صواريخ غاندي

 

 

عدنان الصباح

 

 

لم يكن المهاتما غاندي يملك صواريخَ ضد جيش الاحتلال البريطاني، بل ولم يفكر في ذلك مطلقًا. كل حيلته في مواجهة جيش "الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس"، قبل أن تصبح وهي لا تراها، هو جسم نحيل وملابس من صنع يدوي. لم تكن "قيادة أركانه" في فندق فخم، ولا في فيلا بعيدة عن وطنه. لم يفكر بالاختباء بعيدًا عن أعين أجهزة الأمن البريطانية. ظل بين الناس، ومع الناس، وللناس؛ ولهذا انتصر بالناس البسطاء من أمثاله. لم يكن النضال على طريقة غاندي يحتاج لملايين الدولارات، ولا لحوالات بنكية، ولا لـ"حوارات وطنية" لا تنتهي!

غاندي، الرجل النحيل شبه العاري، وحَّد بلادًا شاسعة وشعبًا كبيرًا ذا أعراق وأجناس وألوان وأديان يصعب تعدادُها. وقفوا جميعًا خلف قيادة الرجل حتى انتصروا وأجبروا جيشَ الملكة، الذي كان الجيش الاستعماري الأول في العالم، على الاندحار، جارًّا أذيال الخيبة أمام "صواريخ" غاندي: "صواريخ" لا تحتاج لمعادن، ولا لمواد كيماوية، ولا حاجة إلى تفجيرها، لا في الذات ولا في الأعداء؛ "صواريخ" عتادُها القوة الحقيقية النابعة من الداخل، قوة الاستعداد للصمود والاستمرار دون كلل ودون تعب ودون يأس، قوة بعيدة عن روح اللحظة الانفعالية الآنية ومليئة بقوة التواصل.

ليس للكفاح كليشيه واحد محدد، ولا وصفة طبية لا بديل عنها، بل هو عمل إبداعي يتناسب والظروف الذاتية والموضوعية لكلِّ حالة من الحالات بحسب المكان والزمان والناس. وعادة ما تقوم الشعوبُ والحركاتُ التحررية بالفحص عن أساليب عملها في ضوء النتائج المستخلَصة. وقد تكون التجربة الفلسطينية هي الوحيدة من بين حركات التحرر في العالم التي تكرِّر نفسها منذ بداية القرن الماضي، دون أدنى محاولة لنقد التجربة أو لإجراء تغيير على الأسلوب، على الرغم من أن النتائج مافتئت هي هي. فالانتفاضة الأولى، مثلاً، بدأت هبَّةً شعبيةً حقيقية، شارك فيها الناسُ جميعًا بلا استثناء بمسيرات جماهيرية كان الجيش الإسرائيلي يعجز عن مواجهتها؛ وظهرت في البدايات نماذج رائعة لعجز الجيش الإسرائيلي عن الدخول إلى بعض الأحياء أو المخيمات بسبب من مشاركة جميع الناس في الوقوف في وجه جنود الاحتلال بأدواتهم البدائية، وأقساها الحجارة. لكن هذه الانتفاضة تحولت تدريجيًّا إلى مجموعات مسلَّحة صغيرة أضفت الطابعَ العسكري عليها، مما جعل الحركةَ في وادٍ والجماهيرَ في وادٍ آخر.

كذا فقد أعيدت التجربةُ في الانتفاضة الحالية. فمن نشاط جماهيريٍّ متواصل في أنحاء الوطن كلِّها، إلى مجموعات من الشبان مسلَّحة بأسلحة خفيفة ينقصها العتادُ والحداثةُ وينقصهم التدريبُ والتأهيلُ، وذلك في سائر المناطق؛ ثم لتنحسر بعد فترة لتصبح حكرًا على مناطق دون الأخرى: فقد غابت مظاهر الانتفاضة عن سائر أنحاء الوطن، وانحصرت في مدن مثل جنين ونابلس ومعظم مناطق القطاع. وبذا أصبح من السهل على الاحتلال الفتكُ بها، وصار في إمكانه القول إنه أمام "مجموعات مسلَّحة"، لا أمام حركة شعبية عارمة، كان يمكن لها أن تتطور إلى أنماط من المقاومة أقوى وأكثر تماسكًا واستمرارًا.

بدلاً من ذلك، انتقلنا إلى نموذج الصواريخ بأسماء مختلفة (وهي في الحقيقة نموذج واحد)، يتضح من نتائج إطلاقها أنها لم تشكِّل خطرًا حقيقيًّا على قوات جيش الاحتلال. مُستعمِلها يشبه، إلى حدٍّ بعيد، ذاك الذي يقوم بنبش قفير للدبابير بعصا من قش وهو يقف أمامها عاريًا! مئات الصواريخ أُطلِقَتْ مئات المرات على مواقع إسرائيلية دون جدوى على الإطلاق؛ بل على العكس، كانت ردود الفعل الإسرائيلية أقسى في نتائجها مئات المرات.

رُبَّ قائل يقول إن للكفاح عواقب، وإن على الشعوب المكافحة في سبيل استقلالها أن تتحمل هذه العواقب – وهذا صحيح مئة في المئة، شريطة أن تتمكن الشعوبُ المكافحة وأدواتُها من إيقاع خسائر أكبر في صفوف أعدائها، وليس العكس؛ فلا يوجد ما يثبت أن جهةً استمرتْ خسائرُها أمام أعدائها في تزايُد أكثر فأكثر، ثم جَنَتِ النصرَ بعد ذلك! فالنتيجة الطبيعية لاستمرار الخسائر هي الإرهاق والتعب لِمَن يخسر أكثر، بما يوصل إلى رضوخه للطرف المقابل في آخر المطاف. وإلا فكيف نفسِّر نتيجة أوسلو للانتفاضة الأولى، ونتيجة العودة إلى المربع الأول للانتفاضة الحالية، مع كلِّ ما تكبدناه خلالها؟!

