مقالات و محاضرات

 

 

 

هلْ قمة مكة المكرمة خطوة في الإتجاه الصحيح ؟

 

 

كتب أحمد الجار الله في السياسة الكويتية مقالا بعنوان قمة على الصراط المستقيم نصه :

 

العالم الاسلامي كتلة عقيدية حارة جدا. وفي هذا العالم خضع الاسلام العقيدي لتجاذبات السياسة والمصالح, كما خضعت آيات كتابه للتأويل والتفسير واستخدمت منصة لاطلاق شتى الفتاوى التي كانت المعبر الاكثر حدة عن اختلاف الرؤية الى المصالح المتعددة, والمتناقضة, والمتصارعة.

وربما لهذا السبب كان العالم الاسلامي دولا لا تترابط, وامة واحدة متمزقة ومتوزعة على امم لا تتفاهم, على رغم ان الرب واحد, والنبي واحد, والكتاب واحد, والكعبة واحدة, كما قال رئيس الجمهورية الايرانية محمود احمدي نجاد.

وربما لهذا السبب كذلك, كون الاحوال باقية على ما هي عليه كانت قمم منظمة المؤتمر الاسلامي, المفروض انها اداة جمع وتوحيد, تبدو في معظمها قمم موائد, ومجاملات, و»حب خشوم« على رغم العلاقات المتوترة بين الدول الاسلامية, والصراعات المختلفة الدائرة بينها, سواء على الحدود, او على النظرة الى العقيدة.

للمرة الاولى الآن, بعد قمة مكة الاخيرة, يدخل قادة الدول الاسلامية في مرحلة العملانية, وتجاوز اشكال المجاملة, ويغوصون في اعماق انفسهم بقصد الاصلاح, ومسايرة العصر, والتفتيش عن مكان في هذا العالم في ظل معدلات القوة.

هناك عيوب كثيرة في انفسنا نشكو منها, ويشتكي العالم منا بسببها, ونحن نشكو من هذا العالم المشتكي منا, وندور جميعنا في حلقة مفرغة لأننا لانواجه العيوب, ولا نتجرأ على الاقتراب منها بقصد الاصلاح, وبالتالي يستحيل علينا ان نكون امة واحدة, وصوتا واحدا.

من العيوب تلك الايديولوجيات التي وفدت الى العالم الاسلامي, وبدأت تفرض منطقها وعقائدها خارج الحزام العقيدي الاسلامي, وكأنها تريد ان تحل مكانه في الوجدان العام... وفدت إلينا العقيدة الماركسية, واحزاب البعث والاخوان المسلمين, وتيارات التكفيريين, والالغائيين, ومع هذا الدخول نشأت ادوار تسمح لتدخل الدول الخارجية في العالم الاسلامي من اجل خدمة مصالحها, فراحت تشجع هذا الحزب على ذاك, وهذه العقيدة على تلك, وهذا التيار على ذاك, بل وهذا المذهب الاسلامي على المذهب الاسلامي الآخر.

واذا كانت العقائد الوضعية قابلة للضمور, كما للانتشار, بحسب الوضع السياسي, الا ان العقيدة السماوية القائمة في الوجدان البشري الى الابد قد تم التسلل اليها عن طريق الانشطار المذهبي, او تعدد المذاهب, والذي ساهم باذكاء صراعات ابدية, كون المذاهب اخذت تكفر بعضها البعض وتنسب الى ذاتها حق احتكار العقيدة السليمة او الاسلام الصحيح. واهم ما في مؤتمر مكة ان القادة ذهبوا الى عمق هذه الناحية, المانعة للوحدة اولا, والمسهلة لذوبان العالم الاسلامي في اللا شيء والعدم. هؤلاء القادة في انهماكهم بمراجعة النفس, واصطياد العيوب, وفي مسيرتهم العملية نحو التضامن والوحدة حرموا تكفير المذاهب الاسلامية وتكفير اتباعها من المسلمين. وربما استطاعوا بهذا القرار ان ينهوا صراعا مريرا داخل الامة ممتدا من ايام الامويين وخلافتهم حتى يومنا هذا. وطوال هذا الزمن المديد كان التكفير فاعلا, كنهج عقيدة, وكان إلغاء الآخر معتمدا بمسوغات شرعية.

وفي عصرنا هذا ازدهرت مفاهيم التكفير, على خلفيات سياسية, وظهرت تيارات تنفي عن الاديان السماوية سماويتها, وتكفر اتباعها, وتبيح سفك دمائهم, على الرغم من ان شروط الاسلام للايمان هو الايمان بملائكته وكتبه ورسله.

الأهم هو تحريم تكفير اصحاب المذاهب الاسلامية, لكن ذهاب قمة مكة الى ربط مصالح الدول الاسلامية كان الجامع المشترك بين ما هو دين وما هو دنيا. فالملاحظ ان تجارة الدول الاسلامية البينية هي مع الغرب المختلف وليست فيما بينها... هذا الغرب الذي يستغل الدول الاسلامية بإقامة صناعات لتغذية اسواقه, بحكم الكلفة الاقل, بينما الدول الاسلامية لا تلتفت الى هذه الميزة, وتستثمر في اسواقها مصالحها هي. ولا ينقص هذه الدول المال, فهو موجود لديها بكثرة, لكنه موزع بشكل خطأ, حتى في داخل المجتمعات الاسلامية, المنقسمة بين اقلية فاحشة الثراء واكثرية في فقر مدقع.

لعل قمة مكة, كما نأمل, قد لامست هذه النواحي العملية المهمة, ونجحت في وضع حد نهائي للخزعبلات التي كانت تنشأ بعيدا عن رقابة جماعية صارمة, سمحت بظهور ابن لادن في السعودية, والظواهري في مصر والزرقاوي في الاردن, واهمية وجود الرقابة الجماعية انطلقت من رقابات الدول الذاتية, فحين اشتدت رقابة المملكة هرب ابن لادن الى افغانستان, وحين ضغطت الرقابة المصرية والاردنية هرب الظواهري الى افغانستان, والزرقاوي الى العراق, وترى الآن انه حين ضغطت الرقابة الجماعية هرب كل الارهابيين الى ارض العراق المستباحة, والتي يشعلون فيها حرب مصيرهم ونهايتهم.

قمة مكة, بحساب تحريم تكفير المذاهب الاسلامية واتباعها, وبربط مصالح العالم الاسلامي, وبتوحيد المرجعية الفقهية, وتشديد الرقابة الجماعية على الخوارج الجدد, تكون قد وضعت حجر الاساس لعالم اسلامي يملك امكانات الحضور في معدلات القوة العالمية, وقادر على نفي نظرية صراع الحضارات, وجاهز للقيام بدور فعال في المسيرة الانسانية التي تتطلع الى الاستقرار والسلام على سطح الكوكب الارضي.

قمة مكة, بكل هذه المعاني التي اطلقتها, يمكن اعتبارها قمة خادم الحرمين الملك عبدالله, فهي نطقت بافكاره, وبمشاريعه الى الامة الاسلامية الواحدة, وهو استطاع عقدها استثنائيا بعد أن أوشك على إعادة بناء المجتمع السعودي على الوسطية والاعتدال والتسامح, وعلى العودة الى روح الرسالة المحمدية وجوهرها.

وكل ذلك بحسب أحمد الجار الله .

المصدر : السياسة الكويتية- 9-12- 2005