يابان ؛ في وداع "كويزومي" واستقبال "شينزو أبي"

 

 

 د. عبدالله المدني

 

 

نقيضاً لما عرفته عوالمنا العربية والإسلامية من ظاهرة إمساك الزعماء بالسلطة حتى آخر رمق، يترك رئيس الحكومة اليابانية "جونيتشيرو كويزومي" منصبه هذا الشهر متقاعداً عن الحياة السياسية بإرادته ومحض اختياره، هو الذي لا يزال في كامل حيويته وعطائه ولم يستهلك سوى سنة واحدة من أصل أربع سنوات فاز بها حزبه الحاكم عبر الاقتراع الشعبي الحر والمباشر في الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت في سبتمبر 2005.

وفي حين يترك البعض السلطة مجبراً في الدول الديمقراطية، إما اعترافاً بالهزيمة أو تحملاً لمسؤولية التقصير في واقعة معينة أو تحت وطأة شبهة أو فضيحة ما، فإن كويزومي يغادر الحكم مرفوع الرأس، بعد أن حفر اسمه في تاريخ بلاده كأكثر الزعماء شعبية ووهجاً وإصلاحاً وديناميكية منذ أكثر من ستة عقود. أما الدليل فنستمده من حصول الرجل على التخويل الشعبي في ثلاثة انتخابات متتالية منذ عام 2001.

وفي بلد كاليابان التي عرفت بتغيير حكوماتها بمعدل حكومة كل سنة منذ عام 1885، شكلت قدرة كويزومي على البقاء رئيساً للوزراء لمدة خمس سنوات متصلة لوحدها ظاهرة ملفتة للنظر، وإنْ كان قد سبقه في ذلك عدد قليل من أسلافه في ظروف مختلفة ولأسباب ذات علاقة بجذورهم الحزبية المنيعة وانتمائهم إلى عائلات سياسية معروفة، وغير ذلك مما لا نجده في سيرة كويزومي.

ومنذ مجيئه إلى الحكم خلفاً لأحد أقل رؤساء الحكومات اليابانية شعبية ودبلوماسية، ونقصد به "يوشيرو موري"، أقدم كويزومي على اتخاذ قرارات جريئة استهدفت تجديد شباب الحزب "الديمقراطي الحر" الحاكم، وتنظيف الحياة السياسية من التقليديين والرجعيين وضخ دماء جديدة فيها، وتخليص الاقتصاد القومي من 15 عاماً من الكساد والتعثر، وإطلاق عملية تفكيك وتخصيص مؤسسة البريد العملاقة من أجل إعادة توظيف أصولها البالغة 3 تريليونات دولار من المدخرات والتأمينات في القطاعات المنتجة. هذا ناهيك عن تبنيه لسياسات داعمة لحقوق المرأة اليابانية ووقوفه شخصياً إلى جانبها، بدليل دفعه لعدد غير مسبوق من النساء للترشح على قوائم الحزب الحاكم ومنحهن حقائب وزارية عديدة في حكوماته، بل إقدامه لأول مرة في تاريخ اليابان على اختيار سيدة لتولي حقيبة الخارجية المهمة. وهكذا استحق الرجل الوصف الذي أطلقته الصحافة عليه وهو "تيار الهواء المنعش".

وفي السنوات الخمس من قيادته لبلاده، تعزز التحالف العسكري والاستراتيجي ما بين طوكيو وواشنطن، وتنامى الدور العسكري السلمي لليابان خارج حدودها، وبرزت سياسة خارجية يابانية جديدة من معالمها إيلاء قدر أكبر من الاهتمام لأمن واستقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط، وللروابط الاقتصادية والاستراتيجية مع القطب الهندي. لكن في مقابل هذا شهدت العلاقات مع بكين وسيئول توترات على خلفية تمسك كويزومي بتقليد زيارة مقابر ضحايا الحروب الإمبريالية اليابانية في "ياسكوني"، وإقدام حكومته على تغيير نصوص كتب التاريخ المدرسية بطريقة لا تجرم ماضي البلاد الاستعماري والتوسعي بصراحة.

ويُعتقد على نطاق واسع أن كبير أمناء مجلس الوزراء "شينزو أبي" (51 عاماً) الذي بات من المؤكد أن يخلف كويزومي في زعامة الحزب الحاكم ورئاسة الحكومة ابتداء من 20 سبتمبر الجاري، ويصبح بالتالي الزعيم رقم 57 في تاريخ البلاد وأصغرهم سناً منذ رئيس الحكومة الأول "هيروبومي إيتو"، سيواصل السياسات الخارجية والبرامج الإصلاحية لسلفه إنْ لم يزد فوقها أو يضفي عليها قدراً أكبر من الديناميكية بفضل ما عرف عنه من شباب وحيوية وطاقة خلاقة.

