مقالات و محاضرات

 

 

 

المعارضات العربية والانتخابات الرئاسية‏:‏ أين الخطأ؟

 

 

 

 

د‏.‏ وحيد عبد المجيد

 

 

أكدت حملة الانتخابات الرئاسية اليمنية ما سبق أن كشفته الانتخابات الرئاسية المصرية في العام الماضي‏,‏ وهو أن المعارضات العربية لا تنتج مرشحين يمتلكون صفات قيادية من النوع الذي قد يحزن المرء إذا لم تسمح الظروف المحيطة بالعملية الانتخابية لهم بمنافسة حقيقية‏.‏ ففي حملة انتخابية طويلة عريضة‏,‏ كان أكثر ما لفت الانتباه هو الاتهام الذي وجهه الرئيس المرشح لفترة جديدة علي عبد الله صالح ضد أحزاب المعارضة المتحالفة في إطار‏'‏ اللقاء المشترك‏'‏ بأنها‏'‏ استأجرت‏'‏ مرشحا رئاسيا من خارجها‏,‏ وهو منافسه الوزير السابق فيصل بن شملان‏.‏

كان هذا الاتهام تصعيدا شديدا في الحملة الانتخابية‏,‏ إذ استخدم مرشح حزب المؤتمر الشعبي الحاكم لغة حادة غير مألوفة منه في الهجوم علي المعارضة قائلا‏:(‏ الذي نعرفه عادة أن يستأجر الناس حافلة لنقل الركاب‏,‏ ولكن لم نسمع عن استئجار أناس ليقودوا البلاد‏).‏ فقد استخدم صالح لغة مجازية سعيا إلي صدم الناخبين بمقارنة أرادها أن تكون هائلة‏,‏ بالرغم من أن اتفاق أحزاب المعارضة علي ترشيح شخصية عامة من خارجها ليس بالأمر الذي يثير كل هذا القدر من اللوم بل التقريع‏.‏ فليس عيبا أن تلجأ أحزاب يجمعها تنسيق أو تحالف إلي مرشح من خارجها‏,‏ بل قد يحسب لها ذلك إذا كان حلا لخلاف يعود إلي رغبة كل منها في أن يكون المرشح من بين قادته‏.‏

غير أن الأمر ليس كذلك في حال أحزاب المعارضة اليمنية‏,‏ التي لجأت إلي مرشح من خارجها لأنها لا تضم بين قادتها وأعضائها من يمكن تقديمه في انتخابات يتولي الفائز فيها رئاسة الدولة‏.‏

ولذلك لم يخطئ الرئيس اليمني في تشخيص مشكلة أحزاب المعارضة التي لا تفرز قادة علي هذا المستوي بالفعل‏.‏ ولكنه أراد استغلال عجزها لكي يضعف مركز منافسه فرسم له صورة‏'‏ المرشح المستأجر‏'.‏ فهو انطلق‏,‏ إذن‏,‏ من حقيقة يتفق عليها كثير من دارسي ومراقبي الأحزاب والحياة الحزبية في العالم العربي بوجه عام‏,‏ ربما باستثناء الأحزاب المغربية‏.‏ فالأحزاب المعارضة اليمنية ليست فريدة علي الصعيد العربي‏.‏ فهذا هو أيضا حال أحزاب المعارضة في مصر والأردن وتونس والجزائر وموريتانيا وغيرها من البلاد التي تعرف نوعا من التعدد الحزبي المحكوم من أعلي‏.‏ فهذه الأحزاب يمكن أن تنتج مرشحين قد يصلحون لانتخابات محلية أو بلدية‏,‏ وأقل منهم لانتخابات برلمانية‏,‏ ولكن ليس لانتخابات رئاسية‏.‏

ولا تتحمل الأحزاب في هذه البلاد المسئولية وحدها عن ضعف أدائها سواء علي مستوي إيجاد كوادر مدربة يظهر من بينها قادة مؤهلون لتمثيلها‏,‏ أو علي صعيد النفاذ إلي قلب المجتمع والوصول إلي قطاعات واسعة وفئات متعددة من الشعب‏.‏ فالنظام السياسي الذي وضع الأحزاب في إطار جامد منذ تأسيسها يتحمل مقدارا من هذه المسئولية‏.‏ فقد نشأت الأحزاب في البلاد العربية التي تعرف نظما حزبية تعددية في ظل قيود قانونية وإدارية وسياسية‏,‏ وواجهتها صعوبات في الحركة والاتصال بالجمهور وعقد المؤتمرات‏.‏ وحدث هذا بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال من بلد إلي بلد‏,‏ ومن مرحلة إلي أخري في كل بلد‏.‏

ولذلك فبدلا من تقريعها لأنها لا تفرز قادة يمكن الدفع بهم في انتخابات رئاسية‏,‏ ينبغي مساعدتها عبر رفع ما بقي من قيود عليها‏,‏ لأن بعض هذه القيود أخذ في الانحسار في هذه البلاد أو معظمها بدرجات مختلفة في السنوات الأخيرة‏.‏ وعندما يصبح في إمكانها أن تتحرك بلا قيد‏,‏ يجوز تقريعها في حال استمرار عجزها بسبب الاختلالات التي تزداد في داخلها‏,‏ بدءا من طابعها النخبوي ووصولا إلي محدودية الديمقراطية في هياكلها التنظيمية بل غيابها أحيانا‏.‏

