الإدارة الأميركية للنموذج العراقي

 

عمران العبيدي

 

 

ان المتتبع  لخط سير السياسة الاميركية في العراق يكاد يصطدم بنوع من المتناقضات التي تثير الكثير من التساؤلات والتي تبحث عن اجابات ولكن سرعان مانصطدم ونحن في طور البحث عن تلك الاجابات انها ستكون ناقصة ومرتبكة ، كل ذلك مرده الى ان ما يخرج من افواه السياسيين الاميريكيين يصطدم بما يخالفه على ارض الواقع وان حاولنا ادخاله في خانة القول ( ان الادارة الاميركية هي اكثر معرفة بما تريد)  .

فالمشروع الاميركي في العراق كان وحسب المعلن بعد اسقاط النظام الدكتاتوري المقبور يهدف الى بناء انموذج عراقي ليكون مدخلا لبقية دول المنطقة في محاولة المرور بمشروع الشرق الاوسط الجديد نحو النجاح ... لكن الانموذج العراقي الوليد وبعد مرور اكثر من ثلاث سنوات على سقوط النظام لايمكن لاحد ان ينكر انه قد اصيب بأمراض كبيرة تكاد تودي بحياته اذا لم تتم معالجتها بشكل جدي . من هذا المنطلق يتمحور السؤال لدى العراقيين ما الذي تخبئه اجندة السياسة الامريكية في العراق وما هي صورة العراق في الذهنية السياسية الامريكية ؟

على اقل تقدير ومن باب ان الامور لم تتخذ على عجالة ،  ان القوة العظمى قد وضعت في حساباتها الكثير لما بعد السقوط وخصوصا ان قرار ازالة النظام لم يكن وليد لحظة سياسية مبنية على انفعال رئيس اكبر دولة في العالم بل كان مشروعا مقرا منذ رئاسة بيل كلنتون ،لذلك لابد ان يكون ذلك الحدث قد نوقش وبشكل مستفيض وحسبت له كل الحسابات  ، لكن الغريب ان هذا التحليل يصطدم بمشهد عراقي مغاير تماما ليشكل انموذجا منهكا على اقل تقدير في الوقت الحاضر ولعدد من السنوات القادمة .

من هذا الواقع يختمر السؤال الاكثر اهمية والذي لو وجدنا له اجابة لتمكنا من تفسير مايدور من احداث وهو ، هل ان الحسابات الامريكية والتي خرجت من ادراج الحرب كانت خاطئة ؟ ام ان الحسابات الرئيسية كانت لحظوية تتعلق بالمعركة العسكرية على الساحة وفي لحظتها دون النظر للافق البعيد؟. ، وبالرغم من ان السؤال الثاني يتناقض مع ماطرحناه  من ان المشروع كأطار عام لم يكن وليد لحظته لكنه يعيد نفسه بالحاح كبيرمحاولا ( اي السؤال ) ان يتلمس نصف اجابة عند تصريحات وزيرة الخارجية الامريكية كوندليزا رايس عندما اشارت الى اخطاء امريكية في العراق ولكن الغريب انها لم تحدد ماهية تلك الاخطاء وما اذا كانت الحكومة الامريكية عازمة على تصحيحها لترسم صورة اكثر ضبابية عن الواقع ولتبدأ مرحلة جديدة من التخمينات والتوقعات عن ماهية تلك الاخطاء وهل هي سياسية باعتبار ان التصريح قد خرج من جعبة وزيرة للخارجية ام انها عسكرية وقد تبرعت هي في الحديث عنها بدلا من وزارة الدفاع،  وفي اطار الصراع المعروف بين الوزارتين ، فأذا كانت القضية سياسية فمن المتوقع ان تكون تلك الاخطاء تقع في دائرة اصطدام الادارة الامريكية بمد جماهيري للآحزاب السياسية ذات التوجه الاسلامي والذي لاترغب فيه الادارة الامريكية  مع ضمور واضح للأحزاب العلمانية ما يستدعي اعادة الحسابات في طريقة تعاملها مع الواقع الجديد وهو يعكس التخوف من اعادة انتاج انموذج يتناغم مع الجار الشرقي للعراق بالرغم من ان القيادات السياسية لتلك الاحزاب ومن خلال الممارسة الواقعية قد بعثت بأكثر من اشارة واضحة من انها ليست امتدادا لاحد وانها تؤمن بالنهج الديمقراطي وبالشراكة السياسية وهو ما يمكن ان نتلمسه من خلال النهج الذي تتبناه تلك القوى على ارض الواقع وتأكيداتها الواضحة من ان الدولة فيها احزاب اسلامية ولكن ليس هناك مجال للحكم الاسلامي المتعارف عليه .

