مقالات و محاضرات

 

 

أسرار التردد الفرنسي لحفظ السلام في لبنان

 

 

 

 جيمس تراوب

 

فرنسا و حفظ السلام في لبنان وتهافت "الحجة البوسنية"

عندما تم الضغط على المسؤولين الفرنسيين لشرح السبب الذي دعا بلادهم إلى تقديم 200 جندي فقط للمشاركة في القوة الدولية المزمع تكليفها بمراقبة تنفيذ اتفاقية وقف إطلاق النار في لبنان والمقرر أن يصل عدد جنودها إلى 15 ألف جندي، لم يجد هؤلاء المسؤولون أمامهم سوى العودة إلى تاريخ عمليات حفظ السلام والزعم بأنهم لا يريدون أن يتورطوا في "بوسنة" جديدة. وقد عبَّرت دول أوروبية أخرى عن آراء مماثلة فيما يتعلق بتلك القوة، مما يلقي بظلال من الشك على نجاح العملية برمتها.

لا خلاف على أن تجربة حفظ السلام في البوسنة كانت سيئة للغاية حيث أُلقي بجنود قوة حفظ السلام عام 1992 وسط أتون حرب أهلية مشتعلة دون أن يكونوا مزودين بالتفويض والوسائل اللازمين لتنفيذ مهمتهم. وهكذا وتحت زعم المحافظة على الحياد بين الأطراف المتحاربة، وقف جنود تلك القوة مكتوفي الأيدي وهم يشاهدون الصرب يذبحون المدنيين البوسنيين بلا رحمة. وليس هذا فحسب بل إن هؤلاء الجنود الذين كانوا يفتقرون إلى التسليح وإلى الأعداد الكافية تعرضوا في نهاية المطاف إلى إهانات كبيرة.

ولكن هذا كان في الماضي، أما الآن فإن المنظمة الأممية تعلمت من تجربتها في البوسنة كما تعلمت من تجارب حفظ السلام اللاحقة عليها مثل تجربة الصومال 1992- 1993، وتجربة رواندا عام 1994. فمن خلال تلك التجارب أصبحت قوات الأمم المتحدة أكثر قدرة على التدخل، وأكثر قدرة على العيش وسط ظروف الفوضى والافتقار إلى الأمن، وأكثر قدرة أيضاً على تحليل التهديدات والمخاطر بأسلوب عقلاني هادئ، وعلى استخدام القوة بشكل يمكِّنها من النجاح في مواجهة كافة التهديدات.

وقد تمكنت الأمم المتحدة وفقاً لذلك من تحقيق النجاح في تجربة حفظ السلام في سيراليون حيث استطاعت قواتها توفير الحماية للحكومة الشرعية المحاصرة وجردت المتمردين من أسلحتهم، وسلمتها للجيش النظامي وقوات الشرطة لإعادة الأمن وحكم القانون في مختلف أجزاء البلاد. وفي مهمة حفظ السلام في دولة الكونغو قامت القوات الهندية والباكستانية العاملة ضمن قوات الأمم المتحدة باستخدام الطائرات العمودية ضد المليشيات، التي كانت تقوم بترويع السكان المحليين على الحدود الشرقية للبلاد. وعلى الرغم من أن تلك القوات لم تحقق نجاحاً كبيراً في هذه المهمة إلا أن وجودها هناك هو الذي مكَّن الكونغو في النهاية من تنظيم أول انتخابات منذ 40 عاماً.

كانت عمليات حفظ السلام قبل البوسنة أقرب ما تكون إلى عمليات العلاقات العامة. وكان جنود دول غربية مثل كندا وبولندا والسويد وأيرلندا وغيرها من يشكلون القوام الرئيسي لتلك القوات. ولكن مع مرور الوقت فقد مسؤولو الدول الغربية حماسهم للمشاركة في عمليات حفظ السلام، وهو ما أدى إلى تحولها إلى شأن من شؤون العالم الثالث حيث أصبحت وحدات من جيوش دول تقع في ذلك الجزء من العالم تشكل تلك القوات.