فقد ساهمت هذه الاختلالات‏,‏ التي ولدت أحزاب المعارضة العربية بها‏,‏ في إضعاف أدائها ومفاقمة تأثير القيود السلطوية عليها‏.‏ فما كان لهذه القيود أن تحدث الأثر الهائل الذي أحدثته إلا في أحزاب عملت عوامل الهدم فيها من داخلها وعجزت عن تقديم نموذج ملهم في مجال الحرية‏.‏ ولم يدرك رؤساؤها وأمناؤها العامون الذين استعصوا علي التغيير لعقود في معظم الأحوال‏,‏ أنهم يفتقدون المصداقية عندما يطالبون بإصلاح النظام السياسي وتداول السلطة فيه‏.‏

ولذلك دخلت المعارضات العربية في أزمات خانقة أقعدتها عن الحركة‏,‏ وجعلت وجودها محصورا في قشرة رقيقة علي سطح المجتمع وأبعدتها عن الناس الذين تستمد شرعية وجودها من التفاف قطاعات منهم حولها‏.‏ إنها معارضات بلا فاعلية سياسية‏,‏ ولا دور اجتماعي ولا جاذبية جماهيرية‏.‏ ومعارضات‏,‏ هذا حالها‏,‏ لا يمكن أن تساهم في تحديث ودمقرطة الثقافة السياسية السائدة في المجتمع‏,‏ والتي يصعب بل يستحيل تحقيق تطور ديمقراطي مطرد بدون تغييرها‏.‏ فالثقافة الغالبة في أوساط غير قليل من أحزاب المعارضة العربية هي نفسها ثقافة غير ديمقراطية‏.‏ فهي ثقافة انقلاب أكثر منها ثقافة إصلاح‏..‏ ثقافة طليعة متقدمة أحادية أكثر منها ثقافة تعددية‏..‏ ثقافة خطف السلطة وليس التنافس علي هذه السلطة ولكل ذلك‏,‏ لم تتطور هذه الأحزاب في اتجاه يسمح بظهور قادة سياسيين مؤهلين‏,‏ لأنها لم تفرز سياسة أصلا بمقدار ما أفرزت نمطا آخر من السلطة في داخلها لا مجال فيه لتداول المواقع القيادية‏,‏ وخصوصا موقع الرئيس أو الأمين العام‏,‏ ولا مكان فيه لمساءلة أو محاسبة‏,‏ ولا لاتصال من أسفل إلي أعلي إذ يبقي الاتصال في اتجاه واحد‏.‏

وعندما تريد أحزاب هذا حالها أن تتحدي واقعها وتقدم مرشحين من داخلها‏,‏ تكون النتيجة عكسية‏,‏ لأنها تفاجيء الناخبين بمستوي شديد التواضع مثلما حدث في الانتخابات الرئاسية المصرية في العام الماضي‏.‏ لم يكن أي من مرشحي أحزاب المعارضة في هذه الانتخابات مقنعا‏.‏ وكان أحد أهم دروسها هو أنه لا يمكن لحزب لا وجود يذكر له في الشارع أن يطلب من ناخبين لا يعرفونه ولا يعرفهم أن يثقوا به خلال عدة أسابيع هي عمر الحملة الانتخابية‏.‏ ودرس آخر لا يقل أهمية أظهرته أيضا‏,‏ هو أنه لا يمكن لحزب لم يمض علي تأسيسه بضعة شهور أن يلفت الانتباه إلا استنادا علي خطاب بالغ الحدة‏.‏ ولكن من يعتمد هذا النوع من الخطاب بديلا عن عمل حزبي قاعدي يتراكم علي مدي سنوات يخسر لا محالة‏.‏ وكلما كان أكثر تعجلا وأقل صبرا وأشد حدة‏!‏ كلما كانت الخسارة أسرع وأكبر‏.‏

ولذلك لم تشهد الانتخابات الرئاسية المصرية‏,‏ التي مر عام عليها في‏7‏ سبتمبر الحالي‏,‏ منافسة حقيقية‏.‏ فلم يواجه الرئيس حسني مبارك تحديا جادا‏,‏ في الوقت الذي انشغل فيه بعض المصريين بالبحث عن مرشح منافس له بعيدا عن الأحزاب‏.‏

فإحدي أهم الظواهر الجديدة في تلك الانتخابات هي اهتمام بعض المواقع علي شبكة‏'‏ الانترنت‏'‏ بالجدل حولها‏,‏ واتجاه عدد منها إلي البحث عن مرشح بديل عبر استطلاعات و‏'‏دردشات‏'‏ ممتدة خلقت حالة انعكست علي قسم لا بأس به من الإعلام الخاص المقروء والمرئي في مصر‏,‏ وعلي بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية‏.‏

وإذا كان الأمر كذلك‏,‏ فهذا يعني أن المعارضة اليمنية لم تخطيء عندما قدمت مرشحا عنها من خارجها للانتخابات الرئاسية‏.‏ ولكنها‏,‏ وغيرها من المعارضات العربية‏,‏ تخطيء كثيرا جدا في حق نفسها وبلادها إذا بقيت سعيدة بضعفها وموقعها الهامشي وعنوانها الذي لا يستدل الناس عليه لأنها تسكن في قشرة رقيقة للغاية علي سطح المجتمع‏.‏

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الأهرام المصرية-30-9-2006