مقالات و محاضرات

 

 

 

لماذا خسر لبنان قضيته في مجلس الأمن؟

 

 

 

محمود المبارك

 

 

 

المتابع لقضية لبنان الأخيرة في مجلس الأمن التي تمخض عنها القرار رقم 1701 قد يخلص إلى أن هذه المعركة كانت قضية رابحة في يد محامٍ فاشل.

ففي الوقت الذي كانت إسرائيل ترتكب فيه جرائم حرب بقتلها المدنيين العزل، وقصفها الأهداف المدنية والمطارات والجسور والمساجد والمدارس، واستخدامها الأسلحة المحرمة دولياً، وانتهاكها القوانين والأعراف الدولية، نجد الموقف العربي في مجلس الأمن - إما عن جهل أو عن دراية - تجنب اتهام الحكومة الإسرائيلية بالتهم القانونية المناسبة لأعمالها الإجرامية.

بيد أن قضية لبنان هذه ليست بدعة في التعامل العربي مع القضايا القانونية الدولية. بل إنها تأتي متناسبة مع تاريخ عربي عريق لم يول الجوانب القانونية الدولية حقها من الاكتراث المستحق. فعلى سبيل المثال، وأثناء مفاوضات أوسلو التي قادت إلى المعاهدة الدولية الشهيرة بين الإسرائيليين من جهة، ومنظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها حينئذ الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني من جهة أخرى، تجلى الفهم القانوني للفريقين المتفاوضين في تشكيلة كل منهما. ففي حين خلا الوفد الفلسطيني المفاوض من خبراء في القانون الدولي في لقاءات هدفها توقيع معاهدة قانونية دولية! وتولى التفاوض القانوني في الجانب الفلسطيني سياسيون قدامى يرأسهم أبو عمار وأبو مازن وأبو... وأبو...، كان الوفد الإسرائيلي يحوي فريقاً كاملاً من القانونيين الدوليين والخبراء المختصين في توقيع المعاهدات الدولية.

القرار 1701 الذي وافق عليه مجلس الأمن بالإجماع في جلسته رقم 5511 بتاريخ 11 آب (اغسطس)، مثال كلاسيكي آخر للدلالة على فشل الطريقة العربية في التعامل مع القضايا القانونية الدولية. ففي قراره الآنف الذكر، حمّل مجلس الأمن «حزب الله» المسؤولية المباشرة عن بدء الحرب الإسرائيلية – اللبنانية الأخيرة. إذ نص القرار في ديباجته على أن المجلس «يعرب عن بالغ قلقه إزاء استمرار تصعيد الأعمال القتالية في لبنان وإسرائيل منذ هجوم حزب الله على إسرائيل في 12 تموز (يوليو) التي تسببت في وقوع مئات من القتلى...».

هذه العبارة تعد تحميلاً قانونياً مباشراً لمسؤولية الطرف الذي بدأ الهجوم وهو أمر في غاية الأهمية، إذ تترتب عليه مسؤوليات قانونية شتى، قد تشمل تحمل دفع تعويضات للطرف المتضرر (إسرائيل في هذه الحال) في المستقبل.

القرار احتوى أيضاً على مغالطات قانونية خطيرة، إذ وصف وضع الجنديين الإسرائيليين بـ «المختطفين»، الأمر الذي يجرم عمل «حزب الله» بدايةً، إذ أن الاختطاف جرم قانوني. ولكنه في الوقت نفسه وصف المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية بـ «السجناء» وهو الأمر الذي يبرر إبقاءهم كذلك. القرار أيضاً وبالانحياز نفسه للجانب الإسرائيلي يشدد على سرعة إطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين، ولكنه يشجع «الجهود الرامية إلى تسوية مسألة السجناء اللبنانيين»!

إضافةً إلى ذلك، في فقرته الأولى، دعا القرار «حزب الله» إلى الوقف الفوري لجميع الهجمات ودعا إسرائيل إلى وقف العمليات العسكرية الهجومية، وكأن القرار بطريق غير مباشر يبيح لإسرائيل القيام بأعمال عسكرية يمكن تبريرها على أنها أعمال دفاعية وما أسهل ذلك. ولا شك أن التأثير الإسرائيلي عبر الوسيط الأميركي كان واضحاً في صوغ القرار الأممي. فالقرار تضمن وجوب تنفيذ جميع ما طالبت به الحكومة الإسرائيلية، ولكنه «أخذ علماً» بالنقاط السبع التي طالبت بها الحكومة اللبنانية!

يأتي هذا القرار كنتيجة مباشرة للمرافعات التي تمت في مجلس الأمن خلال جلستيه 5508 و5511 اللتين عبر فيهما الطرفان العربي والإسرائيلي عن آرائهما. ففي الوقت الذي ركزت فيه الخطابات العربية على المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، ولم تطالب الأطراف العربية حتى بمجرد شجب الأعمال الوحشية الإسرائيلية التي راح ضحيتها مئات الأبرياء من المدنيين وتشريد أكثر من مليون مواطن وتدمير كل البنية التحتية للبنان، جاء الخطاب الإسرائيلي ليضع النقاط على الحروف ويتهم «حزب الله» مباشرة بالإرهاب.