فزعيم اليابان الجديد المعروف بأناقته البالغة وحديثه الهادئ، لئن لم يشغل من قبل حقيبة وزارية مهمة خلافاً لكل من سبقه في رئاسة الحزب والحكومة باستثناء رئيس الوزراء الأسبق "كيزو أوبوتشي"، وبقي إلى ما قبل خمس سنوات شخصية غير معروف خارج دوائر الحزب الحاكم، فإنه عمل كساعد أيمن لكويزومي ويحمل نفس أفكار وتوجهات الأخير الإصلاحية، مما جعله المرشح المفضل للزعيم المغادر من بين 3 مرشحين آخرين. كما أنه من أصلب دعاة تغيير الدستور الياباني عبر الاستفتاء الشعبي، ولاسيما المواد التي تحد من القدرات العسكرية والأمنية للبلاد، وذلك من أجل إضفاء لون جديد يتناسب مع ما بلغته اليابان من مكانة، وما تطمح إليه من دور في القرن الحادي و العشرين.

إلى ذلك، فإن "أبي"، الذي يصفه "الليبراليون" بالقومي المتعصب فيما يصفه آخرون بالتوليفة المحبوكة ما بين التصلب والكياسة، عرف بمساندته لفكرة زيارة مقابر "ياسكوني" سنوياً، ولمشروع تغيير مناهج التاريخ المدرسية، ولجعل التحالف مع واشنطن ركيزة لسياسات اليابان الخارجية والأمنية. وبالنسبة لشخصية مثله تدين في شهرتها على الساحة المحلية لحملتها من أجل إطلاق المدنيين اليابانيين الذين اختطفتهم المخابرات الكورية الشمالية في الثمانينيات، ثم لاحقاً لتوليها قيادة المفاوضات مع بيونغ يانغ حول تحريرهم، فإن ملف العلاقات مع الأخيرة وضرورة اتخاذ موقف صلب إزاءها يحتل مكاناً بارزاً في أجندتها، بل كان سبباً في تنامي شعبيتها على حساب منافسيها على زعامة البلاد.

ومما رشح عن أجندة "أبي" أيضاً، أنه سيسعى إلى الإتيان بحكومة جل أعضائها من الشباب المؤهل تأهيلاً عالياً و من الذين تخرجوا من أعرق الجامعات الأميركية مثل هارفارد وييل وجورج تاون، خاصة أنه شخصياً واصل تعليمه العالي في العلوم السياسية في جامعة جنوب كاليفورنيا من بعد تخرجه في عام 1977 من جامعة سايكاي اليابانية.

بقي أن نذكر أن ما يختلف فيه "أبي" عن سلفه، أنه قادم إلى السلطة من أسرة سياسية عريقة. فخاله الأكبر "آيسوكي ساتو" الذي تولى زعامة اليابان ما بين عامي 1964 و1972 وحصل على جائزة نوبل لجهوده في نزع الأسلحة النووية، هو أحد أطول رؤساء الحكومات اليابانية بقاء في السلطة. وجده لأمه هو رئيس الحكومة في الخمسينيات "نوبوسوكي كيشي"، الذي سجن من قبل الحلفاء لدوره كوزير للتجارة في سنوات الحرب العالمية الثانية، قبل أن يطلقوا سراحه دون محاكمة في عام 1948. أما والده فهو "شينتارو أبي"، الذي تولى وزارة الخارجية في الثمانينيات فكان من ألمع من تولوا هذه الحقيبة، والذي أيضاً ظل محتفظاً بمقعده الانتخابي حتى وفاته في عام 1991، حينما تنافس ابنه على ذات المقعد وفاز به في عام 1993.

إن اليابان حتماً ستفتقد خدمات كويزومي ونظرته الثاقبة، وما أضفاه على الحياة السياسية من حركة وحيوية غير مسبوقة، لكن عزاء هذه البلاد التي تشكل وضعاً فريداً لجهة أحادية العرق والثقافة واللغة والحضارة، هو أن خليفته لا يقل عنه جاذبية وديناميكية واندفاعاً نحو الإصلاح والتجديد، وإن وجده البعض "صقراً" في مسائل الأمن والدفاع وغير مستعد للمساومة حول مصالح اليابان القومية، وبما قد يجر البلاد إلى علاقات متوترة مع جارتيها الصينية والكورية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- 10- 9- 2006