أمريكا في الجدل السياسي

 

 

د‏.‏ هاله مصطفي

 

 

لم تحظ دوله في العالم بمثل هذا الاهتمام الزائد عن الحد كالذي تحظي به الولايات المتحده الامريكيه الان في جميع وسائل الاعلام المحليه‏,‏ سواء تلك المقروءه او المرئيه او المسموعه‏.‏ فامريكا باتت المتصدر الرئيسي لاغلب عناوين الصحف والاخبار والمانشتات العريضه المثيره‏..‏ وباتت هي ايضا الموضوع المفضل لجميع انواع البرامج السياسيه‏,‏ بل وليست من المبالغه القول انه اصبح من الاسهل احصاء المقالات والتعليقات التي تخلو من ذكرها وليس العكس‏,‏ ولا باس ان يكون هذا المقال بدوره واحدا من عشرات‏,‏ بل مئات المقالات التي تكتب يوميا عن امريكا‏!‏

وبالطبع ليس المقصود هنا بالاهتمام الزائد هو مجرد تناول سيره الدوله العظمي التي تتمتع بحكم موقعها باهتمام خاص علي مستوي العالم كله‏,‏ وانما المقصود هو رصد تلك الحاله الغريبه والمستجده التي اضحت تشكل ما يشبه العقده اي العقده الامريكيه‏.‏ في الماضي كان يقال ان كثره الاهتمام بالشان الخارجي هو تعويض عن الحرمان من نقص الحريه‏..‏ حريه الحديث في الشان الداخلي‏,‏ اي انه بمثابه حديث معكوس او تنفيس عن غضب مكتوم يشابه الادب الرمزي في الروايه والمسرح والشعر الذي يلجا الي لغه الاسقاط عندما لا يجرو علي نقد واقعه المعاش‏.‏ ولكن اليوم وقد تغير الزمن وتغيرت معه الظروف ورفعت المحاذير القديمه بل وسقط الكثير مما كانت تسمي بالخطوط الحمراء ولم تعد هناك حاجه الي تلك الاسقاطات او حتي الي اللغه الرمزيه‏,‏ فمصر تتمتع الان بحريه غير مسبوقه في التعبير والحديث عن اي شيء‏,‏ وفي كل شيء‏,‏ فما الذي يدعونا الي التمركز حول تلك العقده؟‏!‏ هل هي ازمه مع امريكا؟ ام صراع معها؟ ام علي العكس سباق عليها؟ هل هي دعوه للابتعاد عنها ام رغبه في الاقتراب اكثر منها؟

ربما لا توجد اجابه واحده واضحه وقاطعه‏,‏ وربما تكمن الاجابه في جميع تلك الاحتمالات معا‏,‏ فهي علاقه معقده في النهايه دائما ما تختلط فيها مشاعر الحب بالكراهيه‏!‏ ولكن في كل الاحوال قد يكون من المفيد استعراض بعض ملامح تلك العقده الامريكيه لعلها ترسم اولي خطوات الشفاء منها مستقبلا‏!‏ فعلي سبيل المثال وليس الحصر‏,‏ هناك خطاب رسمي ثابت لا يتغير حول اهميه العلاقات مع امريكا ومحوريتها واستراتيجيتها‏,‏ ومجالات ذلك التعاون الاستراتيجي لا يحتاج الي برهان او تاكيد فهو معلوم للكافه‏.‏ ولكن هذا الخطاب الرسمي لا تعكسه اغلب وسائل الاعلام والصحافه الحكوميه والحزبيه بل هي تسير وبشكل منتظم ايضا في خط مخالف تخفت نبرته حينا وتعلو حينا اخر ولكنه في النهايه لا يحيد عن هذا المسار شبه المحتوم‏!‏ وليس هذا هو المشهد المتناقض الوحيد فحديث الاصلاح بات بدوره يعاني تلك العقده‏,‏ فامريكا اصبحت هي القاسم المشترك في اغلب ان لم يكن في جميع الكتابات التي تتناول قضايا الاصلاح الداخلي‏,‏ اي انها اصبحت هي الحاضر الغائب فيها‏.‏ وليست هذه هي المعضله الوحيده‏,‏ فنظره سريعه علي مضمون اغلب تلك الكتابات يضيف الي المشهد غموضا اخر حتي لا يقال ازدواجيه اخري فقد تناولت اقلام كثيره بالنقد اللاذع السياسه الامريكيه المعلنه حول نشر الديمقراطيه في الشرق الاوسط واعتبرتها تدخلا غير مقبول في الشئون الداخليه‏(‏ وهذا حقها تماما‏),‏ اما ان تعود نفس الاقلام وفي نفس الاماكن والمواقع لتوجه نفس النقد الصارخ لما تسميه بالتراجع عن دعم الديمقراطيه الي حد وصف ذلك بالخيانه الامريكيه فهذا امر يثير اكثر من تساول حول مدي اصاله او مصداقيه تلك الاراء‏,‏ اما المشهد الاكثر اثاره وابتكارا فهو حديث المونولوج‏(‏ اي الحديث من طرف واحد‏)‏ وهو حديث موجه ضد امريكا ولكنه يبث في الداخل وتستخدم فيه رموز واسماء وشخصيات عامه او سياسيه او حزبيه او اكاديميه‏,‏ لا يهم‏,‏ المهم هو تاديه الغرض بالاسلوب الميكيافيللي المعروف الغايه تبرر الوسيله فيصبح كل من هو خارج جماعه فن المونولوج متهما بالعماله والخيانه وتنفيذ الاجنده الامريكيه والارتماء في احضان امريكا وغيرها

