سياسة أمريكية جديدة في الشرق الأوسط

 

 

 

عبد المنعم سعيد

 

أعداء وأصدقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ـ والعالم كله ـ يتفقان على أمر واحد وهو أنه لا يمكن تجاهل واشنطن عند إجراء حسابات العداء أو الصداقة، هذا بالطبع إذا كانت هناك حسابات من الأصل. فعندما تستحوذ دولة على 30% من الناتج العالمي، ويكون لديها ميزانية دفاعية ـ أو هجومية في الحقيقة ـ تساوي تقريبا كل موازنات الدفاع ـ والهجوم أيضا ـ في العالم فإنك تصبح أمام كائن عملاق إذا ما تصرف بذكاء فإنك تكون أمام كارثة عظمى سواء كنت صديقا أو عدوا، أما إذا تصرف بحماقة فإنك تصبح أمام عدة كوارث مجتمعة.

وربما كان أهم ما شرح السياسة الأمريكية خلال عصر بوش تلك المقابلة التي أجراها لاري كينج مذيع شبكة السي. إن. إن الأشهر في الرابع من يوليو الماضي عندما سأل الرئيس الأمريكي عن تزايد المشكلات في عهده ومقاومتها للحل؛ وجاء رد الرئيس مذهلا وهو أن إدارته تدير السياسة العالمية بطريقة مختلفة عن الإدارات السابقة، فهي لا تنتظر ظهور المشاكل، وإنما هي تسعى إليها وتهاجمها بقوة. وبالنسبة للشرق الأوسط بدت هذه الطريقة من الإدارة كمثل طبيب جراح فتح قلب مريضه من أجل توسيع الشرايين، ثم وجد أن الكلى تعاني من مشكلة أخرى فقرر فتح الطريق إليها لاستئصال المشكلة، وهناك كان قد قدر أن هناك مشاكل أخرى في الكبد والمثانة والمخ أيضا ففتحها جميعا. ومن الطبيعي في هذه الحالة ألا تسأل عن حال المريض وكم من الوقت سوف ينتظر بعد نزيف مستحكم حتى ينتقل إلى الرفيق الأعلى. وفي الشرق الأوسط كان الحال كذلك، فقد كانت العملية الجراحية الأصلية تجرى في أفغانستان، ثم جرت عملية أخرى في العراق، وما بين هذا وذاك كانت هناك عملية جراحية عظمى تحت راية الإصلاح في كل العالم العربي والإسلامي؛ وبالطبع كان في المنطقة جروحها المفتوحة من الأصل في فلسطين ولبنان والصومال والسودان، وكان للولايات المتحدة في كل واحدة منها إصبع ويد. وبعد ذلك لا ينبغي لأحد في العالم العربي والعالم الغربي أن يستغرب من حالة عدم الاستقرار السائد في المنطقة أو تلك الحالة من الانتظار الدائم للكارثة المقبلة.

والحقيقة أنني لست من المدرسة التي تحمل الولايات المتحدة كل مصائب الكون، وبالذات كل مصائب الكون الإسلامي والعربي، فهؤلاء مثلهم مثل غيرهم في الدنيا يتحملون النصيب الأكبر من المسؤولية عن أحوالهم ومصائرهم. ولكنني أيضا لست من هؤلاء الذين يعفون واشنطن من المسؤولية الواقعة على عاتق الدولة العظمى الوحيدة في العالم، وهي بمثل هذه المكانة تضع نفسها في موضع المساءلة السياسية والتاريخية. ولذلك فإن المؤكد هو أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تدر لا مصالحها ولا مصالح العالم بكفاءة كبيرة ولذلك فإن الصيحة الكبرى الآن في كافة المؤسسات الأمريكية هي إعادة تقييم سياستها الخارجية. وحتى هذه اللحظة فإن النقاش لا يزال في مراحله الأولية، وكالعادة في المراحل الأولية فإن أصحاب الرأي ينقسمون إلى مدرستين في حالة استقطاب حاد. واحدة في المعارضة تقول بالانسحاب الكامل من الشرق الأوسط وخاصة العراق، وأخرى في الحكم تقول بضرورة السير على نفس الطريق لأن المعارك لا ينسحب منها وهي في منتصفها وإلا سببت كوارث إستراتيجية عظمى.