"الامتناع عن المعاقبة لا يعني غفرانًا" – هذه هي الكلمات التي حاول بها غاندي أن يقول لمنتقديه أو متَّهميه بالاستسلام إن اللاعنف هو واحد من أشكال المقاومة، وهو ما يمكن أن يُسمَّى بأدوات دفع العدو إلى الانتحار رغمًا عن أنفه. والغفران، بحسب رأي غاندي، لا يصح إلا "عندما تكون القدرة على المعاقبة قائمة فعليًّا" – بمعنى أنك حين تكون قادرًا على إيقاع العقاب بخصمك أو عدوك ولا تفعل، فهذا يعني أنك تغفر له. أما حين تكون غير قادر على فعل ذلك، فإن عليك إيجاد أدوات الكفاح البديلة أو الطارئة أو المؤقتة التي تمكِّنك من الاحتفاظ بحقِّك حيًّا، وتوفِّر لك أدواتٍ طويلة الأمد تكون أنت الأقدر على التوافق معها، ولا يملك خصمُك القدرةَ على احتمال نتيجة جَلَدِك – وإلا فأنت ملزَم على اللجوء إلى العنف في حالات معينة. ولذا يقول غاندي: "إنني قد ألجأ إلى العنف ألف مرة إذا كان البديل إخصاء عرق بشريٍّ بأكمله."

اللاعنف، إذن، ليس غطاء المستسلمين أو المفرِّطين أو الجبناء، بل هو الأداة البديلة للشجعان القادرين على تحمُّل الظلم سنوات وسنوات في سبيل فضح عدوِّهم ودفعه نحو الزاوية الأخيرة وكسب العالم إلى جانبهم. وليس هناك أشجع ممَّن يحتملون الصمود في سبيل قضاياهم وحقوقهم لفترات الطويلة. فبطولة اللحظة العابرة يمكن لها أن تنطفئ في لحظة عابرة. وغير ذلك بطولة الصمود المتواصل، يقوم لها أبطالٌ دائمون من أمثال غاندي ونيلسون مانديلا، الذي لم تتمكن سنواتُ السجن الطويلة من ثنيه عن هدفه الذي خرج من السجن لتحقيقه: "إن اللاعنف سلاح لا يُضارَع ولا يقوم بمال زانٍ؛ فأولئك الذين يمتهنونه لن يعرفوا الخيبة أو الهزيمة."

لا توجد قوة على وجه الأرض قادرة على تحطيم عزيمة أمَّة من الأمم. من الممكن لك أن تهزم جيشًا بجيش أكبر وأقوى، وتحطِّم سلاحًا، مهما بلغ تطوُّره، بسلاح أقوى وأكثر تطورًا؛ لكنك لن تستطيع إجبار شعب على الرضوخ إن هو قرَّر بروح الجماعة ألا يفعل. قد تتمكن من تحطيم مجموعة هنا ومجموعة هناك، أو من تأخير و/أو تعطيل فعل كفاحيٍّ هنا وفعل كفاحيٍّ هناك، أو من اعتقال العشرات والمئات والآلاف و/أو نفيهم؛ لكنك لن تتمكن من أن تعتقل شعبًا بأسره أو تقتله أو تنفيه. ولذا فان اللاعنف هو كفاح الشعب، – كل الشعب، – لا كفاح الفئة البديلة عن إرادة الجماهير وحركتها.

هي "صواريخ" لا يمكن إطلاقها في لحظة، ولا يخمد صوتُها في لحظة. هي "صواريخ" لا تُطلَق من منصة معدنية، بل من قلوب أمَّة وعقولها. هي "صواريخ" الكفاح الصلب المتواصل الذي لا ينحني. "صواريخ" غاندي: صيام الجموع في مواجهة الأعداء وجبروتهم، والمقاطعة بالتنازل عن سائر الملذات التي توفِّرها مؤسسةُ العدو وعيش المستسلمين، والعصيان الذي يُلزِم روَّادَه بتحمُّل قسوة المحتل وجنونه، وكذا تحمُّل الاعتقال لفترات طويلة. "صواريخ" مثل مجابهة الدبابات بالجلوس على الأرض، والبنادق بالصدور المكشوفة، وهدم البيوت بتحمُّل حياة الخيام، والجيش المسلَّح الجرار بمسيرات الشيوخ والنساء والأطفال وهم مكتوفو الأيدي. "صواريخ" لا تطلق النار ولا الديناميت، بل تتلقَّفه لتُخرِس بنادق الأعداء ومدافعهم، وتحيلهم إلى عُجَّزٍ عن مواجهة الصمت المطبق الذي يعلن إدانةَ كلِّ سلوك للمحتلين والمدافعين عنهم ومَن يؤيدهم.

اللاعنف، أو الكفاح الجماعي الفاعل باستخدام الذات كسلاح، ممكن. هو وسيلة من الوسائل التي على الشعوب المناضلة في سبيل حريتها أن تضعه كواحد من الخيارات الممكنة التي لا مناص لك من اللجوء إليها حين تعجز عن إيقاع العقاب السريع والمباشر بخصمك.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر .

المصدر: http://maaber.50megs.com

 

مــواضـيـع ذات عــــلاقــة :

 

كتاب: السِّلْمُ والسَّلام

كتاب: التسامح أعظم علاج على الإطلاق

حذارثـقـافـة السكين لحلّ النـزاع  ؟