلاء، يقف اليوم امام خيار الفيدرالية أو النظام الاتحادي كضرورة وطنية تلغي هاجس الانفصال وتحقق العدالة وتؤكد الهوية ولعله اليوم اقرب مايكون لتحقيق حلا حضاريا لإشكالية المجتمع المتنوع قوميا ومذهبيا ودينيا وسياسيا بتاسيسه الدولة الفيدرالية القائمة علي التوازن بين السلطة المركزية وادارة الاقليم ضمن حكم مؤسساتي يلغي النمط الفردي في اتخاذ القرار، ويلغي تقسيم الدولة بتمكين المؤسسات الدستورية الجامعة لكل الاقاليم من النهوض بواجباتها.

إن شكل السلطة في العراق اليوم يوحي بقوة ان سلطة القرار تمتلكها مراكز متعددة ترسخ السلطة المشتركة بين الاعضاء لادارة مركز السيادة العامة الواحدة التي تلغي تعدد مراكز السيادة الممثلة بكل بكل طرف، فالخصوصيات الجغراقية والاجتماعية والدينية والعرقية المتعددة ستكون عوامل واضحة في اتخاذ القرار المركزي الواحد.

كانت سياسة الادارة المركزية في ظل النظام السابق تقوم علي اساس الغاء الدور الذي تقوم به المدينة او الاقليم ولم تشهد مدينة عراقية واحدة انتخابات حرة للحاكم المحلي بل كان يتم ذلك علي اساس الولاء للدكتاتور، والتنقيذ الاعمي لارادته، وليس علي اساس الكفاءة والمقدرة فرئيس الجمهورية يعين الولاة والمحافظين من شاغلي المناصب الدستورية والتنفيذية بدون ان تكون للآجهزة الرقابية في المستوي الولائي أو المحلي القدرة علي محاسبة الولاة، وكان حاكم الاقليم والمدينة جاهلا لكافة اختصاصاته ولم يكن ثمة دستورا اقليميا واضحا يتم عبره اصدار القوانبن.

واللافت للنظر ان النظام السابق لم يسمح للتوازن بين السلطة المركزية والسلطات المحلية وكان تمثيل ادارة الاقليم شكليا او معدوما مما اتاح لدور الفرد ان يتضخم علي حساب المؤسسات الدستورية لتضمحل المشاركة في مؤسسات الدولة متحولة الي تبعية لنظام شمولي تتمحور في شخصه كل السلطات. ولم يكن النظام السابق قلقا قدر تعلق الامر بالمشاركة السياسية في ادارة الدولة، لذلك ابتكر من الاساليب والحيل ما لم يعهد به التاريخ من قبل، بغية احكام تفرده في السلطة واشباع رغباته الوصولية واستغل مبدأ السيادة الوطنية ستارا تتحصن فيه دكتاتوريته الاستبدادية، بل وصل الامر الي حد انك لاتجد فصلا واضحا بين السلطة التنفيذية والتشريعية، فصارت فوضي القانون واللاشرعية واهدار الحقوق ميدانا كثرت فيه الاخطاء وعمت بين جوانبه الفوضي. لقد كرست النظرة الاحادية العنصرية insular في العراق وجها واحدا غيبت فيه الوطنية العراقية واختلطت عنده اوراق الدين والسياسة، بغية تمرير اهداف البقاء لاطول فترة ممكنة في السلطة والتي كانت سلطة ثقافية لطائفة بعينها تعمدت إلغاء ما دونها من ثقافات لتستأثر بالسلطة لذاتها، تاركة الثقافات الاخري مهمشة لاتستطيع القيام بتحالفات بغية تفتيت المركز. ولم تر الدولة العراقية حداثة او مدنية، تكون تمهيدا لدولة ديمقراطية بل ترسخت مع مرور الزمن مفاهيم عفي عليها العصر من قبلية وعشائرية وعمل (بضم العين) علي تكريس واقع لا يمثل التكوين الجغرافي والتاريخي والاجتماعي العراقي ومراحل تطوره التاريخية، كما ان معيار تقاسم السلطة القائم علي تقاسم السلطة والثروة في المجتمع، قد استبدل بالاستحواذ ماديا وفكريا علي الاتجاهات الاخري سياسية كانت او طائفية او قومية.

دولة فيدرالية

إن تحويل نمط الدولة من سلطة القبضة الحديدية الي دولة فيدرالية تحكمها المؤسسات الدستورية وتتوزع فيها السلطات، يقدم حلا مثاليا لاشكالية التنوع العرقي والاقليمي في العراق ويبعد مخاطر الانفلات والتجزئة عبر ترسيخ الاستقلالية والحرية. ولعل الفيدرالية اليوم تمثل حلا عادلا، تستدعيه التعددية في المجتمع، العرقية والاثنية والثقافية، لتلافي الصراع الذي يمكن ان ينشا حول توزيع الثروة والسلطة، لتجد القوي الاجتماعية في ظل الفيدرالية وقد وازنت بين خياراتها الاستقلالية وثوابتها الوطنية.

