هل تحتاج الولايات المتحدة لحكومة وحدة وطنية هي الأخرى؟!!

 

 

 

علاء فيصل

 

 

أخيراً إنجلت غبرة المعركة الإتنخابية الأمريكية لإنتخابات التجديد النصفي للكونغرس وإستطاع الديمقراطيين إحكام السيطرة على الكونغرس بمجلسية النواب والشيوخ.

و ما برح الجمهورييون ليعلنوا هزيمتمهم حتى قاموا بتصفيات"ديمقراطية" داخل الحزب الجمهوري وكلها مرتبطة بالشأن العراقي؛ فرامسفيلد يستقيل، هناك أنباء ( تمّ نفيها ) عن رحيل خليل زاد من بغداد وتعيين سفير جديد للولايات المتحدة في نيسان 2007 والرئيس يعترف ببطئ الخطة الأمريكية وعدم كفايتها وجودتها في العراق وغيرها من الأنباء السارة للكثير في منطقتنا بعد التسطيح والتبسيط .

لكن ما أثار إستياء العديد من النخب في كلا الحزبين الجمهوري و الديمقراطي في هذه الإنتخابات كان العراق والقضية العراقية وذلك لأن كل من الحزبين كان وما يزال يفتقد خطة واضحة ومحددة المعالم لمعالجة الأزمة في العراق.

واخرهذه المواقف المستاءة كانت  لتوماس فريدمان في مقال نشرته نيويورك تايمز أمس يقول فيه:

" إن هذه الانتخابات يجب أن تكون آخر انتخاباتنا التي تدور حول العراق أو بالأحرى التي يكون لما يحدث في العراق تأثير على نتائجها."

نعم إن الأخطاء الفادحة التي إقترفتها الإدارة الأمريكية بعد الحرب قد أتت ثمارها اليوم لصالح الديمقراطيين و ربما ستأتي ثمارها عام 2008 مرة أخرى.

لكن هل ستكون الإنتخابات الأخيرة كما يقول فريدمان آخر إنتخابات تدور حول العراق ؟!

الأهمية لهذا السؤال تكمن في المسؤولية التي سيتحملها الجمهورييون إزاء تواصل الأزمة في العراق.

فالناخب الأمريكي يعلم وكما صرح به خليل زاد أمس في تعليقه على أنباء ترددت عن إنتقاله من العراق، بأن : الرئيس الامريكي هو المهندس الاول للسياسة الخارجية، وهوالقائد العام للقوات المسلحة، ويفهم أهمية ما يحدث في العراق.

إذن الإجابة على السؤال المطروح يقودنا إلى سؤال أهم وهو هل سيوحد الحزبين الجمهوري والديمقراطي  طاقاتهم و جهودهم لإيجاد حل مشرف للأزمة في العراق قبل إنتخابات 2008 وقبل أن يخسر الحزب الجمهوري البيت الأبيض بعد خسارة مبنى الكبيتال ؟!

يبدوا ذلك مستبعدا جداً في ظل الإنقسام الحاد الذي يشهده الحزب الجمهوري على نفسه من جهة ومع الموقف من الحزب الديمقراطي من جهة أخرى.

فبعد ما تم إستبعاد الصقور من داخل الإدارة الأمريكية توقع الكثير تحسين أداء الإدارة في العراق ولكن إزدادت الأمور تعقيداً يوما بعد يوم وحتى إستقاله الوزير الدفاع رامسفيلد المطلوب رأسه من قبل الديمقراطيين و بعض الجمهوريين.

أصبح اليوم من الواضح أن الرئيس الأمريكي والحزب الجمهوري وقع ضحية إنقساماته الداخلية وذلك ما عبر عنه مهندس الحرب ريتشارد برل على صدام  بقوله:

" لا اعتقد انه ( الرئيس الأمريكي) ادرك حجم المعارضة وعدم الولاء في ادارته (بشأن الحرب على العراق)".

كما أن بيرل إنتقد الإدارة الأمريكية بعدم إتخاذ القرارات المناسبة وفي التوقيت المناسب وهذا إتهام كبار قادة المحافظين الجدد للإدارة وبعض العاملين فيها.

بعيداً عن السبب الكامن وراء توقيت هذه التصريحات لكن مجموعة الأحداث التي تلت الحرب في العراق وعدم حسم أبسط  الأمور كـ "من سيكون الحاكم الأمريكي في العراق مباشرة بعد إسقاط  النظام ؟" توحي بوجود مثل هذه الخلافات داخل حزب الجمهوري بشأن العراق وإنتقال هذا الخلاف إلى الإدارة الأمريكية مما جعلها غير منسجمة.

فكثيراً ما أشكتى المحافظين بعدم وجود ما أسميه "الآلة المحافظة" للتنفيذ .

يبدو أن صقوراً من أمثال وولفويتز وكريستول وغيرهم ليسوا مقتنعين بخطأ إستراتيجيتهم بقدر قناعتهم بعدم وجود آلة تنفيذية رادعة وحاسمة لمعركتهم الحاسمة؛ معركة الدمقرطة والحرب على الإرهاب.