وهذا هو السبب في أن دولاً غربية، وليس دولاً من العالم الثالث هي التي أحجمت عن المشاركة في قوة حفظ السلام في لبنان. وكانت حجة تلك الدول في ذلك أن "قواعد الاشتباك" الخاصة بتلك القوة غير واضحة بشكل كافٍ.

ولكن تلك القواعد التي شارك الفرنسيون أنفسهم في وضعها تسرب بعضها، وأصبحنا نعرف الآن أن تلك القواعد تختلف عن تلك التي طُبقت في البوسنة حيث كانت قواعد الاشتباك آنذاك تحتِّم على الجنود عدم إطلاق النار ما لم يتم إطلاق النار عليهم أولاً، وحتى في تلك الحالات كان جنود تلك القوات نادراً ما يقومون باستخدام أسلحتهم.

فجنود قوة حفظ السلام في لبنان سيمتلكون تفويضاً يخولهم استخدام القوة لحماية أنفسهم، وحماية المدنيين، بل ومواجهة مقاتلي "حزب الله" أو الجنود الإسرائيليين الذين يرفضون إلقاء أسلحتهم عند حدوث اشتباكات (ولكن لن يكون من حقهم البحث عن الأسلحة المخبأة)

وفي الحقيقة أنه إذا ما قدِّر لتلك القوة أن تكرر فشل البوسنة، فإن ذلك لن يكون بسبب عدم وضوح "قواعد الاشتباك"، ولكن بسبب الآليات العجيبة بل والهزلية التي يتم بها تشكيل تلك القوات وتجميع الأعداد الكافية منها. فنرى مثلاً أن قراراً يصدر من مجلس الأمن بتشكيل قوة لحفظ السلام يحدد فيه أعداد تلك القوة، ولكن الذي يحدث في أحيان كثيرة هو أن تكون الأعداد التي يتم تجميعها أقل من المقرر وتكون النتيجة المحتمة أن مثل تلك القوات تصبح غير قادرة على تنفيذ المهام المنوطة بها.

إذن يمكن القول إن تجميع الأعداد الكافية من القوات، وتسليحها بشكل جيد، وتزويدها بالموارد الكافية التي تمكِّنها من تنفيذ مهمتها بطريقة احترافية ووفقاً للتفويض الممنوح من مجلس الأمن، كان هو دائماً الثابت الوحيد وسط متغيرات عديدة أحاطت بقوات حفظ السلام الدولية عبر السنين.

هناك العديد من الأسباب التي تدعو إلى التخوف من إرسال قوات إلى جنوب لبنان، منها أن إسرائيل التي تشعر بجرح عميق جراء فشلها في تحقيق الأهداف التي أعلنت عنها في بداية غزوها للبنان، مستعدة لمواصلة القتال في أية لحظة لتحقيق تلك الأهداف.. ومنها أن "حزب الله" سيبذل قصارى جهده لإخفاء أسلحته وعدم تسليمها. ومنها أن فرنسا التي انضمت للولايات المتحدة على مدى السنتين الماضيتين في إجبار سوريا على تخفيف قبضتها على لبنان لديها أيضاً من الأسباب ما يدفعها للخوف من تعرض جنودها لاعتداءات من جانب سوريا.

نعم ولكن النزاع في لبنان نزاع عالمي وليس مجرد مشكلة إقليمية.. وهو ما دعا الولايات المتحدة وفرنسا إلى السعي جدياً إلى التوصل إلى حل للصراع في المقام الأول.

وإذا ما أخفق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في تجميع الحد الأدنى من أعداد الجنود اللازمين لتشكيل تلك القوة، فإنه لن يكون بمقدور أحد أن يلوم الأمم المتحدة على فشل مهمتها هذه المرة.

*كاتب أميركي ومؤلف كتاب: "أفضل النوايا: كوفي عنان والأمم المتحدة في عصر القوة العالمية الأميركية" الذي سيصدر في أكتوبر القادم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-26-8-2006