هل الهزيمة في لبنان ستدفع الأسرائيليين إلى طريق جديد أقل عنفاً ؟

 

 

 

د. عبد الوهاب المسيري

 

حرب لبنان: الفشل سيد الموقف!

لا تزال الهزيمة التي مُنيت بها الدولة الصهيونية في عدوانها الهمجي على لبنان، بما كشفت عنه من أوجه قصور خطيرة في الأداء العسكري، تفرض نفسها بقوة على الرأي العام في الكيان الصهيوني وتنعكس بصورة جلية في كتابات المحللين العسكريين والسياسيين، وكذلك في الجدل المحتدم في مختلف مؤسسات الدولة بشأن تحديد المسؤولية عن فشل العملية العسكرية المدعومة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً من الولايات المتحدة الأميركية. ومن المؤكد أن هذا الجدل سيزداد حدةً خلال الأسابيع والشهور القادمة، وخاصةً مع اتساع الإدراك في صفوف سكان المستوطَن الصهيوني لانعكاسات الهزيمة وتبعاتها الوخيمة في مختلف مناحي الحياة اليومية. ومن المؤكد أيضاً أن الأمر لن يقف عند حدود تبادل الاتهامات بين القادة السياسيين والعسكريين، بل قد يتجاوز ذلك إلى الإطاحة ببعض هؤلاء القادة وبالحكومة القائمة على تحالف هش بين حزب "كاديما" بزعامة رئيس الوزراء إيهود أولمرت وحزب "العمل" بزعامة وزير الدفاع "عمير بيريتس" وبعض الأحزاب الأصغر وزناً. وقد بدأت الأصوات تتعالى بالفعل مطالبةً باستقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة بعد أن ثبت بما لا يدع مجالاً للشك فشل هذه الحكومة وقواتها العسكرية في تحقيق أي من الأهداف الطموحة التي وضعتها للعملية العسكرية، ومن ثم عجزها عن أن تكون أداة للردع أو لتوفير الأمن، فضلاً عما لحق بالقوات العسكرية وبالكيان الصهيوني بأكمله من خسائر فادحة.

وتكاد نبرة الإحساس بالفشل والهزيمة تكون النبرة السائدة في كتابات معظم المعلقين الإسرائيليين، رغم كل الجهود التي يبذلها قادة الكيان الصهيوني، ومعهم الإدارة الأميركية، لإشاعة التفاؤل والتهوين من قيمة الانتصار الذي حققه "حزب الله" ومن ورائه الشعب اللبناني. وكما كان الحال في أعقاب حرب أكتوبر 1973 والانتفاضة الفلسطينية الأولى في عام 1987 ثم انتفاضة الأقصى في عام 2000، فإن كثيراً من الكُتاب لا يخفون تشاؤمهم بشأن مستقبل الدولة الصهيونية نفسها، ويرون أن العد التنازلي لزوالها قد بدأ.

ويُعد مقال "يونتان شيم أور" بعنوان "أُسست تل أبيب في عام 1909 وفي عام 2009 ستصبح أنقاضاً" (صحيفة معاريف، 17 أغسطس 2006) نموذجاً واضحاً لذلك الشعور العميق والمتنامي بالتشاؤم، إذ يقول الكاتب:

"بعد كل التحليلات والنقاشات، لن يبقى حقاً سوى الحقائق المادية الصلبة. قبل مئة عام أقاموا أولى المدن العبرية، وبعد مئة عام من العزلة قُضي أمرها... هذا هو المصير الذي كُتب على شواهد قبور الجنود الذين احتلوا بلدة بنت جبيل خمس مرات، وفي أوامر أعظم الجيوش في الشرق الأوسط، والذي لم ينجح آلاف من طياريه وخمسون ألفاً من مقاتليه في إخضاع بضع مئات من مقاتلي "حزب الله". ولن يكون بمقدور جميع لجان التحقيق التي ستُشكَّل أن تغير الصورة. فلن يقرر مستقبلنا تعلم الأخطاء التي وقعنا فيها بل الدرس الذي سيستخلصه العدو... أصبح الأمر خاسراً تقريباً. أما إذا كنا نريد، بالرغم من هذا، أن نهزم القدر، فيجب أن نفعل ذلك الآن. يجب علينا أن نفعل ذلك، وإلا فسوف ينقضي الأمر".

وتتردد أصداء هذا التشاؤم والإقرار بفداحة الهزيمة في مقال "رؤوبين بدهتسور" (صحيفة هآرتس، 16 أغسطس 2006)، والذي يستهل تحليله لنتائج الحرب بعقد مقارنة بين هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام وهزيمة الدولة الصهيونية في لبنان، فيقول:

"بدأ فشل الولايات المتحدة يتضح عندما تبنى الجنرال "فستمورلاند"، قائد القوات الأميركية في فيتنام، نهج إحصاء الجثث كبديل للانتصارات العسكرية. فعندما أصبح عاجزاً عن ذكر أية إنجازات على أرض المعركة، راح هذا القائد يرسل إلى إدارته في واشنطن بياناً يومياً بعدد جثث الجنود الفيتناميين الذين قتلتهم قواته.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تبنى الجيش الإسرائيلي هذا النهج نفسه. فعندما يخوض الجيش الأكبر والأقوى في الشرق الأوسط منازلةً على مدى أسبوعين مع 50 مقاتلاً من "حزب الله" في بلدة "بنت جبيل" ويفشل في إخضاعهم، لا يبقى أمام قادته سوى الإشارة إلى عدد جثث القتلى من الأعداء. ومن المتوقع أن تتحول "بنت جبيل" إلى رمز لحرب لبنان الثانية، لتكون هذه المعركة في تراث وتقاليد مقاتلي "حزب الله" مثل "ستالينجراد" لبنانية. أما بالنسبة لنا فستكون تذكاراً مؤلماً لفشل الجيش الإسرائيلي في الحرب.

