مقالات و محاضرات

 

 

غوليات يفقد صوابه

 

سمير عطا الله

 

 الحرب لم تنته بعد. الذي انتهى هو زمن الاساطير: لا جيش لا يقهر بعد تموز 2006، ولا العربي عاجز عن القتال والانتصار. كيفما قلَّبت لوحة المعارك على الارض، "حزب الله" هو المنتصر.

منذ منتصف تموز والجندي الاسرائيلي يتراجع، ومنذ ذلك الوقت والمقاتل العربي (لبناني مرة اخرى) يقاوم، ويدمر دبابات طرزان، ويجيد استخدام السلاح الروسي الذي حمّلناه في الماضي مسؤولية الهزيمة. مقاتل "حزب الله" اثبت للجيوش التقليدية ان المسألة ليست في السلاح بل في حامله.

ثمة غرور عمره 60 عاما سجلت خاتمته على مداخل بنت جبيل وعيتا الشعب وكفركلا. لم يعد "جيش الدفاع الاسرائيلي" يخرج في نزهة الى جبهات العرب ويعود وقد نكس أعلامهم. ولا يعود الجنرال العربي هو الفضيحة، بل ها هو الجنرال الاسرائيلي يحال على العزل. واذ ترى اسرائيل ان مبارزها لا يهزم، ترتد الى المدنيين، في همجية معلنة ووحشية موصوفة وفلتان عقلي لا يشبه الا يوم دك الحلفاء مدينة دريسدن حجرا فوق حجر مرة بعد مرة: اكثر من 10 آلاف مبنى. ومليون مشرد وانقاض مغلقة تتحول مدافن مفتوحة.

لقد فقد غوليات صوابه اذ فقد قواه وسمعته وصورته. وتحولت "الفانتوم 16" المطورة في المصانع الاسرائيلية، وحشاً يقتل ويدمر من بعيد. عشرة آلاف غارة على الاقل، فوق بلد مجرد من السلاح الجوي، استهدفت الجسور والطرق والشقق والمياتم والمستشفيات والكهرباء. فتك فاجر ومعلن وجورج بوش يسأل طوني بلير عن احوال العطلة الصيفية في الكاريبي. لا يريد ان يسمع أنباء سقوط جيش السلاح الاميركي.

بدأنا الشهر الماضي وايهود اولمرت يقول ان قدرات "حزب الله" قد دمرت مئة في المئة. "لن يستطيع الحزب تهديد سكان الجليل بعد الآن". في اليوم التالي سقط على شمال اسرائيل نحو 300 صاروخ. ومن ثم سوف يقول اولمرت، نائب ارييل شارون "لم يحدث في التاريخ المعاصر ان كانت هناك معركة فعالة ضد منظمة ارهابية مثل هذه المعركة". ضد "المنظمة الارهابية" لا. لقد كذبته شهادات الجنود الاسرائيليين في بنت جبيل ويارون وكفركلا. أما الفاعلية ضد المدنيين فأمر آخر: قانا، ومروحين، وصور. وتفريغ الجنوب، بدل "الانتصار" عليه. وكلما حفر الجيش الذي لا يُقهر مترا في اتجاه الليطاني، كان الليطاني يبعد كيلومتراً، حتى بدا انه في الأولي. بل في نهر ابرهيم.

عندما اكتشف "التساحال" صعوبة، او استحالة، النزهة في الجنوب، قرر ان يعلنها حرباً على المدنيين. فالذي يفقد ابناً أو بيتاً او مأوى، سوف يتذمر من حسن نصرالله. لكن الحرب حولت الرجل البالغ الثامنة والاربعين، من زعيم شيعي لبناني الى زعيم عربي. وهذا الشعب العربي المأزوم المهزوم عاد يشعر انه يحق له الحلم بالانتصار، وبأن ينفض عن جبينه أمائر الذل وسيماء الخيبة الدائمة.

حاولت اسرائيل كل شيء من اجل تعديل الصورة او تغييرها. غارات مضحكة لاختطاف حسن نصرالله من بعلبك فاذا حسن نصرالله الذي اختطفه الكوماندوس، قروي يلعب "الباصرة".

وفجأة ظهر "احمد سعيد" هذه المرة في الجانب الآخر، عند الاسرائيليين. ولا شك في ان عمير بيرتس، المغربي الاصل، متأثر بتجارب الاذاعات العربية القديمة. وكل صباح كانت البيانات التي يذيعها في المساء تبدو مضحكة للجميع.