ولكن هذه الحالة البدائية من النقاش لا يلبث الجميع أن يتجاوزها لكي يصل إلى رؤى وسياسات مركبة، وأثناء الصراع الأمريكي/ الغربي مع الشيوعية كانت هناك لحظات بدا فيها الأمر وكأن القسمة غلبت للمعسكر الاشتراكي ما بين نيكارجوا وفيتنام حتى تم إعادة رسم السياسة بشكل معقد ومركب خلال الثمانينيات فإذا بالشيوعية ومعها حتى الاشتراكية تذهب إلى حيث رجعة. هذه المرة فإن المعركة مختلفة وهي لا تقوم على صراعات دول وتحالفات أمم بقدر ما هي صراع على عقل وقلب العالم سواء كانت المواجهة مع أعداء العولمة من بقايا اليسار العالمي أو من أعداء العولمة من الأصوليات الإسلامية التي تستخدمها بمهارة في نفس الوقت. وربما وضع الباحث الأمريكي بيتر سينجر بمعهد بروكينجز يده على المعضلة في السياسة الأمريكية عندما نظر في توزيع الموازنة الأمريكية المخصصة للمواجهة فوجدها موزعة بحيث يحصل الجيش الأمريكي على 560 مليار دولار، بينما تحصل وزارة الأمن الداخلي على 55 مليار دولار بخلاف تسعة مليارات تحصل عليها من حكومات الولايات، أما ما هو موجه لاكتساب عقول وقلوب العالم فلا يزيد على 540 مليار دولار يخصص منها 27% فقط على العالم الإسلامي كله.

وهنا يظهر الخطأ الإستراتيجي الأمريكي الأول وهو أنها تحارب حربها الحالية ضد الإرهاب والأصوليات الإسلامية المتنوعة بنفس طريقتها في الحرب ضد الشيوعية حيث ارتكزت في الأساس على فكرة «الردع» أو القدرة الشاملة على الإيذاء والعقاب. وعندما حاولت موسكو مجاراتها على نفس الطريقة كانت النتيجة الإفلاس الكامل للنظام الشيوعي كله بعد أن ظهر برنامج حرب الكواكب وكأنه حفرة كبرى كلما جرى الحفر فيها ابتعد الإنسان عن سطح الأرض. والحقيقة أن فكرة الردع بالمعنى الاستراتيجي ليس لها معنى في السياق الحالي للصراع في الشرق الأوسط؛ كما أن المسألة ليست مجرد حالة من الدعاية التلفزيونية التي ثبت أيضا فشلها لأن كل أدوات الإعلام والإعلان لا تستطيع أن تسوق بضاعة ـ أو سياسة ـ فاسدة من الأصل.

وهنا يقترب النقاش الأمريكي إلى لب القضية فالمسألة ليست مجرد أخطاء تكتيكية أو فشلا في إدارة الموارد بكفاءة وإنما المسألة كامنة في قلب الإستراتيجية نفسها والتي بات مطروحا تغييرها من «الردع» الذي لا يردع أحدا إلى «الشرعية» حيث شرط القبول هو أساس العمل السياسي. وبهذا المعنى فإن «الشرعية» تعني بناء للتوافق سواء كان على مستوى العالم بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن وخاصة الدول الخمس الدائمة العضوية أو مع دول الإقليم الرئيسية، وإعادة تركيب الموارد الأمريكية لكي تتوافق مع ذلك كله. وبهذا المعنى أيضا فإن الإستراتيجية الممكنة لا يمكن استعارتها من عصر مضى، ولا بد لها وأن تكون متوافقة مع العولمة حيث توجد علاقات العرض والطلب، والأخذ والعطاء بين الدول والأمم والجماعات والأسواق، وحيث يوجد شرط الرضا والقبول. وضمن ذلك كله، ودون خوض في كثير من التفاصيل، فإن حل القضيتين العراقية والفلسطينية يقعان على رأس جدول الأعمال.

هذا النقاش في الولايات المتحدة لا يزال جاريا، وكما هي العادة فإنه يحتد أحيانا وهو أكثر احتدادا في هذه المرحلة بسبب معركة التجديد النصفي للكونجرس، ولكن التراب المتصاعد من المعركة الانتخابية سوف يستقر بعدها، وساعتها فإن تغييرا استراتيجيا في السياسة الأمريكية سوف يكون ممكنا، وهو تغيير سوف يقوم في جوهره على البحث عن حل مع الفرقاء العالميين والإقليميين لمشاكل طال بحثها عن حل. وهكذا، ولو كان هذا التحليل صحيحا، فإن العالم العربي وخاصة قواه الرئيسية لا بد وان تكون مستعدة لعملية دبلوماسية وسياسية ومعقدة، بل وبالغة التعقيد!.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-4-10-2006