ام ان الاخطاء التي تحدثت عنها الوزيرة تتمثل في حل مؤسسات الدولة العسكرية والامنية ومايرتبط بها ؟ ام تركها السلاح العائد للجيش المنحل تنهبه جماعات يبدو انها قد حسبت حساباتها اكثر من حسابات المؤسسة العسكرية الامريكية لمواجهة قادمة فكانت عملية الجمع تجري وبشكل منظم وكان ذلك واضحا لكل متتبع ، ام ان الحدود المفتوحة امام الارهابيين كانت غير محسوبة بالمرة او انها كانت ضمن الحسابات الخاطئة ؟ هذه الاسئلة تكون اجاباتها ضمن الاجابات الناقصة او المرتبكة خصوصا اذا ما تمعنا بالمعلن على ألسنة القادة الامريكيين من رغبتهم في انتاج الانموذج العراقي الديمقراطي ومن الصورة المرسومة على ارض الواقع  التي يبدوان الانموذج العراقي فيها مؤجل مع غموض الاسباب .وما يزيد الموقف ارباكا هو طريقة التعامل التي تتبعها الادارة الامريكية  متمثلة بسفيرها خليلزاد وفي طريقة تعاطيه مع الحكومة العراقية من خلال تصريحاته التي توحي بأنه ليس بمنصب سفير، فتصريحه الاخير على سبيل المثال الذي قال فيه ان (امام الحكومة العراقية شهرين لاحتواء العنف الطائفي) ،علما ان هذا التصريح يأتي بعد ايام قلائل مما اعلنه الرئيس الامريكي من دعمه الكبير لحكومة المالكي ومن هنا لابد من ان نسأل او ليست القوات الامريكية هي التي تمسك بالملف الامني فلماذا تتحمل الحكومة العراقية هذه المسؤولة بمفردها؟ هذا اذا استثنينا الكثير من التصريحات السابقة اثناء تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ومنها وما معناه ( ان الادارة الامريكية لاتقبل بأن يمسك وزارة الداخلية اشخاص طائفيون)  .يبدو من خلال ماتقدم ان الادارة الامريكية تحاول جاهدة ان تخلق حالة من التوازن داخل الساحة السياسية العراقية في مواجهة صناديق الاقتراع التي افرزت نتائجها فارقا شاسعا بين مقاعد الكتل وهو ما لا تحبذه الادارة الامريكية على مايبدو، لذلك ازاحت الامور باتجاه حكومة الوحدة الوطنية والتي هي في كل المعطيات ومهما حاولنا تأطيرها بإطار جميل تبقى تعاني الكثير وذلك ناتج ليس عن عدم  القناعة بالشراكة السياسية بل هو نتيجة حتمية للأختلاف الكبير في طريقة تعامل كل جهة سياسية مع الواقع السياسي الجديد في العراق وكيفية النظر الى نتائج التغيير وهو ناتج ايضا عن فقدان عامل الثقة بين تلك الجهات بالرغم من ان قبة البرلمان قد جمعت الجميع وتشكيلة الحكومة قد وضعتهم على طاولة واحدة.

كل هذه الامور تشكل عامل قلق للشارع العراقي وخصوصا عندما تكون تلك القراءة مشوشة وبالشكل السابق فكلما ازدادت دائرة الاسئلة وتعددت الاجابات الناقصة اتسعت دائرة التخمينات خصوصا اننا لم نلحظ ان ارض الواقع تعكس تلك الشراكة السياسية المتوقعة بين الحكومة العراقية والحكومة الامريكية وما خلقه واقع التغيير من متطلبات المصلحة المشتركة بين الجانبين وكذلك وضع مابعد التغيير، او على اقل تقدير  ان تلك الشراكة تستوجب مواجهة مشتركة لبعض مايذاع ويبث من على اسطح وسائل الاعلام من دعايات او اخبار وليس اخرها  مايقال عن تحضيرات لانقلاب عسكري ضد الحكومة العراقية رغم سذاجة هذا الطرح في ظل وجود القوات الامريكية ولكنه كان يستوجب نفيا من الادارة الامريكية وعدم السكوت عن ذلك كي لاتزداد الامور تشويشا حول طريقة تعاطي الامريكان مع الملف العراقي والذي لايحتاج الى الكثير من التأزم بالتأكيد.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-29-10-2006

 

مواضيع ذات علاقة:

 

أمن العراق... وخطر الميليشيات                       

شبح الحرب الأهلية في العراق... دروس من لبنان

كاتب أميركي ينتقد اسلوب ادارة الصراع في العراق

رأيـان أمـريكيان مـختـلـفان فـي السـاحـة العـراقية

واشنطن وضرورة التركيز على عناصر النجاح في العراق

هل تلاشت ” خطة مارشال “ في العراق؟

الـسبيل إلـى الـنجاح فـي الـعراق                         

خطة الخروج الأميركية من العراق                     

العراق: لسنا أمام حرب أهلية ولكن...! 