مما يحفل به ذلك القاموس الجاهز المعروفه مفرداته سلفا‏.‏ والكيل باكثر من مكيال هنا هو امر اكثر من عادي‏!‏ فقد يصبح الاقتراب من امريكا عملا وطنيا رفيعا في نظر هولاء بالنسبه للبعض‏,‏ ولكنه يعد مجرما بالنسبه للبعض الاخر‏,‏ والتسكين والتصنيف في هذه القائمه او تلك هو امر يختص به ايضا مبتدعو هذا الاسلوب وحدهم لتوظيفه حسب الحاجه للتاثير علي النقاش العام حول قضايا الاصلاح السياسي تحديدا‏,‏ والذي بات بدوره مختزلا من نفس وجهه النظر هذه فيما يسمي بالدعوه الي الفوضي الخلاقه‏!‏ وهي بالمناسبه عباره او تصريح امريكي ايضا ربما نسيه قائلوه هناك ولكننا صرنا نردده ونروج له باكثر منهم‏!‏

ان هذه الملامح السريعه لتلك الحاله او العقده الامريكيه التي اصابت حياتنا السياسيه والفكريه لابد انها تعبر عن خلل ما‏,‏ يحتاج الي تصحيح واعاده نظر‏,‏ فالعلاقات مع امريكا ذاتها في حاجه الي اعاده صياغه وقواعد مختلفه تحكمها وفق رويه او نسق فكري او سياسي اكثر صحه وشمولا وبالتالي اكثر فاعليه وقدره علي تحقيق المنفعه والمصلحه المرجوه منها‏.‏

فقط علينا ان ننسي امريكا قليلا‏,‏ فالاستغراق الشديد في الشيء يحجب الرويه عن صاحبه فالصوره المكتمله مثلها مثل اي عمل فني لا تري الا بالابتعاد عنها ولو قليلا‏!‏ كما ان مناقشه قضايا الاصلاح السياسي تحتاج بدورها الي مناخ اكثر انفتاحا وتسامحا وتعقلا لكي يسهم بحق في صنع مستقبل افضل وامن معا‏,‏ دونما حاجه للجوء الي التجريح او التشويه او خلط الامور والاوراق عمدا ببعضها بعضا‏.‏ فعصر المعلقات وشعر الهجاء المهجور قد ولي واعاده انتاجه لن تفيد ايا من اطراف اللعبه السياسيه حاضرا ومستقبلا‏.‏كما ان عجله التغيير قد دارت بالفعل ولن يوقفها ذلك مما يعرف ب‏'‏الارهاب الفكري‏'‏ الذي يمارسه البعض‏.‏

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: democracy.ahram.org.eg/Index.asp?CurFN=fron1.htm&DID=8899

 

 

مواضيع ذات علاقة:

 

الإصلاح الديمقراطي في المنطقة العربية... بين معوّقات الواقع وحسابات المصالح

مسيرة الإصلاح بمصر.. "للخلف در"

مشوار الإصلاح أصابه عطب ... في مصر

الأوروبيون وحيرة الإصلاح

عندما يتحول الإصلاح إلى ثورة اجتماعية

المجتمع العربي من الأزمة إلى الإصلاح

تناقضات مفهوم «المجتمع المدني» في الإصلاح السياسي العربي

نقص في السياسة وليس فقط في الإصلاح: مصير الإصلاح السياسي في مصر

الإصلاح ضرورة تاريخية

الإصلاح في الخطاب الرئاسي الأميركي

الخطاب العالمي حول الإصلاح العربي

مستقبل الاصـلاح ... الولايات المتحدة بين الدفاع والهجوم 

تيار الإصلاح الذي لم يولد بعد   

الإصلاح وعلل الفرد العربي   

الإصلاح الديمقراطي بين الإسراع والإبطاء            

من المسؤول عن سراب الوعود الإصـلاحـية ؟         

الإصلاح العربي بين التحدي والاستجابة        

هـلْ ذهـب الإصـلاح في الشرق الأوسط أدراج الـرياح ؟ لـماذا وكيـف؟    

هلْ أعـلن فوكوياما : مُـنـظِّـر المحافظين الجدد نهاية عـصر الإصـلاح والدمـقرطة ؟  

الرأي : الإصلاح والأسئلة العالقة

إلى متى؟ وكيف يبدأ الإصلاح؟

اللوبي الصهيوني يعارض الاصلاح في الشرق الأوسط .. لماذا ؟