تركيا في لبنان .. وتركيا "النووية" في الأفق؟

 

 

 

رحّـبت إسرائيل بقوة بمشاركة تركيا في قوات اليونيفيل بجنوب لبنان (في الصورة لقاء وزير الخارجية التركي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يوم 20 أغسطس 2006 في مكتبه بالقدس) Keystone ضجّـة كُـبرى هذه الأيام في لبنان، وبالتحديد في أوساط الشيعة والأرمن اللبنانيين، حيال احتمال انضمام تركيا إلى القوات الدولية في الجنوب.

ومع أن مشاركة تركيا في اليونيفيل التي أقرها يوم الثلاثاء 5 سبتمبر مجلس النواب التركي، ستكون رمزية حقاً، لكن ذلك سيقتصر على الحجم فقط.

الأسباب؟ د. محمد نور الدين، الخبير بالشؤون التركية، لخّصها في ندوة أخيرة لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت على النحو الآتي: "مشاركة بعض القوات التركية في "اليونيفيل"، هي خدمة لإسرائيل، وستشكِّـل دفعاً للعلاقات التركية - الإيرانية إلى حقول جديدة وخطيرة من التوتر، منها حقول الحساسية السنّية - الشيعية التي حذّر منها عدد كبير من المعلقين الأتراك".

ويضيف: "إسرائيل حريصة على مشاركة قوات تركية في القوات الدولية، لا بل ترأسها أيضاً، لأن تركيا دولة أطلسية وعِـلمانية ومسلمة، وجيشها مدرّب جيّـداً ومحترف جيداً".

وكما في لبنان، كذلك في تركيا والولايات المتحدة. فالعلمانيون الأتراك يشنّـون بدورهم الحملات العنيفة على هذه الخطوة، متّـهمين حزب العدالة والتنمية، الذي يرأسه أوردوغان، بأنه يريد توريط البلاد أكثر في شؤون وشجون الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

و"وول ستريت جورنال" الأمريكية ذهبت أبعد من ذلك، حين شدّدت على أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يسعى منذ استلامه السلطة عام 2002 لاستبدال الهوية القومية التركية بالهوية الأممية الإسلامية، ولإقامة "شرق أوسط إسلامي"، وأيضاً لنسف التحالف الاستراتيجي القديم بين أنقرة وتل أبيب.

إطار أبعد

 من يَـجب أن نصدّق هنا؟ الأمريكيين والعِـلمانيين الأتراك، الذين يعتبرون الدور التُّـركي في جنوب لبنان خطراً على الهوية القومية التركية وعلى إسرائيل معاً؟ أم أنصار إيران وحزب الله، الذين يرون في هذه الخطوة خِـدمة لإسرائيل وللهوية القومية التركية؟

أمر محّير، لكن هذه الحِـيرة تتبدّد حين نعلم أن الأطراف كافّـة في تركيا، الإسلامية كما العِـلمانية، معنية بشكل مباشر (وبرغم الجدل الداخلي الراهن)، ليس فقط بالصِّـراع الراهن على أرض لبنان بين إيران وأمريكا، بل أيضاً وأساساً بالتطورات المتسارعة التي تجري داخل إيران نفسها، خاصة على صعيد التسلح النووي.

فهي معنية، لأن إيران الحائزة على القنبلة النووية والصواريخ بعيدة المدى، ستقلب كل موازين القوى في الشرق الأوسط رأساً على عقِـب، وقد تعرّض للانكشاف الموقع الإستراتيجي التركي برمّـته في منطقتي الشرق الأوسط - آسيا الوسطى.

وهي معنية أيضا، لأن خروج إيران مُـنتصرة من المُـجابهة الراهنة، قد يجدّد مخاوف تركيا التاريخية القديمة من إيران الصفوية الشيعية، لأن نحو 15 - 20 مليوناً من الأتراك (أي خمس السكان) هم من الشيعة العلويين.

ثم أنها معنية أخيراً، لأنها تريد أن تكون على لائحة ضيوف الخرائط الجديدة التي تُـعد لـ " الشرق الأوسط الجديد"، لا على لائحة الطعام.

كل هذا يعني أن مشاركة تركيا في اليونيفيل التي أقَـرها مجلس النواب التركي يوم الثلاثاء 5 سبتمبر، ستكون رمزية حقاً، لكن في الحجم فقط. أما في المدلولات والمضاعفات، فقد تثبت أنها نقطة تحوّل في مسارات الشرق الأوسط ومصائره.

 هل تتضمن نقطة التحوّل هذه احتمال نُـشوب سباق تسلُّـح نووي بين تركيا وإيران؟

 السباق النووي

 سنُـجيب على هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، تذكير بأن العلاقات الإيرانية - التركية تذبذبت دوماً بين الصداقة والتنافس.

