التنازع المذهبي والقمة الإسلامية

 

 

عبد الرحمن الراشد

 

يكفي قمة مكة المكرمة أنها جمعت أبرز القادة في العالم الاسلامي، رغم ما تفرقهم من خلافات سياسية ومذهبية. رأينا يد العاهل السعودي تمسك بيد الرئيس الإيراني قبالة الكعبة، تاركة لنا تفسيرا؛ دلالاته زعامتان سنية وشيعية في وقت تنجرف فيه المنطقة بشكل سريع نحو التناحر المذهبي الذي يهدد ألف مليون مسلم بحروب طائفية؛ دوافعها الحقيقية سياسية او شخصية.

ويُحسب للملك عبد الله بن عبد العزيز الذي ركز في كلمته، داعيا الى التسامح والمحبة، على انه اول من حارب صراحة الانشقاقات المذهبية بين المسلمين، وهو أيضا أول من مد يده الى ايران في فترة رئاسة هاشمي رفسنجاني وساعدها على استضافة القمة الاسلامية بعد ان كان التوجه في قمة اسلام اباد عكس ذلك. ثم في عهد الرئيس محمد خاتمي مد يده أيضا وبادر الى ترميم العلاقة الثنائية مع ايران بتسيير الخطوط الجوية وإرسال سفير الى طهران. لقد كسر العزلة عن ايران وتبعته عدة دول عربية واسلامية أخرى.

ولو التفتت القمة الى معالجة موضوع واحد بدل بعثرة جهدها على النقاط المائة في بيانها الختامي الطموح لكان نصرا عظيما. وأعني بذلك مواجهة الانحدار السريع نحو الخلاف والتحزب ووقفه والتقاتل المذهبي بين السنة والشيعة في أرجاء متفرقة مضطربة من العالم الاسلامي.

وحري بالدول ان تنظر الى المشكلة في بداياتها اليوم قبل ان تنشب معاركها ويصبح من المستحيل قطعا وقفها. ولو اتفقت هذه الدول على مشروع محاربة الكراهية المذهبية التي تنتشر في المنتديات والمجالس الفكرية والدينية في كثير من الدول، فإنها تكون قد عصمت هذه الأمة من مآس كبيرة مقبلة. وليس منع الإساءات الى المذاهب وأتباعها بالأمر الصعب عندما توضع سياسة واضحة لها أسنان حادة تحاسب التكفيريين والمرجفين ومسوقي الفتن.

التصدي للكراهية المذهبية أهم من التصدي لكراهية الآخرين لأن خطرها داخلي، ومواجهتها فيه إنقاذ لكل دولة من أسوأ ما يمكن ان يواجهها. فيه انقاذ للعالم الاسلامي الكبير الذي تختلط فيه الشعوب بمعتقداتها التي ولدت عليها. وما نسمعه عن أنباء الفتن الصغيرة اليوم فيه إنذار باحتمال اندلاع حروب النزاعات المذهبية التي نرى بذورها تنبت في عديد من الدول الاسلامية بنحو علني وفج للغابة. فالتنازع المذهبي مبني على جدل فكري او تنافس انتخابي يجر بعضه بعضا داخل الحدود، وحتى خارجها.

القمة الاسلامية لامست القضية بحذر، مطالبة ان تكون اكثر شجاعة وصراحة في مواجهة التكفيريين المذهبيين. فمواجهتهم قضية عامة، لا خاصة بدولة واحدة، تتطلب تبني قوانين صريحة تردع مروجي الكراهية والحروب المذهبية. القمة مُطالبة بأن تقود الجميع نحو اتفاق يحرم التنازع المذهبي فكرا وسلاحا، علنا وسرا. ويعتبره جريمة يعاقب فاعلها مهما علا شأنه. وكل ذلك بحسب الدكتور عبد الرحمن الراشد

المصدر : الشرق الأوسط - 10-12-2005