توماس فريدمان يتساءل:

                                      إلى متى ينكر "جمهوريو" أميركا عيوبهم؟

 

توماس فريدمان

 

الهزيمة التي تلقاها السيناتور "الديمقراطي" جون ليبرمان أمام منافسه "نيد لامونت"، السياسي الصاعد المعادي للحرب, أثارت عاصفة من الخلاف والحوار داخل صفوف الحزب "الديمقراطي" حول الاتجاه الذي ينبغي لـ"الديمقراطيين" السير فيه. وإن تحدثت عن نفسي، فإن قلبي مع أولئك "الديمقراطيين" الذين يبدون قلقاً، ويرون أن مجرد الدعوة لانسحاب قواتنا من العراق, ليست استجابة كافية ولا ملائمة للمخاطر الكبرى المحدقة بكافة المجتمعات الديمقراطية المفتوحة, وعلى رأسها خطر الإسلام السياسي, على رغم أهمية ذلك الانسحاب. وما لم يسعَ "الديمقراطيون" لإقناع الناخبين حقاً بصعوبة هذا التحدي وضرورة اتخاذ موقف متوازن إزاءه, فإنه يتعذر عليهم الفوز بالمنصب الرئاسي. لكن وعلى حد قول النقاد, فإن تياراً رئيسياً داخل "الديمقراطيين" لا يزال أبعد ما يكون عن تبني قناعة كهذه, ولا يزال غارقاً في "حمائميته" وتمسكه بموقفه المناوئ للحرب. وإحقاقاً للحق, فإن معظم ما قدم من آراء بناءة وانتقادات لأوجه الصرف المالي خلال السنوات الثلاث الماضية, فيما يتصل بإنقاذ العراق وبتحسين أدائنا العام في الحرب المعلنة على الإرهاب, إنما هو منسوب للقادة "الديمقراطيين" من أمثال "جوي بدين" و"كارل ليفن" و"هيلاري كلينتون" و"جون كيري" و"بيل كلينتون".

بيد أن الحقيقة التي لابد من إقرارها هي أن "الديمقراطيين" ليسوا هم الممسكون بزمام السلطة اليوم في الولايات المتحدة, بصرف النظر عن رأيك فيهم.

والذي يجب أن يثير قلق البلاد ويقض مضجعها حقاً, ليس انزلاق "الديمقراطيين" خطوة بعيدة نحو "اليسار" وتبنيهم للأنشطة والتظاهرات المناوئة للحرب, وهي جميعها أنشطة ومواقف لم تأخذ بمثقال ذرة واحدة حدود وسعة الإطار الأمني العام الذي نصارع فيه. بل إن الذي يؤرق أميركا بالفعل, هو إنكار إدارة بوش وحزبه "الجمهوري" لما ساقتنا إليه استراتيجيتهم, مع العلم بأنهم الممسكون بزمام السلطة والحكم, وبأنهم أول من يفترض فيه الأخذ بخطر وسعة الإطار الأمني الذي نصارع فيه. وباستثناء عدد ضئيل محدود من الشخصيات "الجمهورية" المخالفة من شاكلة "تشاك هاجل" و"جون ماكين" فيما يتصل بسياساتنا في العراق, وكذلك مواقف "ريتشارد لوجار" و"جورج شولتز" في مجال سياسات الطاقة, فإن على المرء أن يتساءل محقاً, كم عدد "الجمهوريين" الذين تجاسروا على بوش وطرحوا عليه السؤال الواجب طرحه عن ماهية السياسات التي حولت العراق إلى سراب وخيبة؟ ولو ارتفعت أصوات "الجمهوريين" ضد تلك السياسات –بدلاً من تصفيقهم وتطبيلهم الفارغ لما طبقته الإدارة من سياسات خرقاء- لأمكن للبيت الأبيض تغيير مجرى التيار وتجنب هذا المأزق الذي وقعت فيه البلاد, في الوقت الذي كانت أمامهم الفرصة لفعل شيء كهذا.

