إيران الأخرى... ما وراء الخطابة

 

خالد الحروب

 

بعد أن تنجلي الحقبة "النجادية" ربما يتحقق لكثيرين أن إيران سترسو ولفترة معقولة من الزمن على نسخة قريبة من إيران "الخاتمية", وذلك قبل الاندراج في مسار آخر قد ينبني عليها أو ينزع نحو جهة أخرى أكثر براغماتية. التحليل البارد يشير إلى أن إيران "النجادية" هي إيران مؤقتة, إيران المشروع الذي يسابق الزمن لاكتساب موقع ونفوذ استراتيجي في لحظة إقليمية ودولية نادرة, ثم يذهب بعدما يسلم ما اكتسبه, أو خسره, لمن يأتي من بعده. ربما كان صخب الشعارات الكبرى يعيق الرؤية بعض الشيء, وربما كانت خطابات رفع السقف السياسي إلى الحد الأقصى لا تساعد على الغوص في جوهر التسيس الإيراني الراهن, لكن في نهاية المطاف هناك هدف استراتيجي إيراني محدد إذا ما تحقق سوف تهدأ كل خطابات السقف الأعلى.

إيران "النجادية" في جوهرها غير الشعاراتي تبحث عن موقع استراتيجي ثابت يكون مبنياً على مكتسبات ناتجة عن المغامرة الأميركية في العراق بالدرجة الأولى, لكنها لا تنقضي بانقضاء تلك المغامرة ولا تنتهي مع استكمال الانسحاب الأميركي من العراق. وهي إيران التي تريد أن تنتزع اعترافاً أميركياً وغربياً بموقع ودور مركزي في المنطقة, تفضل أن يكون مرفقاً بقدرة نووية, لكن ليس شرطاً شارطاً فيما لو تحقق ذلك الهدف. إيران اللحظة الراهنة تمسك بعدد من الأوراق التي هبطت عليها في سياق اختلال نادر في ميزان القوى في المنطقة أحدثته مغامرة جورج بوش في العراق. لكن هذا الاختلال والمغامرة وما نتج عنهما, وكما تدرك إيران, لن يدوما, ولن يدوم إمساك طهران بخيوط كثيرة في السياسة الإقليمية الراهنة, لذلك فمن الضروري تعظيم المكاسب إلى الحد الأقصى, الآن وهنا.

وعليه, فإن هدف إيران "النجادية" هو أن تتمدد لناحية النفوذ والتأثير لتصبح لاعباً إقليمياً لا يتراجع موقعه مع تغير ظروف ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق. والملف النووي الذي تتمسك به إيران هو مدخلها للوصول إلى عتبة ذلك الموقع. وتشعر الآن, وهي بالفعل كذلك ولو مؤقتاً, بأنها الطرف الأقوى في الصراع مع الغرب والولايات المتحدة حول المسألة النووية ذلك أن الغرب لا يملك عملياً أوراق ضغط فعالة ضد إيران لإيقاف طموحها النووي. وإذا ما تحقق لإيران الوصول إلى موقع القوة الاستراتيجية الإقليمية الذي تريده لنفسها, سواء بامتلاك الطاقة النووية السلمية أو العسكرية, أو الوصول إلى صفقة مع الغرب والولايات المتحدة تضمن تمتع إيران بذلك الموقع, فإن كثيراً من الشعارات الكبرى التي نراها الآن ستوضع على الرُّف. فمعظم هذه الشعارات والسياسات, النظري منها كمحو إسرائيل عن الخريطة, والتطبيقي منها كتوفير الدعم العسكري المباشر لـ"حزب الله", تأتي في سياق رفع السقف السياسي للوصول إلى تكريس الموقع الاستراتيجي في ما بعد حرب العراق. على المدى المتوسط والبعيد من الصعب تخيل مشروع إيراني يتعدى رفع درجة النفوذ الإقليمي, ويصل إلى مستوى تشكيل الوجهة العامة للتسيس في المنطقة.

فعملياً لن تنخرط إيران, رغم كل الرطانة اللفظية, في حرب مباشرة مع إسرائيل، ولن تشرع في هجوم نيته محوها من الخريطة. هدفها هو العكس تماماً, الدفاع عن نفسها بحرب وقائية تصريحاتية ضد نيات إسرائيلية وأميركية لضربها. فالمصلحة القومية العليا لإيران لا تشير باتجاه بوصلة إطلاق حرب ضد إسرائيل, ولا هي في وارد الانخراط في حرب غير معروفة أهدافها (إلا في حال ضربت إسرائيل إيران, وردت إيران بالمثل على سبيل الثأر والانتقام). إضافة إلى ذلك فإن السؤال الكبير بشأن افتراض أية ضربة إيرانية لإسرائيل هو عن مصير الفلسطينيين هناك, وهل ستضحي إيران بتوجيه ضربات صاروخية لمدن إسرائيلية من دون أن تأخذ بالاعتبار ذلك الوجود؟

أما في لبنان فإن نتائج الحرب الأخيرة مختلطة, وهي تؤثر عملياً على إيران ومنتهَيات النفوذ الإيراني المستقبلي. فتلك النتائج ولئن وسعت من شعبية "حزب الله" (وإيران بدرجة ما) في أوساط شرائح متعددة, فهي في الوقت ذاته وضعت محددات كبرى أمام حركة "حزب الله" عسكرياً وسياسياً.