القراءة القانونية لخطابات المندوبين العرب في جلسة مجلس الأمن رقم 5508 التي عقدت يوم 8 آب، تطرح تساؤلاً عن سبب خلو كلمات مندوبي الدول العربية من أي اتهامات مباشرة لإسرائيل، إذ لم تشمل الكلمات السياسية الفضفاضة التي ترنم بها المندوبون العرب أي اتهام قانوني محدد للحكومة الإسرائيلية، كتعمدها على سبيل المثال قصف المدنيين أو ارتكابها «جرائم حرب» أو «جرائم إبادة» مثل تلك التي حدثت في قانا أو القاع أو غيرهما، أو استخدامها الأسلحة المحرمة دولياً، على رغم أن هذه الاتهامات صدرت من منظمات حقوق الإنسان الدولية وبعض الدول الغربية.

فخلو الخطابات العربية من هذه الاتهامات يعني أحد أمرين: الأول هو جهل المندوبين العرب بالجوانب القانونية لعمل مجلس الأمن. فالمجلس أقرب ما يكون إلى محكمة دولية يصدر أحكامه بحسب ما يعرض عليه من المدعي والمدعى عليه. فإذا كان المدعي جاهل لأهمية الجوانب القانونية الدولية وفاته عرضها على القاضي، فليس له أن يتوقع حكماً قضائياً منصفاً، وإن كانت قضيته واضحة، فالمحكمة حين تصدر قراراتها إنما تأخذ في حسبانها ما عرض في ساحتها بغض النظر عما وقع فعلاً.

ولعل حال عدم الاكتراث بالجوانب القانونية الدولية عند أمة العرب تجيء نتيجة ثقافتها الموروثة التي تولي أهمية أقل للقانون الدولي. ففي الوقت الذي تولي فيه حكومات الدول الغربية وإسرائيل اهتماماً خاصاً باجتذاب خبراء القانون الدولي في دوائر صنع السياسات الخارجية، نجد أن المتنفذين من أهل القانون الدولي في صنع السياسات الخارجية للدول العربية مجتمعين أقل من الخبراء القانونيين الدوليين المتوفرين لدى وزارة الخارجية الإسرائيلية وحدها.

وفي الوقت الذي نجد فيه أن جميع رؤساء الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية - باستثناء عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة منهم الرئيس الحالي - وأن الغالبية العظمى من رجال الكونغرس الأميركي بشقيه وحكام الولايات هم من خريجي كليات الحقوق، نجد أنه لا يوجد حاكم عربي واحد يحمل شهادة حقوق، فضلاً عن شهادة تخصص في القانون الدولي!

ولكن، في وقت أصبحت المعلومة فيه ملكاً مشاعاً عبر الفضائيات والصحف والمجلات، قد يبدو من الصعب اليوم قبول منطق الجهل لدى الفريق العربي المتكفل بالدفاع عن حقوق الأمة العربية على منبر الأمم المتحدة.

ويبقى احتمال آخر وهو تعمد الجانب العربي إغفال إلصاق التهم القانونية بإسرائيل لسبب لا يخفى على الفطناء.

فقد كان الموقف العربي خالياً من أي صيغ قانونية مثيرة. بل إن مندوب الدولة العربية العضو في مجلس الأمن أساء - عن جهل أو عن قصد - إلى القضية اللبنانية واتهم المقاومة ضمناً بالإرهاب، حين أشار في كلمته التعقيبية في الجلسة 5508 إلى خطر تواصل رد فعل «الإرهابيين» في حال عدم اتخاذ إجراء حاسم من مجلس الأمن، إذ قال: «إن الإرهابيين يراقبون وسيزدادون جرأة في حال اعتماد مجلس الأمن طريق أنصاف الحلول...»، ثم أضاف: «أما إذا اعتمد المجلس طريق العمل... فسيعلم الإرهابيون وسادتهم في منطقتنا...». ولست أدري كيف يمكن تفسير هذا الاتهام على طريقة لا تقصد بها المقاومة الإسلامية في لبنان «حزب الله».

في المقابل، وصف مندوب الدولة العبرية ما قام به «حزب الله» بـ «العمل الإرهابي» وشجب دولاً أخرى كسورية وإيران لإعانتهما «حزب الله» على «أعماله الإرهابية». ولم يفت المندوب الإسرائيلي أن يندد بـ «حماس» ويربطها بـ «حزب الله» ويؤكد رباعية الشر: إيران وسورية و «حماس» و «حزب الله».

وفي تبريره لدفاع حكومته عن نفسها - تماشياً مع المادة 51 من الميثاق الذي يبيح لها الدفاع عن شعبها وأراضيها - قال المندوب الإسرائيلي إن «حزب الله» في حربه ضد إسرائيل «ألقى أكثر من 3500 قذيفة قاتلة مسددة بإجرام إلى الشعب الإسرائيلي، ونفذ بشراسة تهديداته على المدن الإسرائيلية والمدن المقدسة، واستهدف الرجال والأطفال والنساء اليهود والمسلمين والنصارى على حد سواء، مستخفاً بالتفرقة بين المدنيين وغير المدنيين».

الخاتمة إذاً أنه لا غرابة أن يصدر قرار مجلس الأمن منحازاً انحيازاً واضحاً الى الجانب الإسرائيلي، فقد يفشل محامٍ ما في إقناع قاضٍ منحاز أصلاً لأحد الخصمين في أية قضية، ولكن إذا كان القاضي والمحامي اتفقا على الحكم مسبقاً، فإن المسألة لم تعد مجرد قضية رابحة عند محامٍ فاشل، وإنما تكون قضية قاضٍ مجحف ومحامٍ متآمر!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية- 27-8-2006