وبالنتيجة، فإن الأمر لا يتوقف عند حدود افتقار "الجمهوريين" للأمانة الكافية التي تمكنهم من ممارسة النقد الذاتي فحسب, وإنما هناك مجموعة "ديك تشيني وأصدقاؤه" التي تكرس جل اهتمامها في القول إن في فوز السيد "لامونت" على خصمه ليبرمان, ما يكفي للتأكيد أن "الديمقراطيين" أبعد ما يكونون عن فهم حقيقة أننا نخوض صراعاً ضارياً وشرساً ضد "الفاشيين الإسلاميين", وإنهم أبعد ما يكونون عن القدرة على قيادة البلاد.

وهنا مناسبة لإثارة السؤال التالي في وجه السيد ديك تشيني: حسناً.. إن كنا نخوض صراعاً ضارياً وشرساً مع الإسلام الراديكالي أو الفاشيين الإسلاميين كما تقول, فلماذا خاض "صقورك الأشداء" تلك الحرب بنهج صديقك رامسفيلد –أي بأقل عدد من الجنود بما يكفي لتحقيق الخيبة والفشل- وليس بناءً على نهج كولن باول الداعي إلى إرسال قوة كبيرة ساحقة, حتى يتسنى لها وضع اللبنات الأساسية لأي مشروع له علاقة بالديمقراطية وإعادة البناء, أي لضمان الأمن؟ وكيف لك سيدي العبقري, أن ترسل هذه القوة الشحيحة الضئيلة إلى حرب بكل هذه الشراسة والأهمية, وقد بدا واضحاً ميل العراقيين للارتداد والاعتماد على مليشياتهم الطائفية القبلية, متى ما انفرط زمام الأمن الوطني؟!

ثم هاك سؤالاً آخر سيدي تشيني: إن كنا نخوض كل هذا الصراع الشرس الضاري ضد أعدائنا الإسلاميين الفاشيين, فلماذا وقفت أنت والرئيس بوش حجر عثرة أمام أي جهود خالصة ترمي لإقناع الأميركيين بأهمية الحفاظ على الطاقة وترشيد استهلاكهم لها؟ ولماذا لم ترفع إصبعاً واحداً لمنع المواطنين الأميركيين من دعمهم للإرهاب بمشترياتهم من النفط والوقود؟ أم أن اعتراضاً كهذا سيؤذي شركات النفط والسيارات الممولة لحزبك "الجمهوري"؟ وإن كنا نخوض تلك الحرب الشرسة كما تقول, فلمَ تكثر من استخدامك للحرب على الإرهاب, ذريعة لتخويف الناخبين ودق إسفين بينهم والحزب "الديمقراطي"؟ وكيف لنا أن نصمد في هذه الحرب الماراثونية طويلة الأجل, ونحن متفرقون أمة ودولة؟

كفانا ضجيجاً وطبولاً حول "حربك التيتانية الضارية", وكفاك حرصاً عن صرف أنظار الأميركيين بطنينك المستمر عن تلك الحرب, عن فشلك في أن تكون بقدر تحدي وعزم تلك الحرب التي تتحدث عنها.

أقول لكم أصدقائي إننا نسير بلا هدى في العراق. وحسبما أشار إليه كشف النقاب عن آخر مؤامرة إرهابية استهدفتنا في لندن, فإن حربنا مع الإسلام الراديكالي المتشدد, لم تزدد إلا ضراوة واتساعاً. ومن هنا تنشأ أهمية مراجعتنا لكل ما يتصل بهذه الحرب. وعلى الرغم من قدرة الديمقراطيين على تقديم البديل المساعد والعملي لهذه السياسات الجارية, فإن خروجنا من هذا المأزق يعتمد بالدرجة الأولى على تخلي الحزب الممسك بزمام السلطة في بلادنا عن تنصله وتنكره الذميمين إزاء عيوبه ونقائصه.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"- 17-8-2006