ففي أعقاب الثورة الخُـمينية عام 1979، دخلت هذه العلاقات في مرحلة تبرّد جليدي وشكُـوك متبادلة، تفاقم منها تبلور المثلث الإستراتيجي التركي – الأمريكي - الإسرائيلي، وقبله الاتفاقية العسكرية التركية - الإسرائيلية عام 1996.

بيد أن هذه العلاقات شهدت تحسُّـناً دراماتيكياً بعد وصول حزب العدالة والتنمية التركي، ذي الأصول الإسلامية، إلى السلطة في نوفمبر 2002، وكان هذا على كل المستويات: التجارة تضاعفت أربع مرات: 19% من استهلاك تركيا من الغاز الطبيعي باتت تأتي من إيران، مقرونة بوعود من طهران بتسهيل تحقيق طموحات أنقرة بأن تتحوّل إلى ممر رئيسي للنفط والغاز الإيراني والروسي والقزويني إلى أوروبا وما بعدها.

ترافق هذا الازدهار الاقتصادي مع شهر عسل سياسي حقيقي. فالبلدان رفضا الغزو الأمريكي للعراق وتقاسما القلق من الصّـعود الكردي في شمال بلاد الرافدين، وندّدا بشكل مشترك بالدّعوات لحسم الصراع الإيراني - الأمريكي بالقوة العسكرية.

كانت الأمور إذن تسير على أحسن ما يُـرام، إلى أن أطلّـت مسألة التسلّـح النووي الإيراني برأسها على الساحة. حينها، بدأت العلاقات تعود شيئاً فشيئاً إلى مرحلة التبرّد الجليدي، خاصة بعد أن قام رئيس مجلس الأمن القومي التركي يغيت ألبوغان بزيارة واشنطن في يناير 2006 وأعلن من هناك "عدم سعادة أنقرة لنقص الشفافية في برنامج الأبحاث النووية الإيرانية". وقيل وقتها، إن محادثات ألبوغان مع كبار المسؤولين الأمريكيين تركّـزت على "تحديد دور تركيا في احتواء طموحات إيران النووية".

ثم جاءت خطوة تركية ثانية لا تقل أهمية: قرارٌ ببناء خمس محطات نووية دُفعة واحدة، أولها، سيبدأ العمل عام 2012، ليس فقط لتوليد 10% من حاجات البلاد من الكهرباء، بل، أولاً وأساساً، لمواكبة التحوّل السريع للجارة الشيعية الكبرى إلى قوة نووية.

 نعود الآن إلى سؤالنا الأولي: هل يندلع سِـباق التسلّـح النووي بين تركيا وإيران؟

"المؤسسة الملكية للدراسات الدولية البريطانية" تبدو واثقة كُـليا". تركيا ستشعر بأنها مُـجبرة على الانضمام إلى سِـباق التسلّـح النووي للحفاظ على توازُن القِـوى مع جارتها القوية، وهذا سيتِـم على أساس مبدأ "الدمار المؤكّـد المتبادل"، الذي ينصّ على أن حجم التدمير الهائل الذي تسبِّـبه الانفجارات النووية، يشجّـع على ضبط النفس من جانب الدول التي تمتلك مثل هذه الأسلحة، ومن المحتمل، أن يحكم هذا المبدأ، الذي ساد طيلة الحرب الباردة، إيران وتركياالآن"، هذا، برأي المؤسسة، هو الخيار المنطقي الوحيد ذو المصداقية التي في حوزة تركيا الآن.

لكن، هل هذا "الخيار الوحيد" قصر على تركيا وحدها؟ ماذا عن الدول العربية الإقليمية، كالسعودية ومصر وسوريا، التي ستجد نفسها، عمّـا قليل، إذا ما أفلت سِـباق التسلُّـح النووي من عِـقاله في المنطقة، بين مطرقة القنبلة الذرية الإسرائيلية وبين سندان القنابل الإيرانية والتركية؟ ثم، هل يقودُ سِـباق التسلّـح هذا إلى محرَقة عامة أم إلى نظام إقليمي جديد مُـسالم على نسَـق نظام هلسنكي الأوروبي؟

 السعودية ومصر

يجب القول أولاً، أن إيران النووية ستَـطرح على أمريكا وإسرائيل، بوصفهما القوتين المهيمنتين على نظام الشرق الأوسط، خيارين لا يبدو أن ثمة ثالثاً لهما:

إما توجيه ضربة عسكرية ماحِـقة لها قد تتضمّـن، وِفق تقارير البنتاغون الأخيرة، احتمال استخدام أسلحة نووية تكتيكية صغيرة، يُـفترض أن تكون قادرة على تدمير المُـنشآت الذرية الإيرانية، تحت الأرض وفوقها، من دون إلحاق كبير أذَى بالمدنيين.

