مقالات و محاضرات

 

 

 

جولة رايس.. هل ثمّـة فُـرصَة للسّـلام؟

 

 

 

د. حسن أبوطالب

 

 

في كل مرة تأتي فيها وزيرة الخارجية الأمريكية إلى المنطقة، يسبقها تساؤل منطقي، هل لديها جديد، وماذا تريد من المنطقة وماذا تريد لها؟

الإجابات الأمريكية لم تكن يوما واضحة في السابق ولا في اللحظة الجارية، فهي تخلط بين الفوضى المقصُـودة والاستقرار المنشود، وترفع شعارات التغيير ولا تقبل بنتائجه، حتى ولو كانت ديمقراطية خالصة.

ووفقا لما قيل، أمريكيا، حول أسباب الجولة الراهنة، أن ذلك أمر من الرئيس بوش لتنشيط المسار الفلسطيني وفقا لخطّـة خارطة الطريق، وللتشاور والتنسيق مع دول الاعتدال في المنطقة. وما بين الأمرين، تبرُز علاقة مُـباشرة بين الوضع الفلسطيني والهمّ الإيراني، أمريكيا.

انتقادات عربية وإخفاق أمريكي

يمكن أن نضيف أن الانتقادات العربية المُـباشرة والضمنية حول إخفاق الدور الأمريكي في عملية السلام، التي شارفت على الموت أو ماتت بالفعل، حسب تصريحات شهيرة لعمرو موسى، أمين الجامعة العربية بعد ثلاثة أيام من بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان، ومُـحاولة العرب إعادة القضية برمّـتها إلى مجلس الأمن الدولي، رأت فيه الولايات المتحدة تحرّكا رمزيا، ولكنه يضُـر بسُـمعتها كراعية مُـهيمنة على المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، ومن هنا، كان لابُـد من تحرّك ما مُـضادّ، هو ما نراه في جولة رايس، لعلها تخرج منها بتحرّك هنا أو خُـطوة هناك تُـفيد في القول بأن الرعاية الأمريكية ما زالت فاعلة، وأنها الوحيدة القادرة على تحريك الأمور.

ومع ذلك، يبقى السؤال: هل سيكون هذا التحريك المنتظر شاملا، أي يصُـب في إحياء مفاوضات شاملة في مدى زمني معقول، وصولا إلى الشعار الأمريكي نفسه "دولتان تعيشان في سلام قابل للاستمرار" أم أن الأمر لن يخرج عن خُـطوات رمزية فاقعة اللّـون، تشدّ إعلاميا ليوم أو اثنين ـ من قبيل الإفراج مثلا عن مبلغ مالي كبير يوجّـه للرئيس محمود عباس لفَـكّ أزمة السلطة المالية وإنهاء أزمة الأسير الإسرائيلي لدى فصائل المقاومة الفلسطينية، مقابل الإفراج عن عدد من الأسرى الفلسطينيين ـ ثم تعود الأمور إلى طبيعتها المأزومة؟

بيئة الجولة

إن جولة رايس، شأنها شأن أي نشاط سياسي دولي، لا ينفصل عن البيئة التي يُـجرى فيها، ولا عن توازن القوى الذي يُـحيط بأطرافها ولا عن الأهداف الحقيقية لكل طرف، وهذه العناصر الثلاثة مُـجتمعة يُـمكنها أن توفّـر الإجابات الأقرب للحقيقة لكل التساؤلات التي تُـحيط بهذه الجولة.

فعُـنصر البيئة مثلا، يُـقصَـد به الظروف الكلية التي تمر بها المنطقة، وهي ظروف أزمة مُـستحكمة وممتدة منذ زمن، بيد أن الجديد فيها هو النتائج التي أفرزها العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان، بما فيها من مصاعب مُـتزايدة بالنسبة للحكومة الإسرائيلية نفسها، رغم كل التغطية السياسية والدبلوماسية التي وفَّـرتها واشنطن ولندن، لاسيما أثناء العدوان، وما زالت قائمة بصُـور مختلفة.