الغائب الأكبر في الإنتخابات العراقيةالأخيرة      

أربعة دروس من فيتنام تصلح في العراق اليوم    

أميركا والعراق: نحو استراتيجية خروج مسؤولة          

الدبلوماسية طريق الخروج من الورطة العراقية        

لماذا تتمنى أميركا وبريطانيا حرباً أهلية في العراق؟        

هلْ الإنقاذ بعد غزو العراق كان ممكناً!؟ 

الحرب الأهـليـة غـير العـراقيـة إنـتـحـار جـمـاعـي… للعـراق والمنطقة والعالم

فرصة للوحدة في العراق

لماذا الخشية من لبننة العراق؟

مركز الفرات للتنمية والدراسات يعقد ندوة حول العنف الطائفي في العراق الأسباب والآثار المترتبة

كايسي يقدم خطة لخفض القوات الأميركية في العراق

قرار حل الميليشيات في العراق متى يأخذ طريقه الى التنفيذ ؟

ليس العـراق فقط بل المنطقة تمرّ بلحظة الإختبار والإختيار معـا : فَـلِمَ التفـرج ! ؟

هل تخطى العراق الأزمة؟

تقرير أمريكي ينتقد سياسة ما بعد حرب العراق

العراقيون هم ضحايا الإرهاب رقم واحد

هل العراق يسير في الاتجاه الصحيح؟

العراق تهزم السيناتور ليبرمان في انتخابات الكونغرس التمهيدية

الديمقـــــراطية في العـراق ليست من أولويات الميزانيــة الأميركية

منْ يقاتل منْ في العراق ؟ ... من الجغرافيا الى التاريخ

جورج بوش يتحدث عن التجارب والأخطاء في العراق

العراق: صراع الديموقراطيات وإنكار الوقائع السياسية 

إلى أين يتجه العراق؟               

هل العراق يسير في الاتجاه الصحيح؟ 

العـراق وضعـف القـوة الأمريكية

لجنة بيكر توصي بتقسيم العـراق على ثلاثة أقاليم

نحو "ستراتيجية امريكية مؤثرة في العراق"- الحلقة الأولى

مركز دراسات أميركي: إنجازات البنتاغون في العراق صفر

هل تنشب حرب أهلية في العراق؟

العراق بين خياري "الديمقراطية" و "الحرب الأهلية"

مـع نـذرالـحرب الأهـلية على أرض العراق(2)

مـع نـذرالـحرب الأهـلية على أرض العراق(1)

الـسبيل إلـى الـنجاح فـي الـعراق(1-2)

الـسبيل إلـى الـنجاح فـي الـعراق (2-2 )

كينيث بولاك مديرقسم الأبحاث والدراسات في مركز سابان للشرق الأوسط يقول : هناك شبه إجماع على أن طريقة معالجة أمريكا للوضع في العراق فاشلة

هل الإنقلاب العسكري لم يعد خيارا مستبعدا في العراق ?!

وهم الانقلاب العـسكري في العراق  ؟!            

الارهاب في العراق مــن يقف وراءه..؟          

عن العراق ؛ لن نتكلم بل سندع الاحداث تحكي          

الولايات المتّحدة في العراق: جُزء من المشكلةِ        

العراق موضع خلاف مستمر بين قطبي الكونغرس الأميركي         

"الديمقراطيون" الأميركيون والانسحاب من العراق           

العراق...رهان بوش في بقية ولايته الرئاسية         

هل يمكننا إعادة تحريك العراق ثانية ؟         

هل سياسات واشنطن تعصف بوحدة العراق؟   

نظرية "البقاء الطويل" في أرض العراق    

فليساعد العرب العراقيين إذا أرادوا إنهاء الاحتلال      

تقسيم العراق خطأ قاتل للولايات المتحدة الأميركية           

عـودة التيار الكيسنجري الى السياسة الخارجية الأمريكية ومستقبل العراق   

الحالة العراقية: وهل هي بالفعل والتعريف حرب أهلية ..؟         

الصبر وبلا تخبط يمكن أن يكون مفتاحا لحلّ الأزمة العراقية           

فـي الـذكـرى الثالثة للحرب في العـراق : اقول .. وتقول .. ويقول .. والجرح مازال ينزف وحفلة التـفـرج متـواصلة!! 

أمن العراق... وخطر الميليشيات                       

شبح الحرب الأهلية في العراق... دروس من لبنان     

كاتب أميركي ينتقد اسلوب ادارة الصراع في العراق

رأيـان أمـريكيان مـختـلـفان فـي السـاحـة العـراقية

واشنطن وضرورة التركيز على عناصر النجاح في العراق