إن تاريخ تطبيقات الفيدرالية في العالم يثبت صحة هذه النظرية، التي بدأت في العصر الحديث كتجربة ناجحة جدا في نظام الولايات المتحدة الامريكية الذي تأسس بين عامي 1787 و1789، وفي سويسرا التي تعد تجربتها الاكثر استقرارا ونمواً منذ 1848، والمانيا الفيدرالية التي تحولت الي قوة عملاقة في القرن الماضي والامارات المتحدة التي شكلتها فيدرالية من سبع دول مستقلة (أبو ظبي، عمان، دبي، الفجيرة، رأس الخيمة، الشارقة وأم القيوين)، كما نجحت (بلجيكا) في الفيدرالية ونادت بتعميم هذه الفلسفة في جميع دول أوروبا التي اختارت الاتحاد الفيدرالي وجها حضاريا تطل به علي العالم.

ولا ننسي الهند الفيدرالية التي بزغت شمسها في عام 1949 حيث صاغ (كريبس) نظام الحكم الاتحادي الفيدرالي فيها، ورغم المصاعب التي واجهته والاتهامات بالسعي لتقسيم الهند، الي ان التصميم والارادة السياسية والثقة بالمستقبل جعلا من الهند قوية متراصة رغم التنوع العرقي واللغوي فيها، فحصل الناطقون بلقة التبلوق والناطقين بالقوجرات وبالماراثي، كل علي استقلاله الذاتي، وكان ذلك في نظر نهرو مصدر قوة للهند وليس ضعفا وقد صدق في ذلك، ولا ننسي روسيا وباكستان والبرازيل والارجنتين وكندا واستراليا والمكسيك، حيث فرضت الفيدرالية نفسها كحل عادل لاشكالية التنوع.

التنوع العرقي والطائفي

إن الحل الدائم لاشكالية التنوع العرقي والطائفي في العراق لم تحلها الحكومة المركزية في العراق يوما ما حلا نهائيا مما جعل الانفصال عن الوطن الام خطرا محدقا، واتاح للفتن والحروب ان تزيد من الاحقاد والخسائر، فمنذ 1921 كانت سلطة الدولة مركزية احادية النظرة وكان نظرتها في منح الاقاليم حكما ذاتيا حقيقيا خطوة تكتيكية بحتة بغية كسب الوقت لذلك كانت سببا في الحال الكارثي الذي وصل اليه العراق في ما بعد، واتاح للسلطة الفردية ان تقوي شوكتها لتقضي علي كل اشكال الحوار والديمقراطية، لتفقد التكوينات السكانية خصوصيتها التاريخية والجغرافية والقومية رغم ان الدستور العراقي ينص علي شراكة القوميات والطوائف في الوطن العراقي..

إن الخطر المحدق في مستقبل العراق لن يكون بالفيدرالية بل في فرض مجموعة علاقات ثقافية معينة علي بقية الثقافات والاعراف، ليكون استعلاءا في صور مختلفة، لاسيما وان العراق يضم تيارات تقف علي ارضيات فكرية وانثروبولوجية مختلفة يجب ان لاتسبعد هوياتها بل تكون جزءا من الهوية العراقية التي استغلها النظام السابق بلغة متحيزة في تفسير التاريخ علي انها هوية استعلائية الغائية لاتؤمن بالتكيف التلقائي للثقافات بل تعتمد تذويبها وتهميش دورها المشارك في الثقافة الوطنية الجمعية.

رياح العولمة

الآن وقد تغير الزمن العراقي، بزوال صدام اولا، وتزامن هبوب رياح العولمة علي العالم، اصبح من الضروري ان تنطلق رؤانا السياسية نحو آفاق مفتوحة وابعاد اكثر تواصلا في الزمان والمكان، وان نوازن بين محورين (البنيوي والاصطفائي)، فلا يبقي العراق في عزلة نائية بعيدا عن المتغيرات الحضارية كما يجب تكييف تلك المتغيرات مع الواقع العراقي حتي لا يبقي العراق اسير ماضيه، ولا يكون ذلك الا بالية الانطلاق بمعطياته المحلية مواكبا التحولات العالمية وموازنا بين ارثه التاريخي وانطلاقته العالمية وعبر توازن ايكولوجي بين الارض والصحراء، بين الدولة وخصوصيات الاقاليم، مجردا العقل العراقي من رواسب العقود الماضية التي رسخت التفكيكية واوجدت علاقة بين الانتماء الاثني والشخصية تعلو علي العلاقة الوطنية.

تثير الفيدرالية اليوم جدلا واسعا بين الذين يخافون اثارها المستقبلية، مثلما تثير خوفا وارباكا في صفوف الذين يكرسون ثقافة الثوابت غير القادرة علي مجابهة وسط يطفح بالمتغيرات فتكون استجابتها محددة بثوابت وطنية تارة ودينية تارة اخري او لغوية في بعض الاحيان، كما يصنفها اولئك الذين يقفون علي طرفي نقيض بين شوفينية تتلبس تلك الثوابت وقوي اجتماعية فيدرالية تسعي للانقضاض علي ارث النظام السابق من ثقافة مركزية احادية وحزب واحد بغية الحفاظ علي الكيان العراقي ووحدته التاريخية.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر:كتاب العراق-7-10-2006