لقد قال زئيف شيف:

إننا تلقينا صفعة، ولكن يبدو أن المصطلح الأكثر ملاءمة هو ضربة قاضية. فلسنا أمام فشل عسكري فقط، بل فشل استراتيجي لم تتضح بعد تبعاته وانعكاساته السلبية بعيدة المدى. وما زلنا - مثل الملاكم بعدما يتلقى الصدمة- جاثمين على الأرض فيما يشبه الإغماء محاولين فهم ما حدث لنا".

ويؤدي هذا الإقرار بالفشل إلى عقد مقارنة أخرى بين النتائج التي أفضت إليها حرب لبنان ونتائج حرب عام 1973، من حيث القضاء على وهم الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وهي مقارنة تتكرر كثيراً في كتابات معظم المعلِّقين ولا تخلو من دلالة عميقة، فيقر صراحة بأن:

"فشل الجيش الإسرائيلي في القتال يهدر ثروتنا الأهم بالنسبة للأمن القومي، ألا وهي صورة الدولة القوية الجبارة التي تمتلك جيشاً ضخماً وقوياً ومتطوراً قادراً على توجيه ضربات ساحقة لأعدائنا إنْ أقدموا على مجرد التحرش بنا. لقد كانت هذه الحرب، كما اتضح بسرعة كبيرة، حرباً على الوعي والردع، وقد فشلنا في الحالتين".

ولا ينكر جدعون ليفي (صحيفة هآرتس، 13 أغسطس2006) هذا الفشل ولكنه، بخلاف غيره من المحللين، يرى فيه فرصةً للتفكير في الأخطاء واستخلاص الدروس التي لم يكن بوسع الدولة الصهيونية أن تتوصل إليها لولا هذا الفشل، فيقول:

الأنباء السيئة (والمتوقعة) هي أن إسرائيل تخرج من هذه الحرب مهزومةً. أما الأنباء الطيبة (والمدهشة) فهي أن هذا الفشل قد يسفر عن بشائر جيدة. فلو أن إسرائيل انتصرت في المعارك انتصاراً سهلاً وجارفاً لأدى ذلك إلى ضرر فظيع للسياسة الأمنية الإسرائيلية. ولو نجحت إسرائيل في توجيه ضربة خاطفة لجلب ذلك كارثة لنا، لأن نشوة الانتصار كان من شأنها أن تغري بتكرار ذلك في ساحات أخرى، وهو الأمر الذي كان كفيلاً بإشعال نار هائلة يمتد أثرها إلى المنطقة بأسرها. وفي المقابل، فقد تؤدي الهزيمة في هذه الحرب الصغيرة إلى تلقيننا درساً مهماً للمستقبل، وربما دفعنا إلى تغيير لغة العنف والقوة التي نتحدث بها مع جيراننا. لقد أصبح القول بأنه لا يمكن لإسرائيل أن تسمح بأن تلحق بها الهزيمة على أرض المعركة قالَباً فارغاً من المضمون ومقولة عدمية مكررة. أما الفشل فلن يعود بالنفع على إسرائيل فحسب، وإنما قد يكون كذلك سبباً في تلقين الأميركيين درساً مهماً مفاده أنه لا جدوى من دفع إسرائيل نحو مغامرات عسكرية".

ويطالب الكاتب حكومته بأن تتخلص من أوهامها، وأن تدرك عدم قدرة الآلة العسكرية على إثناء الشعوب العربية عن التطلع إلى الحرية والسيادة واستعادة الحقوق، ثم يخلص في النهاية إلى نتيجة جوهرية تمثل، في نظره، المَخرج الوحيد للدولة الصهيونية، فيقول:

"إذا انتهت هذه الحرب، كما تنتهي اليوم، فربما يسأل عدد أكبر من الإسرائيليين أنفسهم:

 لماذا نقتل ونُقتل؟ وربما يدركون أن هذا كله كان بلا جدوى مرةً أخرى. ولعل الإنجاز الذي حققته هذه الحرب يكمن في أن تحفر فشلها عميقاً في الوعي الإسرائيلي، وهو الأمر الذي قد يدفع إسرائيل إلى طريق جديد أقل عنفاً وأقل عربدةً".

وسواء رأى البعض في الفشل مقدمةً للانهيار الشامل للمشروع الصهيوني أو فرصةً للنهوض من جديد، فمن الواضح أن هذا الفشل قد أصاب "الوعي الإسرائيلي" بصدمة تدفعه إلى إعادة النظر في كثير من المسلَّمات الصهيونية والإقرار بعبثية استمرار الوضع على ما هو عليه، وهذا في حد ذاته انتصار آخر للمقاومة اللبنانية لا يقل أهميةً عن الانتصار في ساحة القتال.

والله أعلم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-26-8-2006