لكن يبقى أن الوضع في العراق هو الأكثر أهمية بالنسبة للتفكير الإيراني.

عملياً إذن, صورة تصاعد النفوذ الإيراني أبطأ مما قد تشير إليه المؤشرات الخطابية واللفظية, وربما أقل خطراً مما يقدر كثيرون. ويمكن للمرء أن يذهب بالتقدير إلى القول إن الأولوية الحقيقية والنفوذ والموقع الإيراني المطموح إليه هو إزاء الملف العراقي في نهاية المطاف. وإن الملفين اللبناني والفلسطيني هما ملفان مؤقتان على الأجندة الإيرانية. وفي الملف العراقي فإن النقاش قد يمتد ويحتاج إلى تفصيل في وقت آخر. لكن وللبقاء في الملفين اللبناني والفلسطيني من المثير ملاحظة انخفاض منسوب الخطابة "النجادية", حيث أصبح الحديث الآن عن أن إيران ليس لديها برنامج حرب في المنطقة، ولن تشن حرباً ضد أحد بما فيهم إسرائيل.

والأكثر إثارة في هذا السياق هو أحاديث الرئيس السابق خاتمي خلال زيارة ثقافية في الولايات المتحدة تنقل فيها بين ولايات خمس. فهناك قال إن إيران لا تريد الحرب, وإنها على استعداد للحوار مع الولايات المتحدة, واستنكر العمليات الانتحارية, وقال إن إيران مستعدة للإقرار بحل للصراع العربي الإسرائيلي قائم على مبدأ الدولتين إن قبل الفلسطينيون بذلك.

معنى ذلك كله وخلاصته, خاصة على الصعيد الفلسطيني, هي ضرورة التدقيق في مدى الانسياق وراء الخطابة الإيرانية ونسيان المحددات الواقعية والمدى الحقيقي الذي يمكن أن تذهب إليه تلك السياسة في مجال التطبيق. فإيرانياً يمكن رفع درجة الخطاب ضد إسرائيل إلى أقصى مدى وهذا لا يرتب على إيران أية أكلاف خاصة بعد أن تتخلى عن ذلك الخطاب من دون حرج. أما فلسطينياً, و"حماسياً" على وجه التحديد, فإن رفع مستوى الخطاب لمجاراة الخطاب الإيراني فيه مغامرة غير محسوبة العواقب. فالمسؤولون الإيرانيون يستطيعون أن يقولوا إنه يجب محو إسرائيل من الخريطة, ثم لا يترتب على ذلك شيء على بلدهم. لكن أن يتورط المسؤولون الفلسطينيون في نفس مسار ذلك الخطاب من دون حسابات دقيقة فإنه إقحام للمصالح الفلسطينية في نفق غير معلوم. وعندما يصعد الجميع إلى مستوى الخطاب الإيراني العالي فماذا سيفعلون هناك عندما ينزل أصحاب الخطاب الإيراني أنفسهم تبعاً لحساباتهم ويعودون إلى مواقعهم العادية؟

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: الإتحاد الإماراتية-17- 9-2006

 

مواضيع ذات علاقة:

 

هلْ أميركا تدعم برامج التحول الديمقراطي في إيران ؟

هل تدخل إيران عصر القرارات الصعبة؟

ندوة إيران والنظام الدولي سيناريوهات المستقبل

هل إيران تـُدير الأزمـة بإستراتيجية مباريات السوبر ؟

إيران مـا بعـد التـخـصيـب

مصر وإيران وتركيا

هل تلعبها إيران صح؟     

"مساومات البازار"... دليل الدبلوماسية الأميركية مع إيران    

إيران وأمريكا: نحو حلقة مفرغة؟  

سولانا والصفقة « اللغز» مع إيران   

إيران والحوافز الأميركية   

أمريكا وإيران بين الوفاق والشقاق!

متى تقول إيران نعم؟   

رهان بوش على إيران   

الواقعية مطلوبة ايضا من ايران

التفاوض مع إيران جماعيا.. وبشروط 

صفقة بين إيران والولايات المتحدة ... هل هي احتمال وارد؟    

الاتصال مع إيران خير من عزلها     

تذبذب الموقف الأميركي تجاه الحوار مع إيران      

روسيا... مفتاح الحل مع إيران   

حول إيران  : بين التسريبات والإدعاءات مزعومة          

تقديرات متضاربة حول قدرات إيران العسكرية

مساعي إيران لأن تصبح «شرطي الخليج» تصطدم بالرفض الأميركي

استراتيجية جديدة للتعامل مع إيران

هل تكرر أميركا خطأ العراق أم تتعايش مع إيران النووية؟     

نشيد إيران النووي

إيران والعودة إلى المستقبل!

إيران والغرب... وحدود استخدام "ورقة النفط"

صفقة مع إيران

إيران وأميركا.. والعراق

الحل العسكري لأزمة إيران النووية وأثره علي إمدادات النفط بدول الشرق الأوسط   

روسيا أتعبها الدفاع عن رئيس ايران