مقالات و محاضرات

 

 

 

روسيا بوتين تستعيد قوة ودوراً يسرع إليهما العطب

 

  

 

راجان مينون والكساندر موتيل

 

 

تذهب مقالات صحافية كثيرة الى أن روسيا فلاديمير بوتين تستعيد الحيوية والقوة، وتخلص الى ان على الغرب الإقرار بالواقعة الجديدة، وإرساء علاقته بروسيا على مقتضاها. ولكن الحق ان ما تذهب اليه المقالات هذه لا يعول عليه، وروسيا لا تزال ضعيفة، وربما تزداد ضعفاً. وإحدى القرائن التقليدية على القوة هي القرينة العسكرية.

ويقال ان موسكو تختبر أنظمة صاروخية متطورة تتفوق على النظام الصاروخي الأميركي المضاد للصواريخ البالستية، وتتمتع برؤوس متفجرة تتجنب الصواريخ التي تعترض طريقها. وهذا النظام، ويعرف بصاروخ «بولافا»، اختبر اطلاقه من الغواصات، في الاسبوعين الأولين من ايلول (سبتمبر) الجاري. ولكن تجربة الإطلاق لم تنجح. ولا يصدق الكلام على تفوق نظام صاروخي لم يعمل أصلاً. والنظام الصاروخي جزء من القوات المسلحة. وثروة روسيا النفطية لم تغير شيئاً يذكر من احوال القوات المسلحة الروسية. فهي لا تزال ضعيفة التدريب، سيئة التغذية والتموين، محبطة المعنويات، يفتك فيها الادمان على المخدرات والكحول، وينخرها الفساد والتهريب. والاسلحة الروسية يدب فيها الهرم، ويصيبها التقادم. وجديدها تشتريه الجيوش الأجنبية فوق ما يشتريه الجيش الروسي، فالهند ابتاعت دبابات روسية جديدة فوق ما جهز به الجيش الروسي منها منذ 2001.

ونسبة 7 في المئة نمواً الروسية، بحسب صندوق النقد الدولي، إنما نجمت عن زيادة أسعار الطاقة وليس عن نمو الانتاج الداخلي أو انتاجية الصناعة. والاستثمارات الجديدة في الانتاجية قليلة، ولا قبل لها بالمحافظة على مستويات الصادرات القائمة. وفي الاثنات، توقفت الاصلاحات الاقتصادية، وتعاظمت سيطرة الدولة على القطاعات الاستراتيجية. ولا تزال الاستثمارات الأجنبية قليلة. ففي 2004، بلغت الاستثمارات الاجنبية في العالم 684 بليون دولار، قصد منها 11.6 بليوناً روسياً. ومن 62 بلداً صنفتها مجلة «فورين بوليسي»، حلت روسيا المرتبة 52 على سلم معايير العولمة والاستفادة منها. فكانت في المرتبة 47 في 2004. والسبب في هذا التردي هو انهيار الموارد البشرية. فالسكان يتناقصون 750 ألفاً، متوسطاً سنوياً. وتتعاظم نسبة وفيات الذكور على نحو غير مألوف، ويشيخ السكان بسرعة، وتتناقص انتاجيتهم. وتعاني روسيا أعلى متوسط اصابة بالسل بأوروبا، والإصابة بالإيدز (السيدا) تتفاقم، شأن معدل الانتحار: انتحر 71 ذكراً من 100 ألف بين 1998 و2003، بحسب منظمة الصحة العالمية.

واذا قيست قوة الدول بقوة هيئاتها ومؤسساتها، تبد ضعف روسيا على نحو جلي. وكان ثمن بسط بوتين النظام على الحياة السياسية الداخلية تقويض سلطة البرلمان، وإضعاف المنظمات المدنية المستقلة والاحزاب السياسية والإعلام. ويتولى كبار الموظفين في أسلاك الاستخبارات والجيش وقوات الامن مناصب سياسية بارزة، وينقلون معهم استخفافهم بالقانون. ويتفشى الفساد في الادارات العامة من غير ضابط ولا قيد. وفي حقل العلاقات الخارجية، أقرب حلفاء روسيا، شأن قرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان، دول فقيرة. وكازاخستان وتركمانستان الغنيتان بالنفط تتبرمان بالسيطرة الروسية على صادراتهما من الطاقة. وتعاني أرمينيا عبء خلافها مع أذربيجان على اقليم ناغورنوقاراباخ. وحمل تدخل روسيا في جورجيا الجمهورية الجبلية على الانحياز الى حلف شمال الأطلسي، والاعداد للانضمام اليه. وتلقى رغبة رئيس بيلوروسيا في احياء الاتحاد مع روسيا صدوداً روسياً سببه استبداد لوشينكو وفظاظته المنفرة.

ولا شك في بروز دور روسيا في العلاقات الدولية ومنازعاتها. فهذا الدور حاسم في المفاوضات على برنامج ايران النووي، شأنه، من طريق مجلس الأمن وحق النقض الروسي فيه، في قضية استقلال كوسوفو وقوة حفظ السلام بلبنان، وغيرهما. ولكن النازع القومي والامبريالي الروسي يغلب على نهج بوتين وآرائه، ويصبغ بصبغته مواقفه. فيثير الحذر والخشية في الشركاء والحلفاء المتوقعين. فيستوقف المراقبين تعاظم الجرائم العرقية بروسيا، وتعالي أصوات روسية تطالب بطرد الأقليات القوقازية من المدن. وتنذر هذه النزعات في مجتمع كثير الاعراق والديانات بشرور مستطيرة. والقول ان على الغرب قبول روسيا على ضعفها ليس في مصلحة روسيا. فالدول التي تبالغ في تقدير قوتها تنتهي بها الحال الى الوقوع في شرك أوهامها، وتوقع الدول الاخرى في هذا الشرك.

*عن راجان مينون (من جامعة ليهاي) والكساندر موتيل (جامعة روتغرز)

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبان في المصدر المذكور.

المصدر: ICAWS نقلاعن نيوزويك-2-10-2006