والنقطة الأهم هنا، والجديرة بالملاحظة، أن هذا العدوان بكل ملابساته قد طرح ضرورة البحث في سلام شامل، لأن بقاء الأوضاع على حالها، لاسيما التَّـدهور المُـتتابع في القضية الفلسطينية، من شأنه أن يدفع بالمنطقة إلى حرب تلْـو أخرى، وأن يزيد من جاذبية ومصداقية الجماعات العنيفة، سواءٌ من قبيل القاعدة وملحقاتها، كما هو في العراق، أو الفصائل الفلسطينية المقاومة المسلحة.

وخروجا من هذه الدائرة المُـفرغة، تناثرت أفكار عربية وفرنسية وروسية وإسبانية، وحتى بريطانية، حول ضرورة إحياء عملية سلام شاملة من خلال عقد مؤتمر دولي يُـوظف نتائج العدوان الإسرائيلي على لبنان، لاسيما البيئة النفسية الجماعية في المنطقة، على أن يضع لنفسه جدولا زمنيا للوصول إلى حلول مناسبة وقابلة للحياة.

العودة إلى الرعاية الدولية

كان معنى هذا الطّـرح ولا زال، أن يُعاد الملف الفلسطيني الذي يمثل بُـؤرة الأزمة في المنطقة ككل، إلى الجُـهد الجماعي الدولي، وبالتالي، يخرج من تحت الوصاية الأمريكية والإسرائيلية المنفردتين.

وبالطبع، لم يكن هذا ليُـرضي تل ابيب أو واشنطن، اللتين تعَـتبران أي تدخل ثالث في الأمر، سيُـفيد الفلسطينيين، لاسيما المتشدّدين منهم، وسيعني فشلا أمريكيا ذريعا، وسيُـخرج مصير المنطقة جُـزئيا من تحت أيديها، وسيَـحرم إسرائيل من حقوق الفيتو والاعتراض، التي تُـمارسها بكل حرية، وسيُـقيد حركتها في فرض وقائع على الأرض الفلسطينية المحتلة.

واختصارا، كان المطلوب، أمريكيا وإسرائيليا، هو إفشال أي دعوة لإعادة الملف الفلسطيني وملف عملية السلام إلى أي حاضنة دولية جماعية، سواء مؤتمر دولي أو مجلس الأمن. وكان طبيعيا أن تعتَـرض أمريكا على المَـسعى العربي للتوجّـه إلى مجلس الأمن، ولكنها قبلت الأمر في حدود ما جرى، أي جلسة خاصة يستمع فيها وزراء الخارجية للرؤية العربية أو بمعنى آخر، يأخذون علما بالمطالب العربية، دون أن ينتُـج عن ذلك موقف عملي.

هذا التصرف العربي يصُـب في إطار رمزي وحسب، وفقا لقول عمرو موسى، ولم يخلُ من رسالة مَـفادها أن عملية السلام لم تنجح في إطار المفاوضات، ومن ثم، كان يجب أن تعود مرة أخرى إلى مجلس الأمن وإلى المجتمع الدولي، ليخطر رسميا بأن عملية السلام توقّـفت وأن هناك تراجُـعا ومخاطر كثيرة تترتّـب على ذلك.

وبالرغم من قيمة الرسالة الرمزية، فإنها لا تخلو من توضيح لطبيعة توازن القوى السائد في المنطقة. فالتحرك الرمزي، وأيّـا كانت قوته واعتباره، السقف المنشود للحركة العربية المُـتاحة، يكشف عن غياب البدائل الحقيقية التي تقود إلى إعادة الاعتبار لعملية السلام الشاملة.

وما دام هناك تمسك بخيار استراتيجي وحيد، فكيف يمكن إقناع الآخر بأن الأمور قد تتطَـور إلى ما لا يُـحمد عقباه؟

الإفشال وحده لا يكفي

إن الإفشال الأمريكي للمسعى الرمزي العربي لم يكن كافيا وحده، إذ لابد من بديل، ولو رمزي، مُـضاد يُـعنى بتحقيق بعض التطورات، قد يتم تصويرها على أنها إنجاز كبير وأنها البشارة التي بشّـر بها الرئيس بوش من قبل حول سلام واستقرار ودولة فلسطينية تعيش في سلام مع جارتها إسرائيل، وهذا البديل يتمثّـل في جولة رايس، والتي يُـراد منها إقناع العرب والعالم أن واشنطن مازالت حريصَـة على حقوق الفلسطينيين، بعد أن يدفعوا الثمن المناسب لذلك.