رغم كل ما تحمله مثل هذه المواقف بالتملص من المسؤولية وإختلاق الأعذار لكن أيضاً تحمل نسبة ليست بقليلة من الصحة.

فالإختلافات بين الخارجية والبنتاغون من جهة وبين البنتاغون و المخابرات المركزية من جهة أخرى أصبحت واضحة ومعلنة خلال إدارة أزمة العراق بعد إسقاط صدام وفي مجريات العمليتين السياسية والأمنية و التي كان أبرزها المجادلة اللفظية التي دارت بين رايس ورامسفيلد على خلفية تصريحات رايس بشأن آلاف الأخطاء التكتيكية الأمريكية في العراق.

لكن من جهة أخرى فالحزب الديمقراطي لا ينظر إلى الإنتخابات التي فاز بها إلا كمرحلة تمهيدية لإقتحام  البيت الأبيض ومن المحتمل جداً أن يقحم نفسه على إنجاز الوعود الداخلية التي وعد بها الناخبين خلال السنتين المتبقيتين للإنتخابات الرئاسية وذلك تجنباً لتحمل أي مسئولية للإخفاق المحتمل في العراق وإلحاق الأذي بالقضية الأساسية وهي الإنتخابات الرئاسية القادمة .

يعتقد الآخرون إن الحزب الديمقراطي بسبب عدم وضوح رؤيته تجاه الأزمة العراقيه وعدم إمتلاكه خطط لحل الأزمة  فسيسعى لإستخدام  الورقة العراقية وعرقلة القرارات المتعلقة بها كوسيلة لإبتزاز الرئيس و الحزب الجمهوري والمساومة على قضايا تتعلق بشأن الداخل الأمريكي و الإنتخابات الرئاسية القادمة.

وفي هذا الإتجاه يبدوا أن الرئيس بوش إستبق الأحداث وأقحم الديمقراطيين في القضية العراقية  ذلك عبر تشكيل لجنة بيكر-هاميلتون التي شكلها قبل اكثر من نصف عام ومناصفة بين الجمهوريين والديمقراطيين  ليجعل الحزب الديمقراطي  أمام المسؤولية تفادياً لتحمل أوزار العراق هو حزبه ولوحدهما.

هذه الخلافات تهمنا لأنها تتمحور حول العراق ومستقبله. فيبدو لي  أن العراق كان وسيكون ضحية إنقسامات حادة بين النخب الأمريكية الحاكمة على الأقل في المستقبل المنظور.

لكن في إعتقادي أن العراق سيف ذو حدين فكما هو مصدر خلاف و إنقسام وإبتزاز داخل الإدارة الأمريكية أيضاً يعتبر المخرج الذي من شأنها أن يوحد الحزبين وذلك بسبب واحد و بإختصار:"المصلحة القومية الأمريكية العليا".

لا أرى حاجة للإطالة وإعادة ما ردده الكثير في المنطقة و داخل الولايات المتحدة بأن هيبة الولايات المتحدة كقوة عظمى مرتبط بما سيفرزه إدارتها للأزمة العراقية وإنجازه للأهداف المعلنه  كالديمقراطية والحرية و ....

إذن من مصلحة الجميع ( الجمهوريون المنقسمون على أنفسهم و الديمقراطيون الذين يختلفون مع الجمهوريين ) التوحد حول محور العراق و الكف عن الإبتزاز والعرقلة والمساومة عليها.

 أعتقد إن ما وقع في العراق من تعقيدات وتداعيات ومضاعفات ولاسيما في العامين الأخيرين يعود الى التراجع العملي في الإلتزام الأمريكي بالديمقراطية في العراق والى إنجرافه نحو المستنقع الطائفي والى تحويل القضية العراقية الى ورقة مساومة وضغوط وضغوط متبادلة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري من ناحية ، وبين الإدارة الأمريكية وهذه الدولة اوتلك في الساحة الأقليمية والدولية من ناحية أخرى ، وذلك لايضرب المصداقية في الصمميم فحسب بل يتسبب في المزيد من التأزم والتشابك والتعقيد ويفجر الأزمة بشكل لا يمكن السيطرة عليه فلابد من الكف عن المساومة بالورقة العراقية داخل الولايات المتحدة وخارجها وإتفاق الحزبين على تعزيز الديمقراطية في العراق بعيدا عن الإنحياز الطائفي فذلك يخرج العراق من أزمته و الولايات المتحدة  من محنتها ويحفظ لها مصالحها ويحسن من صورتها ويتم تسجيل ذلك للحزب الديمقراطي في ظل رئيس جمهوري ، وذلك يزيد من إحتمالات فوز مرشح الديمقراطيين في الإنتخابات القادمة .

أجل لا تحتاج الولايات المتحدة لحكومة وحدة وطنية هي الأخرى؟!!

فالوصفة توصف لدول كالعراق وحمى تشكيل حكومات الوحدة الوطنية غير معدية إلا في العالم الثالث غاية ما في الأمر أنها بحاجة الى إتفاق على ما تقدم للخروج من عنق الزجاجة بدلا من المساومات والبحث عن الطرق الملتوية المعدومة أصلا في عنق الزجاجة.