فقد قال ذات مرة "ان حزب الله قد انتهى"، وان "حسن نصرالله لن ينسى ابدا من هو عمير بيرتس"! لكن عنتر بيرتس كان حتى وصوله الى وزارة الدفاع، زعيما نقابيا يدعو الى السلام ولا يعرف شيئا عن الدفاع ودبابات "الميركافا" او الصواريخ القادرة على حرقها. ولن يعرف هو، بيرتس، مَنْ حسن نصرالله.

مشكلة اسرائيل مع "حزب الله" منذ البداية، او على الاقل منذ عام 2000، هي ما يعكسه من نموذج على أرض فلسطين. فقد قلب انتصاره في الجنوب الاوضاع الفلسطينية تماما. وادى ذلك في النهاية الى وصول "حماس" الى السلطة وسقوط "فتح" القابلة بمبدأ الدولتين والتي لا تصر على استعادة "كامل أراضي الوقف الاسلامي" في فلسطين.

ومنذ الانتفاضة الثانية شرّعت اسرائيل سياسة واحدة هي سياسة القوة الكاسرة وتصفية القيادات بالصواريخ. وادت هذه السياسة الى عزل المعتدلين وشلل رئيس السلطة محمود عباس. وعطلت مقررات القمة العربية والاندفاع الديبلوماسي، وطرحت شيئاً واحداً هو اقامة الجدران العازلة وقضم الاراضي الفلسطينية الى الدرجة القصوى، تجاهلاً لـخريطة الطريق" التي عرضها جورج بوش وهي في الاساس لا خريطة ولا طريق.

لقد وقعت هزتان في تموز 2006. هزة ايقظت الشعب العربي وهزة هزت المجتمع الاسرائيلي. ولن يترك لنا الاسرائيليون ان نعلن من هو المنتصر. فقد اعلنوا ان ايهود اولمرت هو المهزوم. وغداُ يعلقون شاربي عنتر بيرتس على اعمدة الاذاعات العربية القديمة. الدولة التي هزمت الجيوش العربية مجتمعة يهزمها، منفرداً، حزب لبناني. ليس فقط بالشهادة الانتحارية ولكن خصوصاً باستخدام السلاح الحديث، وسلاح المعلومات، ومعرفة خرائط حيفا كما تعرف اسرائيل خريطة جسر الفيدار ومرافىء السماكين.

لقد الغيت من المصطلح العربي ايضا "انتظرناهم من الشرق فجاؤوا من الغرب". فالجهل لا يقوم كذريعة في الصراع. والمدافن مليئة يقول المثل بذوي النيات الحسنة. ولذا فالمعرفة هي زاوية كل عمل. الباقي يكمل.

دفعنا الثمن باهظاً في لبنان، وهذا هو قدره. ان يدفع عن العرب ضريبة الهزيمة. مرة يدفعها حرباً اهلية ويحرّض فيها الاهل على الاهل، ومرة يدفعها حصاراً ومرة دماراً، فيما الاذاعات الشقيقة تلهث بالاناشيد وتعرق بالخطب وتطرب على ايقاعات الصنوج والمجاوز وندب الرباب.

هذه المرة كان الانتصار أهم بكثير من الثمن. من الجسور والمستشفيات وركام الضاحية وصور. فالدرس لم يكن لاسرائيل وحدها. كان ايضاً لفرق الدبكة العربية والعسكريين العرب والصدور الحاصدة الاوسمة. لقد انتصر "حزب الله" من دون جنرال واحد. او قبعة لماعة واحدة.

الآن، نحن على عتبة حرب اخرى. حرب قيامة الوطن واقامة الدولة. ماذا تنوي المقاومة ان تفعل:

 هل تنخرط في مشروع الدولة اللبنانية كما حدث في فرنسا بعد الحرب، أم ان لها رؤيتها بعد كل هذه المتغيرات الوطنية والاقليمية؟

لقد شهدنا للمرة الاولى في تاريخ لبنان تحولاً تاريخياً لا تلعب فيه سوريا دوراً رئيسياً معلناً، فيما تلعب ايران، للمرة الاولى ايضاً، دوراً رئيسياً حان اعلانه.

وأمام الحجم الاقليمي والعربي الذي اتخذه "حزب الله"، ظهرت على حقيقتها وحجمها قوى الفولكلور السياسي وفرق الببغاوات الملقنة. فهل ينقل الحزب قوته السياسية من الحدود الى الداخل، ام يتفادى خلخلة الوضع الداخلي، مكتفياً بحصة ميثاقية في الصيغة بدل الحصة التغييرية؟

لعل اللبنانيين الآخرين يفيقون ويبحثون هم ايضاً عن رجال لا يساومون على الارض ولا يبيعون اي شيء وكل شيء، وليس لهم من محبة لبنان سوى الصورة، الفولكلورية هي ايضا، مع العلم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: النهار اللبنانية-16-8-2006