الصدمة والفوضى اللا خلاّقة

 

 

كاظم الجماسي

 

يبدو ان نظرية (الصدمة) أتت أكلها، على غير ما ارتأت الادارة الاميركية التي راهنت على نجاحها في زمن قياسي، وباتت كفة نظرية (التدرج) اكثر رجحانا لمتتبع متأن لما جرى ولما يزال يجري في العراق..

فحين قلبت الادارة المذكورة الرقعة وألقت ارضا بالبيادق جميعها وسنت قانون الادارة المدنية كان قد (شبه لها) ان للصدمة وحدها قابلية تحرير (العبد) وكسر القيد الذي ظلّ مطوقا به، منذ ما ينوف على الالف وأربعمائة عام وجعله سيد مصيره، هاضما موازنة حقوقه السليبة وواجباته الماحقة، وأرادت ان تلقمه الديمقراطية دفعة واحدة ولم يكن في حسبانها انه سيغص بها لافظا اياها عنفا وخرابا شملا اليابس من البنى التحتية والاخضر من البنى الفوقية حتى امسى امره وامر من يحيط به قاب قوسين أو ادنى من كارثة لا تبقي ولا تذر.

ومن بعد كل هذا هناك من يستل من طيات التأويل الذي لا تبخل به اللغة ليحيلنا الى نظرية داعمة لسابقتها ألا وهي نظرية (الفوضى الخلاقة).

ان الاطاحة ـ أية اطاحة ـ بالاسس التي لا يقوم من دونها اي بناء تنتج بالحتم وبالضرورة اندحارا اخلاقيا كاسحا سيمسي المتغير الاول المسبب لكل تمظهرات الخراب الشاملة، فمن دون توافر قدر ادنى من الثقة لا يمكننا ان نستحق حتى وصفنا بمفردة (بشر)، ولن تتشكل بيننا اية علائق (بشرية) وتمسي المدنية التي انجز تحضرها جهد التاريخ البشري طوال مسيرته المكللة بالهزائم والانتصارات محض غابة محتشدة بوحوش كاسرة لن يكون البقاء فيها إلا للاقوى عنفا وليس عقلا.. وهو ما بتنا نلمس ونرى ونسمع حضوره الطاغي على الراهن من المشهد العراقي بنحو عام والسياسي منه بنحو خاص.

لقد بات في حكم البداهة ان كل مشروع للبناء يفترض وجود خارطة سابقة عليه لا سيما اذا كان ذلك المشروع مشروعا لبناء دولة ينبغي ان تقوم على اسس ثابتة ورصينة مدعمة بمناهج علمية متكافلة يكرس بعضها البعض كيما نحوز على مفاصل ادائية منتجة لمفردات غايات وجودها.

يمكن لما يسمى بـ (الفوضى الخلاقة) كما هو حاصل في تاريخ الثقافة العالمية ان تكون خلاقة حقا في ظهور بعض من المدارس الادبية والفنية كالسريالية في الشعر والتداعي الحر في السرد والوحشية في التشكيل وغيرها من المدارس التي دفعت بتاريخ الوعي البشري خطوات واسعة الى الامام، غير ان الامر لا يتسق واشتراطات بناء مشروع شامل وكامل بحجمه مشروع بناء دولة.. ان احداث الفوضى في هكذا حال يفتقر اصلا الى وعي متقدم عليه سينتج حتما تضادات وتوجهات هادمة وممي ومميتة ولن يصبح خلاقا ابدا.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: http://www.alsabaah.com

 

مواضيع ذات علاقة:

 

المهـمة المـمكـنة

مصير الفوضى الخلاقة الديناميكية الجديدة!

الديموقراطية ... والتخويف من الفوضى!

لبنان والفوضى الخلاقة