وهكذا تتّـضح الأهداف الأمريكية الحقيقية وراء تلك الجولة، ممثلة في تهدئة مشاعر الغضب العربية واحتواء بعض النتائج غير المباشرة للعدوان الإسرائيلي على لبنان، لاسيما صُـعود روح المقاومة ومُـحاولة استيعاب الإضافات المعنوية، التي حققتها إيران وحزب الله اللبناني لدى قطاعات عريضة من الشعوب العربية. والأهم من ذلك، قطع الطّـريق على أي مُـحاولة عربية أو دولية لعقد مؤتمر سلام أو تغيير الولاية لعملية المفاوضات العربية الإسرائيلية.

البُـعد الإيراني

وفي كل هذه الأهداف الأمريكية، يوجد بُـعد إيراني ظاهر. فتقوية ما يُـسمى بتيار الاعتدال العربي من خلال إثبات سلامة مواقفه بشأن المفاوضات كخيار وحيد لحل المشكلات والأزمات مع إسرائيل، يعني بالمقابل إضعاف السياسة الإيرانية الداعمة لقوى المقاومة وخطوة لتفكيك التحالفات بين إيران وقوى عربية مهمّـة، كسوريا وحزب الله اللبناني.

وما دامت أمريكا داعمة لتيار الاعتدال العربي، ممثلين في الدول الخليجية الستة ومصر والأردن، حيث سيجتمع وزراء هذه الدول مع رايس في محطة القاهرة، فلن يكون مُـستبعدا أن تطلب أمريكا تأييدا مُـباشرا وواضحا في مساعيها لعزل إيران وفرض عقوبات عليها، نتيجة تمسُّـكها بحقّـها في التخصيب النووي السلمي، وربما طلبت أيضا مباركتهم لأي عمل عسكري أمريكي مُـحتمل ضدّ الجارة إيران.

هذه المطالب المتوقّـعة، تعرف أمريكا مسبقا أنها ضدّ المصالح العربية والخليجية، ولكنها ستُـصر على طرحها والمجاهرة بها.

نقط ضعف أمريكية

لكن نقطة الضعف الأمريكية الأكبر في هذه المساعي، أنها تأتي إلى المنطقة لتَـطلُـب المساندة العربية من قوى الاعتدال، وهم الحريصون كما هو معلن منهم، على أن يكون تنشيط السلام مرتبطا بفتح نافذة لحل قضية الجولان السوري المحتل، وبإحياء المفاوضات السورية الإسرائيلية، وهو ما تراه واشنطن بَـعيد المنال، لأن المطلوب أمريكيا هو مُـعاقبة سوريا وليس مكافأتها، والضغط عليها لقبول الشروط الأمريكية في ملفات العراق وإيران وحركة حماس الفلسطينية أو باختصار، عزلها تنفيذا لأولويات وخُـطط المحافظين الجُـدد في واشنطن، ولتذهب الاعتبارات والمصالح العربية إلى الجحيم.

المعنى الظاهر هنا، أن جولة رايس تدخل في سياق علاقات عامة دبلوماسية، هدفها مُـحدَّد في تنفيذ أولويات أمريكية، تتقاطع جزئيا بالقبول مع تطلُّـعات عربية وفلسطينية، وبعضها الآخر، وهو الأكثر والأصعب، يتقاطع مع الرفض العربي، ليس لأن العرب أقوياء، ولكن لأنهم يَـرون في مطالب أمريكا منهم هلاكا لهم وضياعا لمصالحهم.

وكما ستحاول أمريكا الضغط، سيُـحاول عرب الاعتدال المناورة والشرح وبيان مَـكامن الإخفاق الأمريكي، لعلّ وعسى تتغيّـر الإدراكات الأمريكية أو بعضها، وهو ما يدخل في باب الأمنيات غير القابلة للتحقّـق، على الأقل فيما بقي من عَـهد إدارة الرئيس بوش.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: swissinfo-3-10-2006