أو القبول بحيازة إيران للقنبلة والعمل على إقامة نظام أمني جديد يستند إلى نزع سلاح شامل في المنطقة أو على نظام توازُن رُعب تشارك فيه غير دولة في الشرق الأوسط.

الخيار الأول، لا يزال هو المطروح بقوّة على جدول الأعمال الأمريكي, وهذا لسبب بات أكثر من معروف: واشنطن ليست مستعدّة لا الآن ولا بعد 50 سنة (وهذا هو متوسط العمر الافتراضي للنفط)، أن يُـشاطرها أحد الهيمنة على موارد الطاقة الأحفورية. وبالطبع، ليس وارداً البتّـة أن تكون إيران الإسلامية النووية ذات المطامح الإقليمية الكبرى من بحر قزوين إلى البحر المتوسط، هي هذا الـ"أحد".

لكن، إذا ما واصلت أمريكا تلكُـؤها في ضرب إيران أو إذا ما سبقتها إيران إلى حيازة القنبلة، سيبرز إلى السطح سريعاً الخيار الثاني. وبما أن تجربة "منتدى الحدّ من التسلح والأمن الإقليمي"، الذي انبثق عن مؤتمر مدريد واستمر من 1992 إلى 1995 مُـنيت بفشل ذريع وأثبتت أن فكرة تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة معزولة السلاح هدف مستحيل، لن يبقى سوى انغماس الدول الإقليمية الأخرى في سباق تسلّـح نووي وصاروخي.

تركيا، كما أشرنا، بدأت بالفعل استعداداتها لخوض غِـمار هذا السباق، لكنها لن تبقى وحيدة طويلاً. فالسعودية لن تقبل بأي حال أن تقف مكتوفة الأيدي، فيما تلعَـب إيران بالقُـنبلة على مرمى حجر من الشواطئ العربية في الخليج، ولأنه سيكون من الصّـعب على المملكة، إيديولوجياً وسياسياً، قبول حماية المظلة النووية الأمريكية، لن يبقى أمامها سوى السعي لحيازة القنبلة ومعها أجهزة نقلها الصاروخية.

وكما تركيا والسعودية، كذلك مصر. صحيح أنه ليس لهذه الأخيرة خطوط تَـماس جغرافية مع إيران، إلا أن لها معها خطوط تماس إستراتيجية. فمصر لن تقبل بأي حال أن ينتزع منها أحد منصب الزعامة الإقليمية، حتى وهي مكبّـلة مع إسرائيل بكامب ديفيد ومع أمريكا بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية.

المسألة هنا لها علاقة عضوية ببنية الدولة المصرية نفسها، لا بتوجهات النظام المصري، أياً كان هذا النظام، وهذا أمر حسمه التاريخ قبل خمسة آلاف عاما، وثبتته "عبقرية الجغرافيا" (كما اكتشف عن حق جمال حمدان) في قوانين حديدية صارمة.

بالتالي، مصر النووية ستكون حتمية أيضاً، إذا ما أصبحت إيران نووية، وهذا سيحدث حتى لو أدّى الأمر بالقاهرة إلى خوض مجابهات مع أمريكا التي قد تعتّـرض لأسباب إسرائيلية، على هذا التوّجه.

تركيا والسعودية ومصر. مَـن أيضاً؟ ربما كذلك سوريا، التي تمتلك أيضاً أسلحة دمار كيماوية - صاروخية مهمّـة، والتي سيكون بإمكانها هي الأخرى مداعبة هذا الخيار، إذا ما عادت إلى حظيرة المثلث التاريخي المصري – السعودي – السوري، الذي ضمَـن بقاء نظامها الحالي طيلة 30 عاماً، والذي قد يتّـخذ موقفاً موحداً من مسألة التسلح النووي في الشرق الأوسط.

بالطبع، إنزلاق المنطقة نحو هذا "التسخين" النووي لا يزال في بداياته الأولى، وهو، على أي حال، سينتظر حصيلة المُـجابهات الراهنة بين إيران والغرب، سواء منها الاقتصادية - الدبلوماسية أو العسكرية.

لكنه، مع ذلك، يبدو كقدر لا مفر منه، ليس لأن إيران دشّـنته (فإسرائيل فعلت ذلك قبلها بخمسين عاماً)، بل لأن القنبلة باتت مطروحة كوسيلة رئيسية من وسائل السياسة والأمن القومي والأدوار الإقليمية في الشرق الأوسط.

 وحين يُـطرح الأمر على هذا النحو، يُـصبح تجاوز العتبة النووية "أمراً عادياً"، يُـمكن التفكير به، ويُـصبح، بكلمات أوضح، أسهل من شربة ماء، "مياه ثقيلة" على وجه الخصوص!

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر نصاً ودون تعليق .

 المصدر : swissinfo   6 أيلول/سبتمبر 2006